القدس المحتلة - عُمان - محمـد الرنتيسي
في 25 يوليو 2018 دقّ حجر كبير سقط من أحد الأسوار المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك في القدس المحتلة؛ نتيجة للحفريات الإسرائيلية المستمرة، ناقوس الخطر، حيال نوايا الجمعيات الاستيطانية الدينية الإسرائيلية، ويصطف في مقدمتها "جماعة الهيكل" لتحقيق أطماعها بهدم المسجد المبارك، وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه.
وفي 26 سبتمبر 1996 شبّت نار هبّة شعبية فلسطينية عُرفت بـ"هبّة النفق" احتجاجا على حفر الاحتلال أول نفق تحت أسوار المسجد الأقصى المبارك، وعمّ الغضب أرجاء القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وسقط خلال المواجهات العنيفة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال المئات من الشهداء والجرحى.
ولم تعد خافيةً المعطيات المخيفة حيال التصاق القدس المحتلة بحلقة الخطر التي تتهدد عموم الأراضي الفلسطينية، ففيما المسار السياسي على جبهة غزة التي لا تهدأ، يمضي على خيط رفيع، وسط مخاوف من مداهمة الحرب من جديد، وخصوصا في ظل الحرب الدائرة في الإقليم، وتتعزز مناخات التصعيد والمواجهة في الضفة الغربية، بسبب تصاعد اعتداءات عصابات المستوطنين، فإن القدس المحتلة ليست بمنأى عن كرة النار وتشظياتها.
وإذ يمعن كيان الاحتلال في سياساته وممارساته العنصرية في المدينة المقدسة، متحديا بذلك كل المواقف الدولية، تواصل معاول الجمعيات الاستيطانية حفر الأنفاق تحت أسوار وباحات المسجد الأقصى المبارك، في إجراءات باتت تهدد ليس فقط القبلة الأولى للمسلمين، بل ومنازل المواطنين في محيطه.
ومنذ احتلال القدس عام 1967 والاحتلال يحفر تحت أساسات البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك بحجة الآثار، وتشير تقديرات وإحصائيات إلى تدمير عشرات المواقع الأثرية، وفتح أنفاق كبيرة، تمتد من باب المغاربة حتى أسفل المصلى المرواني، وسط خشية لها ما يبررها، من انهيار أجزاء من المسجد الأقصى، وأسواق القدس العتيقة.
خطر داهم
الخطر يقترب من أسوار القدس أكثر من أي وقت، إذ بلغت المناخات الصعبة التي تمر بها القدس القديمة ذروتها، فيستغل كيان الاحتلال الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، والحصار المفروض على القدس، كاشفا الغطاء عن عدة أنفاق ومخططات تهويدية، وما زال عبث الجمعيات الاستيطانية مستمرا، ما يستدعي زجره وقرع الأجراس في وجهه، كما يقول مقدسيون.
وغير مرة، لجأت حكومة الاحتلال إلى عقد اجتماعاتها في أنفاق تحت أسوار المسجد الأقصى المبارك، في سلوك لا يخرج عن اللامبالاة والبلطجة، بدأ يتنامى ويتعاظم في مدينة القدس المحتلة، ففي تدبير بائس ينم عن انفلات وجنون هذا الاحتلال، المصر على المضي قدما في غيّه وعربدته، والتوسع في إجراءاته وممارساته القهرية، تواصل عصابات المستوطنين اقتحاماتها السافرة والاستفزازية لباحات المسجد الأقصى المبارك، وأحيانا تتم هذه الاقتحامات بقيادة الوزير اليميني المتطرف إيتمار بن غفير.
الاحتلال والحالة هذه، يواصل سياسته البشعة في تهويد المدينة المقدسة، واستفزاز مشاعر المسلمين في بقاع الأرض، ما يستدعي حسب شخصيات مقدسية، ردعه وقرع الأجراس القوية في وجهه كي يتوقف عن بطشه وإجرامه، وساديته المفرطة.
ووفقا لنائب محافظ القدس عبدالله صيام، فإن حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، لم تتوان عن مواصلة سياسات سابقاتها، ولا تنفك عن محاولات تغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم في المسجد الأقصى، من خلال سلسلة من الانتهاكات التي تتشاركها الحكومة ذاتها مع العصابات الاستيطانية المتطرفة، وحتى القضاء الإسرائيلي.
يشرح صيام: "يسعى كيان الاحتلال لإيجاد موطئ قدم له في الحرم القدسي الشريف، وإن بصورة تدريجية بعيدة المدى، فتتصاعد وتيرة الاقتحامات، ومعها تمضي الحفريات تحت أسوار القدس، فيما المنظمات الاستيطانية تواصل أداء الطقوس التلمودية، وتستهدف الناحية الشرقية من المسجد، بما فيها مصلى باب الرحمة، وصولا إلى هدفها المعلن، بإقامة مكان للصلاة الدائمة في تلك المنطقة".
جرس إنذار
وتشير دلائل ومعطيات إلى أن هناك عدة أنفاق في منطقة حائط البراق، في الجدار الغربي للمسجد الأقصى، ومعلوم أن حائط البراق هو وقف إسلامي وجزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، بموجب القرارات الدولية، لكن كيان الاحتلال لا يتوقف منذ احتلاله للقدس عام 1967، عن سلسلة من الانتهاكات الجسيمة والخطيرة في تلك المنطقة، بما فيها حفر الأنفاق، وشق طرق مشبوهة في محيط باب المغاربة، والتخريب المتعمد للقصور الأموية.
وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) أكدت في أكثر من مناسبة أن المسجد الأقصى من المقدسات الإسلامية الخالصة، وأن باب المغاربة هو جزء لا يتجزأ من المسجد، مطالبة بوقف الحفريات تحت أسواره، لكن الاحتلال الذي يحاول إيجاد موطئ قدم له في أولى القبلتين، وتثبيت حقائق على الأرض بالقوة، يواصل انتهاكاته متجاوزا كل القوانين والأعراف الدولية.
وفيما أخذت الحفريات والأنفاق تحت المسجد الأقصى تتوسع أفقيا وعموديا، وتمتد إلى خارج أسواره، وصولا إلى جدران البلدة القديمة، لتطال مناطق عين اللوزة ومحيط ساحة البراق، بدأت تظهر بوضوح تصدعات في أساسات المسجد من الجهة الغربية، ما يُنذر باقتراب المسجد المبارك من ذروة الخطر الحقيقي، ضمن المساعي الصهيونية لإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، في معركة يشكّل المقدسيون رأس حربتها.
ولا تتهدد هذه الحفريات المسجد الأقصى فقط، بل إن عشرات المنازل تصدعت واهتزّت في البلدة القديمة من القدس، وأصبحت عرضة للانهيار في أي لحظة، ما يهدد حياة مئات المواطنين، لا سيما في حيي سلوان ووادي حلوة جنوبي المسجد المبارك.
وفي حين تفرض سلطات الاحتلال حصارا خانقا على القدس، وتمنع الصلاة في المسجد الأقصى المبارك منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران قبل شهر، تزداد المخاوف من إنشاءات جديدة تسعى سلطات الاحتلال لإقامتها في ساحات المسجد، بالتزامن مع حفريات أخذت تتعمّق تحت أسواره، وصولا للمدينة التوراتية التي يجري الإعداد والتخطيط لإقامتها منذ زمن، استكمالا لتهويد المدينة المقدسة برمتها، فتقف القدس على حافة مواجهة تبدو أنها قادمة لا محال، لكن يبقى توقيت الضغط على الزناد.