استطلاع - فيصل بن سعيد العلوي 

نقترب في هذا الاستطلاع من أسئلة الشعر والتلقي، كما تُطرح اليوم من داخل التجربة الشعرية ومن خارجها؛ حيث تتقاطع رؤى مختلفة حول معنى الكتابة وحدود التلقي وموقع النقد، في محاولة لقراءة القصيدة العربية، وهي تعيش لحظتها الراهنة بكل ما فيها من ارتباك وتحوّل واحتمالات مفتوحة، فالكتابة في المشهد الثقافي تتسارع وتتبدّل فيه طرق التلقي، وتبدو القصيدة العربية، وكأنها تعيد مساءلة ذاتها من الداخل، بعيدًا عن الأجوبة الجاهزة، فلم تعد القصيدة تتحرك داخل حدودها القديمة، فقد أصبحت جزءًا من فضاء مفتوح تتجاور فيه النصوص مع التعليقات، وتتنافس فيه الكلمة مع الصورة، ويتراجع فيه زمن التأمل أمام إيقاع سريع لا يمنح المعنى فرصة الترسخ بسهولة، وداخل هذا التحول تذهب بعض الأصوات إلى أن الشعر ظلّ منذ بداياته فعلا مستقلا، يتشكّل وفق شروطه الخاصة أكثر من استجابته لأي سلطة نقدية، في المقابل يرى البعض أن القصيدة لا تزال تدور حول أسئلة كبرى لم تُحسم، وفي مقدمتها سؤال الحرية، الذي يتكرر لأنه في الواقع يتحوّل داخل النص إلى تجربة وجودية تمسّ الإنسان في قدرته على القول والصمت، وعلى مواجهة ما يُفرض عليه من قيود، وفي كل تلك السياقات نطرح سؤال الكتابة نفسه بصورة مختلفة: هل تُكتب القصيدة اليوم في مواجهة القارئ أم في تجاوزه، أم في عزلة تامة عنه؟ وهل لا يزال النقد قادرا على مواكبة هذا التحول المتسارع، في ظل وفرة نصوص تفرض على الناقد أن ينتقي، وأن يعيد النظر في أدواته، وأن ينفتح على معارف متعددة لفهم نص لم يعد يستقر على شكل واحد أو رؤية واحدة ؟

حول السؤال الذي تطرحه القصيدة العربية اليوم على العالم والنقاد معا لم نجد له جوابا واضحا تبدأ الشاعرة اللبنانية حنان فرفور من مسلّمة تراها بديهية؛ الشعر ليس مطالبا بتقديم إجابات، لكن مهمته أن يسأل، أن يربك الثابت، وأن يوقظ الأفكار التي أثقلها التكرار، فالشاعر لا يُملي حلولا، والقصيدة لا تصدر بيانات، ومن يبحث عن إجابات نهائية فذلك شأن النقد، لا شأن الشعر. وترى «فرفور» أن القصيدة العربية لا تزال منذ ستينيات القرن الماضي حتى اليوم تدور حول سؤال الحرية، السؤال نفسه يتكرّر لأن الواقع للأسف لم يتغيّر كثيرا، والحرية هنا ليست شعارا سياسيا فحسب لكنها سؤال الإنسان في وجوده، في قدرته على القول أو الصمت، في محاولاته كسر المحرّمات التي تفرضها السلطة والمجتمع والعادات والدين.

لكن المشهد لم يبقَ على حاله فثمة سلطة جديدة برزت في السنوات الأخيرة؛ سلطة الجمهور ومنصّات التواصل الاجتماعي، وهنا نشأت صراعات خفية بين ما يحاول الشعر أن يحمله من معنى وعمق، وبين ثقافة السرعة والاختزال التي كرّستها تطبيقات مثل «تيك توك» و«إنستغرام»، فصارت القصيدة أحيانا منشغلة بهاجس التلقي، وبالفجوة المتّسعة بينها وبين أجيال لا تقرأ كثيرا، وتعيش في زمن سريع الإيقاع وقصير الذاكرة، وهذا كلّه يتعارض مع طبيعة الشعر التي تقوم على التأمل والتراكم والبطء والحرية الداخلية. لذلك باتت القصيدة تطرح على نفسها الأسئلة ذاتها التي تطرحها على العالم: ما الجدوى؟ ما المعنى؟ ما الحرية الحقيقية التي لا يمكن تجزئتها؟ لم يعد السؤال فقط: ماذا أقول؟ بل أيضا: كيف أقول؟

وترى الشاعرة اللبنانية حنان فرفور أن رحلة السؤال هذه من النص إلى الفرد ثم إلى العالم ليست تناقضا؛ فجوهر العالم في النهاية يسكن الإنسان، وجوهر الإنسان يسكن الكلمة.

مسار بمعزل النقد

من جانبه، يرى الباحث والأكاديمي العماني الدكتور حميد الحجري في مقاربة أقرب إلى التأمل في طبيعة العلاقة بين الإبداع والنقد وإجابة على سؤال التغير في علاقة النقد بالقصيدة، وهل أثّر ذلك في عمق القراءة أم في سرعتها فقط في ظل اتساع المنابر الرقمية، وتراجع الوسيط الورقي يقول: إن الإبداع الشعري منذ نشأته، شقّ طريقه بمعزل عن النقد، محكوما بشروطه الذاتية، وفي ضوء علاقته المركبة بالفرد والمجتمع، فالشعر في انتشاره من جهة، وفي عمقه وتعقيد صنعته من جهة أخرى، ظل يسعى إلى تلبية شرطين متلازمين «حاجة المجتمع كعامل خارجي»، و«نظرة الشاعر نفسه إلى طبيعة القصيدة وخصائصها الفنية كعامل داخلي»، حيث كانت التقاليد الشعرية تنتقل بين الشعراء عبر اجتهاداتهم الذاتية في فهم الظاهرة الشعرية ومقوماتها، وعبر مجالس التلمذة على أيدي كبار الشعراء، لا عبر وساطة نقدية منظمة... وهكذا شقّت الظاهرة الإبداعية طريقها استجابة لاحتياجات المجتمع وأفق توقعاته، ولدواعي النقد الذاتي، أكثر مما استجابت لما يمكن أن نسميه بالنقد الخارجي.

أما النقد بمفهومه الاصطلاحي، كصوت من خارج الدائرة الإبداعية ذاتها، فلم يظهر إلا متأخّرًا، باعتباره محاولة فهم وتنظير، ولم يكن له في تقديري تأثير كبير أو حاسم في مسار الشعر، فالشعراء كانوا يتتلمذون على دواوين الشعراء، لا على كتب النقاد.

وعند الانتقال إلى الواقع الراهن، لا يرى «الحجري» أن الصورة قد تغيّرت جذريا، فالعلاقة بين الإبداع الشعري والنقد لا تزال، في مجملها شبيهة بما كانت عليه، حيث يستجيب الشاعر لاحتياجات المجتمع ممثلا في جمهور المتلقين بدرجة أعلى من استجابته لآراء النقاد، هذا إن كان لهؤلاء النقاد حضور أصلا في تجربته، بل إن كثيرا من التجارب الشعرية تنشأ وتترسخ وتحقق خصوصيتها دون أن يلتفت إليها النقد الاصطلاحي إلا في مراحل متأخرة، بعد أن تكون قد استقرت ملامحها الأساسية، ولم يعد ممكنا تغيير مسارها أو شروطها الفنية، وهذا يلخص لنا المسألة في أن الانتقال من الوسيط الورقي إلى الوسيط التقني لم يُحدث تحولا جوهريا في شكل العلاقة بين الشاعر والناقد، فالشاعر الذي كان يمارس الشعر قديما انطلاقا من مفهومه الذاتي المبني على قراءاته لدواوين الشعراء، والذي كان يشكو عدم التفات النقاد إليه، هو نفسه الشاعر المعاصر الذي يكتب ضمن المرجعية ذاتها، ولا يزال يشكو الغياب نفسه.

ومع هذا الثبات النسبي يشير «الحجري» إلى متغيّر محدود تمثّل في لجوء بعض الشعراء إلى قراءة الكتب النقدية لفهم الظواهر الشعرية الجديدة التي تتسم بقدر عال من الخصوصية، وهو ما قد ينعكس على طرائق كتابتهم، انطلاقا من تغيّر مفهومهم الذاتي للشعر، أما على مستوى تأثير الوسيط التقني ذاته فيلاحظ أنه أوجد لكل شاعر دائرة واسعة من المتلقين، تضم الزملاء والأصدقاء والمعجبين، الذين يقدّمون تعليقات سريعة وعابرة، لا يمكن في كثير من الأحيان التمييز فيها بين المجاملة والإعجاب الحقيقي، كما أنها تفتقر إلى الإضاءات النقدية العميقة، ومن هذه الزاوية لا تختلف هذه الانطباعات المكتوبة كثيرا عن تلك الانطباعات الشفوية التي كان يتلقاها الشاعر في السابق.

وفي ضوء ذلك كله يرى الدكتور حميد الحجري أن الظاهرة الإبداعية -أشعرا كانت أم غيره- تبقى محكومة برؤية المبدعين أنفسهم لشرائط الصنعة، والمتشكلة عبر قراءاتهم الخاصة من جهة، وباحتياجات المجتمع ومستوى تلقي الجمهور العام من جهة أخرى، دون أن تكون لعلاقتهم بالنقد الاصطلاحي سلطة حاسمة أو تأثير معتبر، لذا فإن الإبداع ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد والمستويات، تخضع لقوانين معقدة، قليلها ظاهر ومعظمها خفي لا يُدرك بسهولة وأن علاقة الناقد بالمبدع تظل ضمن هذه المنظومة بوصفها عاملا محدود الأثر، فيما تبقى هذه القوانين الاجتماعية أعمق تأثيرا من الوسيطين الورقي والتقني، وقادرة على استيعابهما وإعادة إدماجهما دون أن يكون لأيٍّ منهما أثر حاسم في تشكيل مسار الظاهرة الإبداعية.

تحقيق التجديد

حول سؤاله حين تكتب قصيدتك اليوم، هل تشعر أنك تكتب في مواجهة القارئ، أم في حوار مع النقد، أم في عزلة عمّا يُكتب حول الشعر؟ يستعيد الشاعر السوداني الدكتور أسامة تاج السر طبيعة الشعر الأولى كونها كائنا يجمع بين السحر والغموض، مذكّرا بأن الكهان الأوائل كانوا شعراء العرب قبل اكتمال الأوزان، وأن قولهم كان يُحَسّ ولا يُدرك كاملا، يُفهم جوهره دون الإحاطة بكنهه، وهو ما يفتح باب التأويل، ويمنح الناقد مساحة الاشتغال بأدواته.

ويؤكد «تاج السر» أنه يكتب لنفسه أولا، محاولا أن يضيف سطرًا جديدًا في سفر الشعر العربي، فهكذا تحقق التجديد عبر العصور. ويشير إلى أن هناك من يكتب للجميع فيحصد المحبة والتفاعل، لكنه حين يغيب يغيب أثره معه، بينما الشعر الجيد، في نظره، هو ما يستطيع الدفاع عن نفسه بعيدا عن صاحبه، لذلك يترك لقصيدته حريتها الكاملة، لتقف أمام الجمهور دون أن يسندها بشرح أو تحليل، مستحضرا قول المتنبي: «اسألوا ابن جني، فهو أدرى بشعري مني»، وردّ أبي تمام حين سُئل: لماذا لا تقول ما يُفهم؟ فقال: «ولماذا لا تفهمون ما يُقال؟».

لذلك فإن للشعر لغة خاصة تصطفي جمهورها، لا تستعلي عليهم، لكنها في الوقت نفسه لا تمنحهم زمام أمرها، فهو في تصوره حاكم لا محكوم، يتحرى العقل وإن تجاوز حدود الواقع.

وبعد تجربة امتدت ربع قرن بين الشعر والنقد، يقول الشاعر أسامة تاج السر إنه لم يضع الجمهور أمامه لحظة الكتابة، ولم يسع إلى استرضائه من على المنابر، بل ظل يكتب قصيدة يحاول من خلالها فهم الحياة، وأن تمنحه سببا حقيقيا للكتابة، وهو ما تعزز مع تراكم التجربة.

في الوقت نفسه يحذر «تاج السر» من أن القصيدة اليوم باتت مصابة بما يسميه «داء الجمهور»، حتى بدا الشاعر أشبه بممثل على خشبة المسرح يتحسس مواضع التصفيق، فيوزعها بحساب، ولا يشعر بلذة نصه إلا عبر تفاعل الحاضرين، فصرنا أمام قصائد قد تبدو جيدة، لكنها بلا نسب واضح، إذ تختلط فيها أصوات درويش والفيتوري والمتنبي وشوقي بزيع وأجود مجبل وأحمد بخيت ومحمد عبدالباري وجاسم الصحيح وعارف الساعدي وغيرهم، في نصوص يوقّعها آخرون، لذلك فإن الشعر في جوهره بصمة خاصة، يحاول الشاعر مرات كثيرة حتى يعثر عليها، ومن لم يجد بصمته بعد طول تجربة، فلا يستحق أن يحمل لقب الشاعر.

الوفرة مقابل الانتقاء

حول سؤال ما إذا كان النقد العربي يواكب التحولات الجمالية في القصيدة الجديدة، أم لا يزال يقرأها بأدوات لم تعد قادرة على تفكيك بنيتها ورؤيتها، يرى الناقد المغربي الدكتور سعيد بكّور أن الناقد يجد نفسه اليوم أمام تحديات جمالية حقيقية، تفرض عليه أن يكون في مستوى التحول الذي تعرفه القصيدة، من حيث رصد الظواهر الدلالية، وكشف القيم الفنية، والمقارنة بين الحساسيات الشعرية المختلفة.

ويشير «بكّور» إلى أن وفرة الإنتاج الشعري تضع الناقد أمام ضرورة الانتقاء، وهي انتقائية قد تترك تجارب كثيرة في الظل والهامش، لذلك لا يمكن إلزامه بمواكبة كل ما يُنشر؛ لأن اختياره للمتون يرتبط برؤيته وقناعته؛ فقد يشتغل على تجارب مغمورة تبحث عن موطئ قدم في جغرافية الشعر، وقد يتجه إلى أسماء راكمت نصوصا وتجارب مكتملة، وفي الحالتين تحكمه رؤية نقدية تحدد معالم هذا الاختيار... لذلك فإن القصيدة الجديدة، بتعدد أشكالها ومرجعياتها، تفرض على الناقد أن يساير حركيتها المستمرة، وأن يكشف مناطق التجريب ومظاهر المغامرة فيها، مستعينا بأدوات قادرة على تشريح النص وتفكيكه، مع الحفاظ على مسافة نقدية تمكّنه من ملاحظة مكامن القوة والضعف.

ويرى «بكّور» أنه لا يمكن فرض منهج واحد لقراءة النص الشعري الجديد؛ فالممارسة النقدية ترتبط أساسا بالرؤية التي تحدد طبيعة الأدوات والمناهج المناسبة؛ منها ما هو ثابت، ومنها ما هو متغير يستحضره الناقد لالتقاط الجماليات الطارئة، شرط أن يتعامل معها بحذر ووعي، كما أن مهمة الناقد المعاصر أصبحت أكثر عسرا، بسبب التحولات الجمالية المتواصلة من جهة، وبسبب التداخل بين الشعر وأشكال التعبير الأخرى من جهة ثانية، وهو ما يفرض عليه الانفتاح على معارف متعددة تسهم في إضاءة النص وتأويله.

ويشدد الناقد المغربي الدكتور سعيد بكّور على أن الوفاء لرسالة النقد يقتضي الاهتمام بالإبداع الذي تتوافر فيه شروط الجودة، والالتزام بما يمسّ الإنسان وجدانيا وحضاريا وجماليا، ومن حق الناقد، في هذا السياق، أن يوجه اهتمامه إلى التجارب التي تستجيب لهذه الشروط، وأن يلفت نظر الشاعر إلى ما يعزز رسالة الشعر، خاصة أن القصيدة الجديدة لا تستقر على جماليات ثابتة، بل تعيش في حالة تجريب دائم، ما يضع الناقد أمام إشكالات تتعلق بالمصطلحات والمفاهيم والظواهر.

ويخلص «بكّور» إلى أنه لا يصح اتهام الناقد بالتقصير؛ فالمواكبة الشاملة تبدو شبه مستحيلة في ظل هذا السيل من النصوص، لكن المطلوب هو تعميق المقاربة وتجديد العدة النقدية، مع دعوة المؤسسات الجامعية إلى الانخراط في مواكبة الإنتاج الشعري عبر الأطاريح والندوات والمؤتمرات، بما يجعلها أكثر انفتاحا على روح العصر واستيعابا للتجارب الشعرية المختلفة.