د. رجب بن علي العويسي
تفرض المتنزهات السياحية الترفيهية المتكاملة نفسها اليوم كأحد أبرز الاستحقاقات التنموية الواجبة في كل ولاية عُمانية، ليس بوصفها مرافق ترفيهية فحسب، بل باعتبارها بنية تنموية متعددة الأبعاد، تجمع بين الوظيفة الاجتماعية، والبعد الترويحي، والدور السياحي، والأثر الاقتصادي والاستثماري، ضمن بيئة صحية وآمنة تراعي احتياجات مختلف فئات المجتمع.
لقد أصبحت الحاجة إلى متنزه سياحي نموذجي في كل ولاية أمرًا ملحًا، في ظل النمو السكاني المتسارع، وتزايد الطلب على المساحات العامة المنظمة، وارتفاع الوعي المجتمعي بأهمية جودة الحياة. ولم تعد هذه المتنزهات مجرد مساحات خضراء أو أماكن للنزهة العابرة، بل تحولت إلى منصات تنموية تفاعلية قادرة على خلق أنماط جديدة من الفرص السياحية والترفيهية، وتعزيز بقاء الزائر داخل الولاية لفترات أطول، بما ينعكس إيجابًا على الحركة السياحية وتعزيز الدورة الاقتصادية المحلية التفاعلية بالمحافظات.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية إيجاد نموذج وطني متكامل لتعظيم القيمة المضافة لهذه المتنزهات، يقوم على مقاربة تشاركية ورؤية استشرافية تنطلق من خصوصية كل ولاية وميزتها التنافسية، وتستفيد من مرئيات المواطنين واحتياجاتهم، وبخاصة فئة الشباب وطلبة المدارس والجامعات، بما يعزز شعورهم بحضورهم النوعي في هذه المشروعات التنموية؛ بحيث يضمن هذا النموذج شمولية الخدمات التي يحققها وتنوع الفرص التي يصنعها، من خلال توفير مرافق ترفيهية متنوعة، ومساحات خضراء جاذبة، ومناطق مخصصة للعائلات والشباب، ومرافق للأطفال، ومسارات للمشي وركوب الدراجات، إلى جانب تهيئة البنية الداعمة للأشخاص ذوي الإعاقة، بما يعكس التزامًا حقيقيًا بمبدأ العدالة في الانتفاع وتكافؤ الفرص.
وتُعد الأنشطة الاقتصادية المصاحبة عنصرا أساسيا في نجاح هذه المتنزهات، إذ يفترض أن تضم منافذ تسويقية وتجارية، وأركانًا لعرض وبيع منتجات القرى والحرف التقليدية للأسر المنتجة، وإبداعات ومواهب فئات المجتمع، إضافة إلى مطاعم ومقاهٍ وكافيهات تحقق مبدأ الخصوصية، ومنصات للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي يسهم في فتح آفاق جديدة لتمكين رواد الأعمال، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء الولاية، بما يعزز من دور هذه المتنزهات والمجمعات كمحرك اقتصادي محلي.
كما تبرز أهمية إدارة هذه المتنزهات وفق خطط تشغيل مستدامة، تقوم على تنظيم الفعاليات الموسمية، واستقطاب الأنشطة الثقافية والرياضية، وربطها بالمسارات السياحية في الولاية والولايات المجاورة؛ فإن تفعيل هذه المنظومة بصورة مدروسة يسهم في خلق حراك سياحي واقتصادي داخلي، ويعزز من جاذبية الولاية كوجهة للزيارة، ويدعم السياحة الداخلية بين المحافظات، ويرفع من مستوى الاستفادة المجتمعية منها.
وأمام تنامي الاهتمام المجتمعي بملف المتنزهات السياحية، كما تعكسه النقاشات الحاصلة في المجالس البلدية ومنصات التواصل الاجتماعي، تقف المحافظات أمام مسؤولية مضاعفة لتحويل هذا الزخم إلى واقع ملموس، يجسد الشراكة الحقيقية مع المواطن، ويعكس وعي الإدارة المحلية بأولويات المرحلة ومتطلبات التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، تمثل المجمعات السياحية المتكاملة امتدادًا نوعيًا لهذا التوجه، لما توفره من خدمات متكاملة في مكان واحد، تشمل منشآت فندقية، ومرافق تجارية، ومسطحات خضراء، ومرافق رياضية وثقافية، بما يسهم في إطالة مدة إقامة السائح، وتعزيز تجربته داخل المحافظة، سواء بإضافة هذه المجمّعات السياحية المتكاملة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة والعمومية والخصوصية كأحد المرافق المكانية أو إدماجها في إطار منظور سياحي متكامل بالولاية.
أخيرا يبقى التوسع في فرص نشر مظلة المتنزّهات السياحية المتكاملة في كل ولاية ضرورة تنموية، وخيارًا استراتيجيًا يرفع من جودة الحياة ومؤشرات السعادة في المجتمع، وترسيخ ثقافة الترويح كأسلوب حياة معاصر، كما يعزز من جاذبية المحافظات ووضعها في خريطة المنافسة السياحية، وضمان قدرتها على تحقيق تنمية محلية أكثر احتواء واستدامة.