تحدث شيخنا الجاحظ منذ زمن بعيد عن بلاغة الخطيب التي لا تكتمل إلا بصحبة من هيئة وعصا لها مآرب وحركات وإشارة تسند العبارة، وكان الساسة المتمكنون في الدولة الأموية يدركون أثر العبارة وفعل الإشارة، فكانت خطبهم مسرحا يجول فيه الخطيب ويشير ويعبس ويمرح وينتفض ويهدأ وهو يخطب، ولم تكن خطب الساسة ترمي إلى العرض البلاغي أو البياني أو اللغوي فحسب، وإنما كانت اللغة أداة للفعل، والخطبة جهازا لحمل المخاطبين على الخروج من عوالمهم والاندماج في عالم المتكلم الخطيب الذي يستمد قوة قوله من منزلته سائسا قادرا. اليوم، وقد خلنا أن الخطابة قد فقدت منزلتها ومكانتها وأثرها، يعود إلينا رأس الولايات المتحدة الأمريكية بقدرة خطابية ووفرة قولية ومسرحة لسانية، يجري معجما قريبا من عامة الناس، ويبدي ما في ضمير السائس المهيمن القادر، المستطيع بقوته، يوهم بأنه يقول الحق ويكشف السرائر، ويتحرك براحة ويستعمل الإشارة التي تسند العبارة، وكأنه على سجيته وطبعه، وقد احترنا، في هذا العالم، من نصدق، نحن المتابعين لفوضى السرديات المتداولة اليوم في ظل السيطرة الأمريكية على الخطاب الرسمي وغير الرسمي. أسمع وزير الحرب الأمريكي، يشتم الإعلام المضلل من بني جنسه، ويتهجم على المشككين في الانتصار الأمريكي العظيم، وأنصت لأنصار نهج ترامب في الخطاب والسياسة يقيمون نمطا من المعجم السياسي جديدا يعرى من لمسات الديبلوماسية ويشيد خطابا سلطويا إمبراطوريا يتحدثون فيه عن قوة أمريكا العظمى التي لا تقاوم، تأخذهم العزة بامتلاك أقوى جيش في العالم، يفتخرون بالقدرة التدميرية، ويتطاولون بالقتل وإراقة الدماء!
وكذا سيدهم ورأس العالم في قصف خطابي متكرر، يحمل معجما من الشتم والهجوم وجلد المختلفين عنه وإن كانوا من أبناء جلدته.
حاولت أن أتابع بعضا من الخطابات التي يعمل فيه ترامب سجله المعجمي وحركات جسده وعبارات وجهه، وأن أخرج بنتائج من قدرة الخطاب على التزييف والإيهام، وبناء أيديولوجيات وإقامة سرديات بديلة، خاصة في فضاء سياسي كل إشارة فيه حاملة لسيميائية دالة، في عالم لا يكون فيه الخطاب لحظة عفوية تلقائية. مما راعني وأنا من المرات القليلة التي أستمع فيها إلى خطاب كامل لترامب، يتحدث عن سرديات متعارضة وعن أعمال وهمية وعن تحديد للآخر من منظوره القوي، فهو يقول إن الإيرانيين أذكياء جدا، ومن بعد ذلك يسمهم بالغباء المطلق، ويقول إنه قضى على كل الأسطول البحري، ومن بعد ذلك يتحدث عن هدفه في القضاء على الأسطول البحري! وحاولت أن أركز وأن أفهم فلم أستطع، وفي الآن ذاته، لم يقبل عقلي أن ما يتلفظ به الرجل هو انسياب كلام دون ضبط أو ربط، وهو الذي يمتلك ترسانة من العقول التي تراجع كل ما يقول، وكل ما يصدر عنه من لمحات وإشارات وحركات. ترامب الذي أجمع أغلب المحللين حول أمرين في خطابه، الأول أنه متناقض، ولا أعتقد أن هذا التناقض هو عفو بديهة، والثاني أنه غير متوقع، وأنا أرى في خطابه ملامح أخرى أهم وأوكد، هي العنف والعزة بالقوة ومخاطبة المشاعر الأمريكية، التي لا ترفض أن يتكرر على مسامعها وصف «أمريكا العظيمة»، وفي سبيل تحقيق هذه العظمة يسير فاعلا في العالم ما يريد أو ما تريد أمريكا. ترامب لا يقدم نفسه شخصا راغبا في القوة، بل هو يقدم نفسه وقد تماهى مع «الوطن»، مع أمريكا، التي يجوز في سبيل عظمتها أن تباد أمم. لا يعمل ترامب في خطابه «الإيتكيت السياسي» ولا يتخفى خلف الديبلوماسية، بل تخيّر أن يبدي موقف السلطة وألا يخفيه وألا يلطفه وألا يجمله، فهو يسم ابن جلدته الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن بـ«النائم النعسان»، الذي جعل أمريكا تتقهقر بسبب ضعفه، وهو لا يتحرج في وصف خصومه مهما علا شأنهم بالخساسة والحقارة والجبن والضعف والفساد، يسخر منهم علنا، ويقزم أنصاره وخصومه، يطلق العبارات المسيئة على نساء وقفن منه موقف الضد، ويهزأ بأوروبا واتحادها، بل بلغ به الأمر أن نعت حلف النيتو بأنه «نمر من ورق»، وقص على ذلك مواقف لا تعد ولا تحصى.
وهي خطة في القول والصراحة تشفّ عن نهج في السياسة قائم على استمالة الجمهور الأمريكي المعني الأول بالخطاب، دون مراعاة لما تقتضيه السياسة من تغليف للقول، فهو يقول علنا ما يقال في الخفاء ويكشف أصول اللعبة السياسية دون حرج أو مواربة. لغة خطاب ترامب تذكرني بمسرح العبث، حيث لا يراد من اللغة بيانا ولا صدقا ولا حمولة معرفية إخبارية، وإنما المراد منها خلق حالة ما لدى المخاطب، اللغة في خطاب ترامب لا توجه إلى العقل، بل إلى الغريزة القومية الأمريكية، ولذلك، فإنه يحمي تداعي خطابه ومختلف تناقضاته المنطقية بجملة «أمريكا العظيمة»، و«أقوى جيش في العالم»، وقد غرس في أذهان مخاطبيه أن العالم وجب أن يخر صاغرا لهذه القوة وأن يشكر ربه ألف مرة أن أمريكا تحكمه. التناقض في خطابه هو خطة في سياسة القول، وليست بلهًا ولا سذاجة ولا جهلا، وإنما هي خطة تشغل أولي الأمر، يخوضون فيها ويسهرون جراها ويختصمون ليفعل هو ما لا يقال وما لم يقل، ففي وسمه -على سبيل المثال- للإيرانيين بالغباء والذكاء في الخطاب ذاته، إضمار لبلاغة عميقة في الفصل بين السلطة الإيرانية الغبية، والشعب الإيراني فائق الذكاء، محاولة منه لاستمالة الشعب ونبذ قادته.
يرافق هذا السفور في لغة الخطاب تغطية إشارية وحركية ومسرحية مقامية تجعل الخطاب القولي متسقًا مع حركية جسدية تنفذ القول وتحوله إلى فعل، إلى أثر في مخاطب اهتزت مشاعره وتأثر سمعا وبصرا. فإضافة إلى النظرة الشرسة التي يعملها عادة، وإضافة إلى ملامح الوجه الساخرة من الخصم، هنالك حركات مكرورة مستعادة ترافق خطابه اللغوي، مثل حركة العزف على الأكورديون التي يكررها موهما أنه ممسك بأطراف اللعبة، وأنه مقدم على جليل الأفعال التي لا يريد عرض تفاصيلها وإنما يقتصر على صرف انتباه المخاطب إلى تكرارية الحركة في تعمية واضحة لمحتوى القول، أو حركة الأصابع تهديدا ووعيدا، وهي سيميائية إشارية جسدية في بلاغة الخطاب وجب أن تدرس آثارها على المخاطب وأن يدرس تقصد إتيانها وتكرارها. بلاغة قائمة على الزيف والتزييف، تستند إلى خطاب العامة لا خطاب السائس، وتركن إلى تقوية القول نتاج قوة الحضارة، ولغة يقوم معجمها على الرجم الكلامي المكرر، وعلى فصل الكون إلى منطقتين، منطقة القوة التي تملك النفوذ والحق، ومنطقة الضعف التي تحدد لها سبيلان، سبيل التابع للقوي أو سبيل المهدور دمه الواقع في دائرة الزيغ والعنف والشيطنة. ولقد صدق زياد بن أبيه منذ زمن بعيد حين خطب أهل العراق فقال -وهو الخطيب البليغ صاحب الخطبة البتراء-: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة»، أي بليغة سائرة في الناس، فالكذب في خطب أولي الأمر نافذ فاعل منتشر، وهذا الكذب مصدق، منتشر، ونحن في عالم لا نعرف صدقه من زيفه، وقد أصبحنا أسرى لعبة من لعب الحرب التي هيمنوا بها على أذهان أبنائنا.
محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي