في أمسيات كثيرة من أيام العدوان الأمريكي - الإسرائيلي على إيران ولبنان المستمر حتى اليوم، كنت أتنقل كثيرا بين القنوات التلفزيونية الإخبارية العربية بحثا عن قراءة متماسكة لما يجري.

المشهد الذي كان يتكرر دائما يكاد يكون واحدا: أصوات متعددة ومرتفعة ومتشنجة، ويقين مطلق بامتلاك الحقيقة، وعبارات حاسمة لا تعرف التردد.

محللون يقطعون التتابع الإخباري للأحداث ويقدمون رؤى متناقضة، وأحيانا مشوشة لكل شيء، ووسط هذا الضجيج، كان «التحليل» يتكاثر، بينما يتراجع الشعور بالفهم.

بدت الشاشات الإخبارية العربية المقسمة بين طهران وتل أبيب ومواقع الغارات والضربات الصاروخية، مقسمة أيضا بين المتحدثين في الاستوديوهات والمحللين الذين يظهرون من «منازلهم» أو مكاتبهم عبر الأقمار الصناعية والإنترنت.

ورغم هذا الحضور الكثيف، فإن القطاع الأكبر من الضيوف يفتقر إلى الحد الأدنى من القدرات والأدوات التحليلية ولا يدرك المعنى العلمي الدقيق لمفهوم «التحليل».

هنا تحديدا يحق لنا أن نتساءل: متى ظهر في إعلامنا العربي كل هؤلاء الخبراء؟ وكيف تحول التحليل السياسي إلى مهنة من لا مهنة له؟

لا يتعلق الأمر، في تقديري، بتعدد الأصوات في حد ذاته، فالتعدد أحد شروط التغطية الإعلامية الجيدة. ما نشهده في كثير من التغطيات الموسعة المصاحبة للحرب، يتجاوز التعدد ليصل إلى حالة تشبه الفوضى المعرفية؛ حيث يتقدم الرأي الشخصي على التحليل الموضوعي، ويُقدَّم الانحياز الواضح للطرف المعتدي بوصفه تفسيرا، وتُستبدل الأدوات العلمية بلغة إنشائية معبأة بالإثارة.

هكذا أصبح من السهل أن يجلس أي شخص يحمل لقب «دكتور» أو يعرّف نفسه بأنه «خبير استراتيجي» أو «محلل عسكري»، أمام الكاميرا ليقدم أحكامًا نهائية على حرب معقدة وطويلة، دون البحث في خلفيته المعرفية أو منهجه في قراءة الأحداث.

التحليل السياسي، في جوهره، وكما يقول علماء السياسة لا يقتصر على تقديم تعليق سريع على الأحداث، وإعادة صياغة الأخبار. وكما يشير وليم دون في كتابه «تحليل السياسة العامة: نهج متكامل» (2018) فإن التحليل السياسي هو «عملية متعددة التخصصات تستخدم المعرفة والمعلومات والنظريات لتفسير المشكلات العامة وتقييم البدائل وصياغة توصيات قائمة على الأدلة».

بهذا المعنى فإن التحليل السياسي يتطلب فيمن يقوم به أن يكون لديه تراكم معرفي واسع، وإلمام بالسياقات التاريخية والجغرافية، وقدرة على تفكيك الخطاب السياسي، وفهم لموازين القوة، وإدراك لحدود ما يمكن الجزم به.

وعندما ينتقل التحليل إلى وسائل الإعلام الجماهيرية يصبح عملا شديد الخطورة، فما يقوله المحلل على الهواء لا يبقى رأيًا شخصيًا عابرًا، ويلعب دورا كبيرا في تشكيل وعي الجمهور بالأحداث، وربما في توجيه مواقفه وسلوكه.

ولذلك عندما يتساهل الإعلام العربي في استضافة محللين لا تتوافر فيهم المتطلبات التي ذكرناها فإنه يسهم مباشرة في إعادة إنتاج سرديات غير دقيقة أو منحازة ومضللة.

في تغطية الحرب الجارية، يظهر الخلل واضحا في عدد من القنوات الإخبارية العربية، التي تراجعت فيها معايير الموضوعية.

وتتم استضافة أسماء بعينها، تتكرر وتتنقل عبر الشاشات، وتقدم قراءة منحازة لصالح الطرف المعتدي، وتستخدم عبارات ثقيلة بلا معنى لتبرير العدوان، وفي كثير من الأحيان، لا يُتاح للرأي الآخر الحضور أو المساحة ذاتها. وبذلك يتحول النقاش إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج الفكرة نفسها بأصوات مختلفة.

المشكلة أن هذا الانحياز يتم تقديمه وتسويقه في هذه القنوات ومنصاتها الرقمية على أنه تحليل علمي صادر عن خبراء، وهو ما يربك المتلقي، ويجعل من الصعب التمييز بين التفسير والتبرير.

هنا يفقد الإعلام إحدى أهم وظائفه، وهي خلق وعي حقيقي غير قائم على التضليل، ويتحول إلى أداة للتبسيط المخلّ الذي يخدم رواية بعينها. ولعل أخطر ما يفعله هذا النمط من التحليل أنه يدّعي الحياد بينما هو منحاز تماما، ويتخفى في ثوب العلم وهو في جوهره موقف دعائي.

في مقابل هذا المشهد، يبرز نموذج مختلف يستحق التوقف عنده، وهو ما قدمه عدد من المحللين العُمانيين خلال هذه الحرب؛ حيث نجد خطابا يتسم بقدر كبير من الاتزان المنهجي القائم على التحليل الدقيق والرؤى الموضوعية. في مساهمات هؤلاء المتحدثين يمكن أن تلاحظ كيف يناقشون الفرضيات، وكيف يتركون مجالا للاحتمالات، دون أن ينزلقوا إلى إصدار أحكام قاطعة بعبارات فضفاضة.

هذا النمط من الخطاب يمثل، في رأيي، مدرسة في التحليل الإعلامي تقوم على الإقناع، ومساعدة الجمهور على فهم ما يجري، دون السعي إلى كسب المعركة الخطابية كما يفعل غيرهم.

هذا الاختلاف لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي يتحرك فيه الخطاب السياسي العماني الراسخ، والمتمثل في انتهاج سياسة خارجية تقوم على التوازن، وتجنب الاستقطاب الحاد، والسعي الدائم إلى السلام والحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع كل الأطراف.

هذه السياسة التي تكاد تنفرد بها سلطنة عُمان لا تظهر فقط في المواقف الرسمية للدولة، وتمتد إلى طريقة قراءة الأحداث وتفسيرها وتقديمها للجمهور سواء كان عبر الإعلام الوطني أو من خلال بعض المحللين العُمانيين الذين تستضيفهم القنوات التلفزيونية العربية والأجنبية، أو حتى في المشاركات التي يقدمها مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي على صفحاتهم الشخصية. هذا النهج العُماني أثار اهتمام وسائل إعلام دولية مؤثرة، وفي مقدمتها مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، وهي واحدة من أبرز المجلات العالمية المتخصصة في الشؤون السياسية والاقتصادية، وتُعرف بتأثيرها الواسع على دوائر صنع القرار والنخب السياسية في العالم.

فقد نشرت المجلة مقالا مهما لمعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية حمل عنوان «كيف يمكن انتشال القوى العظمى من ورطتها؟»، تناول فيه الحرب، وقدم قراءة نقدية لمسارها، ورؤية تتسم بقدر كبير من الصراحة والتوازن. وقد لقي المقال صدى عالميا واسعا، وتناقلته وسائل الإعلام الدولية، بوصفه تعبيرا عن مقاربة مختلفة في فهم الصراع، خاصة دعوته أصدقاء الولايات المتحدة إلى مساعدتها على الخروج من حرب وصفها بأنها غير شرعية، وعدم الاستمرار في التصعيد. واستخدم المقال لغة تجمع بين فهم حقيقة ما يجري وبين النقد البناء وقدم نموذجا لما يمكن أن يكون عليه التحليل السياسي حين يتحرر من ازدواجية التبرير والإدانة المطلقة.

الواقع أن الفرق بين هذا النوع من الخطاب، وبين ما يقدمه المحللون والكتاب في وسائل ومنصات الإعلام العربية، يتمثل في احترام قواعد التحليل السياسي وضرورة عدم فهم الصراعات الكبرى من خلال سردية واحدة حتى لا يتحول التحليل إلى أداة لتأكيد المواقف المسبقة.

على هذا الأساس فإن سؤالنا عمن يحق له أن يتحدث بوصفه محللا سياسيا يصبح سؤالا مشروعا للتأكيد على أن هذا المجال، كغيره من مجالات المعرفة، له معاييره وأدواته. فاللقب الأكاديمي لا يكفي ليصبح كل من يحمله محللا سياسيا، والخبرة العسكرية السابقة ليست جواز مرور للوصول إلى أستوديوهات تحليل الحروب؛ فما يهمنا في النهاية هو منهج المحلل سواء كان سياسيا أم عسكريا أم استراتيجيا، وكيف يقرأ الوقائع والأحداث، وكيف يبني الاستنتاجات، وكيف يُفرَّق بين ما هو معلوم وبين ما هو محتمل.

ربما لا يمكننا منع كل من يرغب في الحديث لوسائل الإعلام عن الحرب من أن يصف نفسه بما يشاء، لكن يمكننا، على الأقل، أن نعيد الاعتبار لمعايير التمييز بين التحليل والدعاية، وبين الموضوعية والانحياز.

ولعل ما تقدمه التجارب العُمانية المتزنة، سواء كان على مستوى الأفراد أو المؤسسات، أن يعيد التأكيد على أن التحليل السياسي حين يُمارس كعلم تطبيقي له أصوله يمكن أن يكون أداة لفهم العالم وتفسير الأحداث على نحو أفضل، وليس مهنة من لا مهنة له.

أ. د. حسني محمد نصر أكاديمي فـي قسم الإعلام  بجامعة السلطان قابوس