حاورته - سُندس الشكيلية

**media[3336781]**

يشهد المجتمع العُماني في المرحلة الراهنة جملة من التحولات التي أعادت تشكيل العلاقة مع الأرض؛ حيث لم تعد الزراعة تُقارب بوصفها نشاطًا تقليديًا مرتبطًا بالمعيشة وحدها، وإنما باتت تطرح في إطار أوسع يتصل بالهوية والذاكرة والوعي البيئي. ومن هذا المنطلق، أجرت «$» حوارًا مع راشد بن محمد الحجري صاحب مشروع «الحديقة السرية» بولاية بدية، الذي تمكن فيه من ترويض الصحراء القاحلة لتكون مساحة للزهور الموسمية، حيث تطرق في حديثه إلى البذرة بوصفها معنى قبل أن تكون منتجًا، وإلى الزهور الموسمية والنادرة باعتبارها تجلّيًا لتحول نظرتنا إلى الأرض، وإلى البذور المحلية كحامل لذاكرة مناخية وبيئية، كما تناول الزراعة المنزلية بوصفها وعيًا ناشئًا لدى الشباب، فضلًا عن أثر المبادرات الزراعية في تشكيل الذائقة الجمالية في الفضاء العام. 

البذرة.. معنى البداية 

استهل راشد بن محمد الحجري حديثه بالتوقف عند دلالة البذرة في السياق العُماني، مؤكدًا أن الرمز هنا يسبق الوظيفة، وأن الدلالة أعمق من الممارسة الزراعية ذاتها. وقال: «تمثل البذرة في الوعي العُماني معنى البداية المقترنة بالصبر والبركة، فهي ليست مجرد عنصر زراعي، وإنما رمز للاستمرارية والتجذّر في الأرض. فالمجتمع العُماني، عبر تاريخه، ارتبط بالأرض بوصفها مصدر حياة وهوية، ولذلك ظلّت البذرة دلالة على الأمل والعمل الممتد عبر الزمن. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مشروع «الحديقة السرية» بوصفه فعلًا ثقافيًا قبل أن يكون نشاطًا زراعيًا؛ لأنه يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والأرض باعتبارها قيمة وهوية، لا مجرد مورد للإنتاج». 

وأضاف الحجري موضحًا أن قراءة المشروع بوصفه فعلًا ثقافيًا تأتي من هذا الوعي المتكامل بالعلاقة مع الأرض، إذ يرى أن الإنسان حين يزرع لا يتعامل مع تربة وماء، وإنما تمتد إلى التعامل مع قيمة وهوية. فالأرض في سلطنة عُمان جزء من التكوين الاجتماعي والثقافي، ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للبذرة تعني إعادة وصل الإنسان بجذوره، لا على مستوى الحنين، وإنما على مستوى الممارسة اليومية الواعية. 

تحول العلاقة بالأرض 

وحول التحولات التي طرأت على العلاقة بالأرض، يرى الحجري أن زراعة الزهور الموسمية والنادرة تمثل مؤشرًا دالًا على اتساع الوعي العُماني وتغير زاوية النظر إلى الطبيعة. وقال: «زراعة الزهور الموسمية، حتى في بيئات صحراوية كما في مشروعي في بدية، تبين كيف تغيرت علاقتنا بالأرض، فلم تعد للرزق والمعيشة فقط، وإنما أصبحت أيضًا للجمال والطبيعة، وهذا يعكس اتساع وعي العُماني الذي بات يرى في الأرض جمالًا وفنًا وحياة». 

أهمية البذور المحلية

وفي حديثه عن البذور المحلية، طرح الحجري مفهوم «الذاكرة البيئية» بوصفه إطارًا لفهم أهمية العودة إلى المصادر المحلية. وقال: «الاهتمام بالبذور المحلية خطوة واعية نحو استعادة جزء من الذاكرة البيئية التي تراجعت بفعل الاعتماد المتزايد على الاستيراد وأنماط الاستهلاك الحديثة. فكل بذرة محلية تحمل في خصائصها الجينية تاريخ المكان ومناخه وخصوصيته البيئية، وهي بذلك تمثل سجلًا حيًا لتجربة الإنسان مع أرضه». 

ويبين أن سنوات الاعتماد على الاستيراد، رغم ما وفرته من تنوع وسهولة، أضعفت الصلة المباشرة بالبذور التي نشأت في البيئة العُمانية وتكيفت مع مناخها وخصائص تربتها. مؤكدًا أن هذه البذور ليست مجرد مادة زراعية، وإنما حامل لذاكرة المكان ، تختزن خبرة أجيال تعاملت مع المناخ والظروف الطبيعية عبر الأزمان. 

ويرى أن استعادة هذه البذور تمثل فعلًا ثقافيًا بقدر ما هو زراعي، لما تحمله من إعادة اعتبار للتجربة المحلية وتعزيز للتنوع الحيوي المرتبط بالمكان، مضيفًا: «إن العودة إلى هذه البذور لا تعني رفض الحداثة، بل تعكس سعيًا لتحقيق توازن بين الأصالة والمعاصرة، وحفظ التنوع الحيوي الذي يشكّل جزءًا من الهوية الوطنية». 

الزراعة المنزلية وعي ناشئ

وعن ظاهرة الزراعة المنزلية، وما إذا كانت تمثل وعيًا بيئيًا جديدًا لدى الشباب أم مجرد موجة عابرة، يؤكد الحجري أن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الاهتمام المؤقت. وقال: «الزراعة المنزلية اليوم ليست موجة مؤقتة، إنما بداية وعي جديد لدى الشباب. يشعرون بالإنجاز ويربطون حياتهم اليومية بالطبيعة، وهذا يسهم في استمرار الثقافة الزراعية». 

وأشار إلى أن تجربة الزراعة في المنزل تمنح الفرد إحساسًا مباشرًا بالمسؤولية، إذ يتابع مراحل النمو، ويتعلم أهمية العناية اليومية، ويدرك أثر الماء والضوء والتربة على حياة النبات. موضحًا: «لا يمكن اختزال الزراعة المنزلية في كونها موجة عابرة، بل هي مؤشر على تشكل وعي بيئي جديد لدى فئة الشباب. فقد أوجدت هذه الممارسة شعورًا بالإنجاز والمسؤولية، وربطت الحياة اليومية بالطبيعة بصورة مباشرة. ومع تنامي الاهتمام بقضايا الاستدامة وجودة الحياة، تبدو الزراعة المنزلية تعبيرًا عن تحول ثقافي يعيد الاعتبار للعلاقة الفردية مع الأرض، ويؤسس لثقافة زراعية أكثر استمرارية وعمقًا». 

**media[3336782]**