كتبت- أسماء بنت خلفان الغداني
وسط زرقة البحر تصافح شباك الصيادين أمواج البحر قبل مصافحة خيوط الشمس لهم، فيبحرون مع بزوغ الفجر، متوكلين على الله لينهلوا من ثروات البحر وأعماقه التي تختزن خيرًا وصيدًا وفيرًا، حاملين شباكهم وآمالهم في رزق وخير جديد، مهنة الصيد، المهنة التي عرف بها العمانيين من قديم الزمان وتوارثتها الأجيال وارتبطت بحياة الساحل وثقافة وتاريخ مجتمعه، فهي مهنة يمتزج فيها الصبر بالشجاعة حيث لحظات مواجهة الأمواج وتقلبات الطقس وساعات الانتظار في عرض البحر التي تنتهي بلحظات فخر وفرح بصيد غني ووفير.. ووسط عباب البحر بقوارب وشباك الصيد تتشكل قصص إنسانية مليئة بالإصرار والعمل الجاد، تروي قصص تحديات ونجاحات يعيشها الصياد.
يسرد يونس بن مبارك الربخي تجربته قائلاً: «لقد ورثت مهنة الصيد عن والدي -رحمه الله- الذي صال وجال البحر وتعلم كل تفاصيل هذه المهنة، فأصبحت مثله وأتقنت مهاراتها. أجد أن ما أمارسه ليس مجرد وظيفة، بل مهارة تنبع من حب وشغف عميق لهذه البيئة البحرية، وقد ارتبطت مهنة الصيد ارتباطًا وثيقًا بأبناء الساحل عبر الأجيال. فهي ليست مجرد نشاط يومي، بل حياة كاملة يعيشها الصياد مع البحر، أقرب إلى مغامرة بحثًا عن الرزق. وما زالت هذه المهنة مجدية حتى اليوم، إذ تمثل الثروة السمكية موردًا طبيعيًا متجددًا ومستدامًا يسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في سلطنة عُمان. كما أصبحت فئة الشباب تقبل على ممارسة هذه المهنة، خصوصًا أولئك الذين نشؤوا في أسر جعلت الصيد إرثًا تتناقلّه الأجيال».
ويضيف: «وكحال أي مهنة تقليدية، تواجهنا مخاطر متعددة، وقد اختبرت بعضها شخصيًا، مثل تعطل محرك القارب وسط البحر أو حادثة إنقاذ صياد آخر من الغرق. ولكن بفضل إتقاني لهذه المهنة وفهمي العميق لها، استطعت إنقاذ حياتي وحياة الآخرين، وذلك بفضل ما تعلمته عن أسرار البحار واتباع إجراءات السلامة والامتثال لمعدات الأمن التي أحرص دائمًا على حملها معي أثناء كل رحلة صيد. فالبحر بالنسبة للصيادين مدرسة حقيقية تعلمهم معنى الصبر والشجاعة والكفاح».
أما مشاري بن جمعة السناني فيتحدث عن مهنة الصيد فيقول: «عندما ألتقي بأشخاص من بيئات غير ساحلية وأخبرهم بأنني صياد، تبدو على وجوههم دهشة واعتزاز، وهذا يعزز شعوري بالفخر والرضا بما أحققه من إنجازات. فهذه المهنة تواجه تحديات متعددة، بدءًا من تقلبات الطقس واختلاف وفرة الأسماك في المواسم، وصولًا إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية. فنحن في سلطنة عُمان نتعرض أحيانًا لمنخفضات جوية وحالات مدارية تؤثر على ارتفاع البحر وأمواجه، لذلك نتابع المستجدات من مصادر موثوقة لضمان سلامة الرحلات».
ويتابع: «أما قلة الأسماك في بعض المواسم، مثل الشارخة والحبار والجيذر والسردين والهامور في محافظة ظفار، فتؤدي إلى منافسة شديدة في السوق وانخفاض الأسعار. ولكن جهود الحكومة، ممثلة في وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، تساعدنا على معرفة مواسم تكاثر الأسماك والأوقات المثلى لصيد الأنواع المختلفة، بما يجعل جهودنا أكثر إنتاجية. أما ارتفاع التكاليف، مثل الوقود والمعدات، فهو تحدٍ ووعي للصياد في الوقت نفسه، فاقتناء أدوات ذات جودة عالية يضمن رحلة صيد آمنة وفعّالة، خصوصًا أن بعض الرحلات تستغرق يومًا أو يومين وسط البحر، ما يزيد أهمية الاعتماد على معدات ذات كفاءة عالية». ومن جانب آخر يشارك محمد بن سالم الحسيني في محور الحديث هذا بقوله: «من قديم الزمن وحتى اليوم مهنة صيد الأسماك تعتبر جزءا لا يتجزأ من حياة الانسان في المجتمع الساحلي، ولكن في بعض الأحيان تواجهنا عقبات في الأسواق أبرزها منافسة العمالة الوافدة في بيع الأسماك وأيضاً أجهزة الحفظ والتبريد التي أحياناً تؤثر بشكل سلبي على جودة الأسماك، وأيضاً في بعض الأحيان يقل عدد باعة الأسماك في السوق مما يجعل المستهلكين يشترون الأسماك من أسواق أخرى وبعضهم أسند هذا التراجع لارتفاع تكاليف الوقود وتكاليف الصيانة والمعدات التي تقلل من صافي ربح الصياد خصوصاً في الأوقات التي يصعب فيها التنبؤ بإنتاجية الصيد، لذلك يضطر بعض الصيادين لتقليل رحلات الصيد وتقليل المسافات المقطوعة لتوفير الوقود مما يقلل فرص الصيد وبالتالي يقلل من عدد الباعة في سوق الأسماك ، ولكن بعض الصيادين يعملون على رفع أسعار الأسماك لتعويض التكاليف مما يؤثر بشكل واضح على المستهلك» ويكمل « وتجنباً لكل هذا، تسعى سلطنة عمان لتطوير وصقل مهارات الصيادين وتبذل كل جهدها لتصبه في مجال الثروة السمكية ،لذا نحن الصيادين أصبحنا حريصين أيضاً على حضور الورش والبرامج التي تنفذها وزارة الثروة السمكية والزراعية وموارد المياه متمثلة بدوائرها و إداراتها في مختلف المحافظات، وحضوري لهذه البرامج ساعدني فعلى رفع كفاءة عملي ومعرفة الأسعار في الأسواق وبالتالي زيادة الدخل المادي؛ لأن أغلب من يمتهنون الصيد لا يمتهنون إلا هذه المهنة فقط لذا نراهم مهتمين بتطوير أنفسهم في هذا المجال والإحاطة بكل شيء وهنا أتحدث عن نفسي أيضاً، ويظهر هذا الاهتمام والمتابعة في المراكز البحثية التابعة للمديرية العامة للبحوث السمكية مثل مركز العلوم البحرية ومركز ضبط جودة الأسماك الذي يمثل دورًا مهمًا في تطوير الموارد البشرية العاملة في مجال المنتجات البحرية ومركز الاستزراع السمكي التي تناول بعضها بحوثاً علمية حول طرق كيفية توظيف هذا الإرث التقليدي مع التقدم التكنولوجي لتطوير عمل الصيادين». وفي تصريح سابق للدكتور عبدالعزيز بن سعيد المرزوقي مدير عام تنمية الموارد السمكية لوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه: «يعد برنامج رفع كفاءة قطاع الصيد الحرفي (الدعم السمكي) من أبرز البرامج التنموية التي تنفذها سلطنة عُمان لتطوير الصيادين، حيث يستهدف هذا البرنامج الصيادين الحرفيين والعاملين في قطاع الصيد من خلال تزويدهم بقوارب صيد بمختلف الأحجام، ومعدات وأجهزة مساعدة حديثة تسهم في تقليل الجهد والوقت، ورفع كفاءة عمليات الصيد، وتحسين مستوى السلامة البحرية. كما يهدف أيضًا إلى تمكين الصيادين من رفع قدراتهم الإنتاجية والتسويقية بجودة أعلى، بما ينعكس إيجابًا على دخلهم واستقرارهم المهني، ويسهم في رفع مستوى المعيشة لأفراد المجتمعات الساحلية. كما يشكل الدعم السمكي أداة مهمة في تشجيع الصيادين، وخاصة من فئة الشباب، على الاستمرار في ممارسة مهنة الصيد، وتبني التقنيات والأجهزة الحديثة، بما يعزز استدامة هذا النشاط على المدى الطويل ويضمن تناقل المعرفة والخبرة بين الأجيال. ويشمل تقديم أنواع متعددة من الدعم، من بينها: القوارب، والمحركات، والرافعات، وأجهزة تحديد المواقع، وأجهزة كشف الأسماك، والخيوط الطويلة، وصناديق حفظ الأسماك، وأقفاص صيد الشارخة، إضافة إلى تدريب الصيادين على أفضل الممارسات البحرية وأساليب الصيد الحديثة، بما يعزز سلامتهم وكفاءة عملهم. وقد استفاد من هذا البرنامج خلال تلك الفترة نحو 6242 مستفيدًا من الصيادين الحرفيين.
وقد تم خلال عام 2025م تخصيص مبلغ قدره (336.000) ثلاثمائة وستة وثلاثين ألف ريال عُماني لأعمال الدعم السمكي، خُصصت لدعم محركات قوارب الصيد الحرفي، على أن يستفيد من هذا الدعم 270 مستفيدًا، في خطوة تعكس استمرارية التزام الوزارة بدعم الصيادين وتحسين كفاءة أسطول الصيد الحرفي. وتعمل الوزارة أيضًا على متابعة احتياجات الصيادين بشكل دوري، وتقديم الاستشارات الفنية حول صيانة القوارب والمحركات، وتنظيم ورش تدريبية لتعريفهم بأحدث الابتكارات في القطاع السمكي، بما يسهم في تطوير الإنتاجية والحفاظ على جودة الموارد البحرية.