رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي 


تشبه الأوضاع التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية، إلى درجة كبيرة، تلك التي سادت يوم 30 من مارس 1976، حيث تبرز الأطماع الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية، وترتفع وتيرة مصادرتها بأساليب أكثر عنصرية، وبعد مرور نصف قرن على أحداث يوم الأرض، لا زال الفلسطينيون في الداخل المحتل يعيشون أوضاعاً مشابهة لتلك التي قادت إلى الإنفجار الكبير في ذلك اليوم المشهود.
ويحيي الشعب الفلسطيني الذكرى الـ50 ليوم الأرض، في ظل ظروف قاسية، زادها عسراً العدوان الغاشم الذي شنه كيان الاحتلال على غزة هاشم، وما زالت آثاره ماثلة حتى بعد مرور نحو نصف عام على اتفاق وقف إطلاق النار، وهجمة استيطانية تطال الأرض وما عليها في القدس والضفة الغربية.
وفي فلسطين المحتلة عام 1948، مسروح يوم الأرض، لا يلمس الفلسطينيون فرقاً بين مارس 1976 واليوم، إذ يكمن مشروع الاحتلال الإسرائيلي في سلخهم عن أرضهم وشعبهم، فتتعدد صور وأشكال التضييق عليهم، لجعلهم أقليّة لا حول لها ولا قوة، تتلقى الصفعة تلو الأخرى، دون أن تجرؤ حتى على الصراخ!.
والمشهد ذاته ليوم الأرض يتكرر يشكل يومي في غزة والقدس المحتلة والضفة الغربية، إذ ما زالت الأرض محور الصراع مع كيان الاحتلال، الذي يعمد إلى مصادرة أكبر مساحة ممكنة من أراضي الفلسطينيين، وخنقهم في تجمعات سكانية محاصرة، ومحاطة بالمستوطنات الإستعمارية، وحرمانهم من حقهم المشروع في التوسع العمراني على أراضيهم، التي ورثوها عن الآباء والأجداد.
واليوم، في الذكرى الـ50 ليوم الأرض، يستغل كيان الاحتلال انشغال العالم بالحرب الإقليمية، لسلب ما تبقى من أراض فلسطينية، فتكتسب الذكرى أهمية وطابعاً خاصاً، كونها تحل في وقت تتعاظم فيه الأطماع الإسرائيلية في فرض السيطرة والهيمنة على الأرض، فيما الفلسطينيون ما زالوا يتشبثون بأرضهم، وينغرسون فيها كما أشجار الزيتون الضاربة في جذور التاريخ.
يوم الأرض.. إضاءة تاريخية
لم تبدأ حكاية يوم الأرض، في 30 مارس 1976، بقدر ما كان ذلك اليوم، تتويجاً لهبّة فلسطينية شعبية عارمة للدفاع عن الأرض، عندما خرجت الجموع الهادرة من سخنين وعرابة وكفر كنا عن بكرة أبيها، في التحام وثيق مع الأرض، مؤكدة على عروبة وهوية الأرض الفلسطينية، بعد إصدار وزير جيش الاحتلال في حينه "إسحاق رابين" قراراً بمصادرة أكثر من 20 ألف دونم من أراضي المواطنين في تلك البلدات، الغافية في أحضان الجليل الفلسطيني، فكانت هبّة شعبية غير مسبوقة في تاريخ فلسطين المحتلة 1948، باتت تعرف حتى يومنا هذا بيوم الأرض.
وعلى امتداد مساحة الوطن الفلسطيني، وفي الشتات، يحيي الفلسطينيون مآثر يوم الأرض، الذي افتدي بدماء 6 شهداء عمّدوا الأرض بالدم الأرجوان، لترتوي الأرض الفلسطينية، في تضحية يصفها أبناء الشعب الفلسطيني بأنها تعكس إصرارهم على التمسك بالأرض، وانغراسهم فيها.
وللشعب الفلسطيني حكاية عشق مع الأرض، طويلة طول الزمان، وأطول من عمر الاحتلال العابر، فهي معمّدة بدماء الآلاف من الشهداء الذين سقطوا عليها تترى، غير أن مناسبة يوم الأرض، تسكب في كل عام مزيداً من الدفء على العلاقة الأصيلة والمتجذرة بين الفلسطيني وأرضه، تلك العلاقة التي جبلت بالدماء الزكية، وتجسّد معنى افتداء الأرض، بأكبر من معاني الكلمة.
ولعل ما يميز الذكرى الـ50 ليوم الأرض، أنها تتزامن هذا العام، مع تباشير إنتفاضة فلسطينية جديدة للدفاع عن الأرض، فيما الهجمة الاستعمارية الإسرائيلية تستعر لتطال الأرض وما عليها من بشر وشجر وحجر، في حين ما زال الفلسطينيون يجددون العهد مع أرضهم، ويعظمون تضحياتهم لأجلها، فيعطرون ترابها الندي بالدم الزكي، وما زالت الأرض الفلسطينية الحانية، تستقبل شهداءها كحبات قمح تُزرع في الأرض لتملأ الوادي سنابل.
وجدير بالإشارة، أن استهداف الأرض الفلسطينية بدأ منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا 1897، ويومها تكشفت أطماع الحركة الصهيونية، بإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، وتبعاً لتلك الأطماع تمكنت الحركة الصهيونية بالتحالف مع بريطانيا المنتدبة على فلسطين حتى العام 1948، من تأسيس الدولة المنشودة في 15 مايو من العام ذاته، على نحو 20 ألف كيلو متراً مربعاً من أراضي فلسطين، بما يشكل نحو 74 في المائة من مساحتها التاريخية، وتمضي دولة الكيان في مصادرة الأراضي الفلسطينية وتشييد المستوطنات عليها، جاذبة المزيد من يهود العالم إليها.
فصل مؤلم.. ومناسبة وطنية
لعل من أفظع ما ابتدعته العقلية الإسرائيلية من فنون الضم والتهويد للأرض الفلسطينية، يتمثل بجدار الفصل العنصري الذي التهم مساحات واسعة من الأرض وقطع أوصالها، وشرعت سلطات الاحتلال بإقامته في عمق الضفة الغربية، في خضم انتفاضة الأقصى 2000، وهي فكرة مستوحاة من "الجدار الحديدي" للمنظّر اليهودي "جابوتنسكي" وقوامها الترهيب والإرهاب للفلسطينيين، ومنح الأمن والأمان للإسرائيليين.
وبالنسبة لمحمد حمايل من قرية كفر مالك شرق رام الله، والتي تشهد هجمة استيطانية شرسة، فيوم الأرض، يمثل مناسبة وطنية في حياة الفلسطينيين، للتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني من سخنين وكفر كنا وعرابة إلى كفر مالك والمغير وترمسعيا، والتحامه في معركة الدفاع عن أرضه وكرامته.
ويصف حمايل المشهد في كفر مالك والقرى المجاورة لها، فيقول: "لم يبق لنا أرض، وأطماع المستوطنين تعدّت التوسع الاستعماري، إلى ترحيل الفلسطينيين عن أرضهم، ويتماهي هذا الموقف مع ما تخطط له حكومة الاحتلال من تقويض أي محاولة لإقامة دولة فلسطينية، الأطماع تتزايد في الأرض الفلسطينية وما تحتها من ثروات طبيعية، وما فوقها من خيرات بعد تهجير أصحابها".
وبعد 50 عاماً على حادثة يوم الأرض، تزداد الهجمة الاستيطانية شراسة، وتبلغ عمليات المصادرة والتهويد ذروتها، وفي حين يستذكر الباحث الفلسطيني حسن مواسي من باقة الغربية في الداخل المحتل، الأسباب التي قادت إلى إعلان الغضب والإضراب في يوم الأرض، يؤكد أن كيان الاحتلال ما زال يضيق الخناق على فلسطينيي الداخل، بشكل يجسد سياسته القائمة على التمييز العنصري ضدهم.
ومن وجهة نظر مراقبين، فالهجوم الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية هذه الأيام، ما هو إلا نتيجة طبيعية لأطماع الكيان الإسرائيلي التوسعية، وأهدافه السياسية، بضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي الفلسطينيين، وكل ذلك في محاولة لحسم معركة الأرض، التي بدأت قبل يوم الأرض بقرن من الزمان.