بسام جميدة -
رواية "سمك ميت يتنفّس قشور الليمون" للروائي السوري خالد خليفة هي آخر ما تركه لنا من تجربة أدبية وكتبها عام 2023 قبل أن يموت وكأنها خلاصة تجربة طويلة من الكتابة عن الألم السوري وتفكك الإنسان تحت وطأة القهر، وصدرت بعد رحيله بعام واحد عن دار هاشيت أنطوان فبدت أشبه بصوت أخير يخرج من قلب معتم، يصرّ على الصراخ حتى اللحظة الأخيرة.
الرواية تغوص عميقًا في الذاكرة الإنسانية، وتكشف عن طبقات معقدة من الألم والحنين داخل المجتمع السوري، تفتح أبوابا على عوالم داخلية مضطربة؛ حيث يتداخل الماضي مع الحاضر في سرد كثيف ومشحون بالعاطفة، وتعتمد على تصوير عائلة تعيش تحولات قاسية؛ لتصبح هذه العائلة نموذجا مصغرا لمجتمع كامل يعاني من القمع والانكسار ومن خلال شخصياتها، نرى كيف يتحول الألم إلى جزء من الهوية، وكيف يصبح الصمت وسيلة للبقاء.
مسرح الرواية مدينة اللاذقية؛ حيث يفتح الكاتب نافذة على الإنسان المتأثر بالقهر والتاريخ، ويطرح سؤالا عميقا: كيف يعيش الإنسان في واقع يلتهم الروح قبل الجسد؟
تبدو المدينة ككائن حي مثقل بالذاكرة، مشبع بالخوف، ومحمّل بتاريخ طويل من الصمت، اللاذقية في النص ليست مدينة البحر والضوء، كما قد تبدو، مدينة تختبئ خلف واجهة هادئة، فيما تتخمر في داخلها تناقضات عميقة، يقدّمها الكاتب بوصفها مكانا تختلط فيه الروائح، الذكريات، والأجساد، وكأنها خزان حيّ لكل ما لم يُقَل، كل زاوية فيها، كل بيت، كل رائحة، تشي بأن الحياة مستمرة شكليا فقط، لكنها في العمق متوقفة، أو فاقدة لروحها، الشخصيات التي تتوزع على أجيال، والتي تحاول أن تعيش وتحب وتبدع، تصطدم باستنزاف مستمر: خيبات تتراكم وصمت يحيط بكل شيء، حتى أن كل محاولة للحلم تبدو مؤجلة إلى وقت لن يأتي.
ينسج خالد خليفة روايته من خلال عائلة تتوزع حكاياتها عبر أجيال، فيقدم سردا متشظيا، ويكشف تدريجيا عن تاريخ من الانكسارات الشخصية التي تعكس في جوهرها انكسارات جماعية. الشخصيات لا تتحرك بحرية، تبدو محكومة بقوى خفية من الماضي؛ حيث تتحول الذاكرة إلى عبء يومي، وكأن الزمن في الرواية لا يسير إلى الأمام، بل يلتف حول نفسه، ليعيد إنتاج الألم بصيغ مختلفة.
تُظهر الرواية بوضوح أثر التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها سوريا، فالقمع حاضر في التفاصيل الصغيرة: في الخوف المتوارث، في العلاقات العائلية المشوهة، وفي الصمت الذي يملأ الفراغات بين الشخصيات. هذا القمع لا يظهر كحدث طارئ، إنما كحالة مستمرة تشكّل الوعي والسلوك، ومن هنا، يمكن قراءة الرواية بوصفها تشريحا دقيقا للحياة تحت سلطة غير مرئية، لكنها حاضرة في كل شيء.
يبدو المكان كثيمة يستند عليها للحديث عن بقية التفاصيل المهمة المشبعة بالقهر المكبوت، يصف تفاصيلها المعمارية بدقة، وكيف شوّه الفساد والمنتفعين والمتسلطين على مقادير البلاد حينذاك جل معالمها. كان ينعي المدينة بحرقة قلبه عبر شخصيات الرواية، عبر بضعة أشخاص مهمشين حاولوا أن يدونوا أسماءهم في صفحة الحياة عبر ممارساتهم الغريبة في المدينة فامتهنوا الموسيقى والغناء والرقص الماجن وتجارب غير مسبوقة محاولين لفت الانتباه وإثبات الحضور، فأطلقوا على أنفسهم لقب "المسوخ" ولكن استهجان المجتمع لهم والخيبات المتلاحقة لم تمكنهم من تحقيق أحلامهم ولا مستقبلهم رغم صلة بعضهم الوثيقة بالسلطة حينذاك فعاشوا اقهر والتشتت والانهزام، ودفعوا ثمن الفساد وتهتك الحياة الاجتماعية غاليا.
بقية الشخصيات التي جسدها خالد خليفة تبدو كائنات مأزومة، تعيش على هامش الحياة، أو في قلبها دون أن تنتمي إليها. المرأة، بشكل خاص تأخذ موقعا مركزيا في الرواية، فهي ضحية وكائن معقّد يحمل داخله مزيجا من القهر والقوة وتعيش في ظل منظومة قاسية، لكنها في الوقت ذاته تملك قدرة خفية على الاستمرار. هذا التوتر بين الضعف والصمود يمنح الشخصيات النسائية عمقا إنسانيا واضحا؛ حيث يُقدمهن بوصفهن حاملات للذاكرة، وأحيانا ضحايا لها، وكأنهن يجسدن شكلا من أشكال المقاومة الصامتة.
العنوان نفسه يفتح بابا مهما لفهم الرواية: "سمك ميت" لكنه "يتنفس". الحياة هنا ليست حياة حقيقية، بل مجرد استمرار بيولوجي، وهو شعور يلمسه القارئ في كل حركة للشخصيات، في كل علاقة عاطفية فاشلة، وفي كل محاولة إبداعية تتعثر قبل أن تولد.
خالد خليفة لا يقدّم القمع بوصفه حدثا مباشرا، بل كشيء متغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، يظهر في الخوف، في الصمت، وفي الطريقة التي يتعامل بها الناس مع بعضهم. حتى الحب نفسه يبدو هشا أو غير قابل للاستمرار، وهذا ما يجعل القارئ في موقف غير مريح؛ فهو لا يكتفي بالتعاطف مع الشخصيات، بل يكتشف تشابها مخيفا بين حاله وحالها.
القهر هنا حالة متواصلة تتسلل إلى الداخل، وتعيد تشكيل الشخصيات من دون ضجيج، لذلك لا نرى مواجهة مباشرة مع السلطة بقدر ما نلمس آثارها في التعب، في العجز، وفي فقدان القدرة على الحلم، إذ لا تكتفي الرواية بفضح الواقع، إنما تكشف ما بعده؛ أي الإنسان الذي تكيّف مع القهر إلى حدّ أنه لم يعد قادرا حتى على رفضه، وهذا ما يمنح النص قوته، إذ ينقل القارئ من موقع المراقب إلى موقع المتورط؛ حيث يصبح السؤال ليس عمّا حدث، بل عمّا أصبحنا عليه.
يمكن النظر إلى هذه الرواية بوصفها امتدادا طبيعيا لمشروع خالد خليفة الروائي الذي اشتغل على كشف البنية العميقة للقهر في المجتمع السوري. ففي أعماله السابقة، ظلّ منشغلا بفكرة العائلة بوصفها وحدة متصدعة، وبالذاكرة بوصفها ساحة صراع، وبالإنسان بوصفه كائنا هشًّا في مواجهة سلطة أكبر منه، فإن هذه الرواية تتجه نحو مستوى أكثر خفاء وخطورة؛ حيث يصبح التركيز على ما يفعله هذا الواقع داخل الإنسان نفسه، ومن خلال هذا العمل، يترك خالد خليفة أثرا أخيرا يؤكد أن الأدب حتى في أحلك الظروف يظل وسيلة لفهم ما لا يمكن قوله بشكل مباشر.
الرواية صادمة بطريقتها الهادئة: لا تمنح القارئ راحة الفهم الكامل، بل تجعله يشعر بثقل كل تفاصيل المدينة، وغياب أي خلاص سهل. ربما تكمن جرأتها في أنها لا تدين الواقع مباشرة، ولا تحاول تغييره أدبيا، بل تذهب إلى تعريته من أي معنى مريح، فتقول ضمنيا: إن المأساة ليست فقط فيما حدث، إنما بقدرة الإنسان على التعايش معه وكأنه أمر عادي.
ولم يعد القهر هنا حدثا يمكن الإشارة إليه، بل حالة متواصلة تتسلل إلى الداخل، وتعيد تشكيل الشخصيات من دون ضجيج. لذلك لا نرى مواجهة مباشرة مع السلطة بقدر ما نلمس آثارها في التعب، في العجز، وفي فقدان القدرة على الحلم. وبهذا المعنى، لا تكتفي الرواية بفضح الواقع، بل تكشف ما بعده؛ أي الإنسان الذي تكيّف مع القهر إلى حدّ أنه لم يعد قادرا حتى على رفضه، وهذا ما يمنح النص قوته، إذ ينقل القارئ من موقع المراقب إلى موقع المتورط؛ حيث يصبح السؤال ليس عمّا حدث، بل عمّا أصبحنا عليه.
رواية "سمك ميت يتنفّس قشور الليمون" ليست حكاية حدث، هي حالة من العيش بين الحياة والموت، بين الحلم وفقدانه، وبين المدينة التي تغول فيها الفساد والشخصيات التي تحاول أن تظل على قيد الحياة. إنها تجربة شعورية مكثفة، تجعل القارئ شريكا في إعادة تركيب المعنى، وتؤكد أن خالد خليفة، حتى بعد رحيله، يترك أثرا قويا، يجمع بين الرؤية النقدية للواقع والصمت العميق للإنسان المتأثر به. الرواية هي شهادة أدبية على أن القهر قد يتحول من حدث خارجي إلى حالة داخلية، وأن الكتابة الأدبية القادرة على فضح ذلك هي أعظم ما يمكن أن يتركه الكاتب خلفه.
الرواية تطرح سؤالا عميقا حول معنى البقاء: هل يكفي أن نعيش بيولوجيا لنكون أحياء؟ أم أن الحياة الحقيقية تتطلب حضورا داخليا مفقودا لدى أبطال الرواية؟ هذا السؤال يتكرر ضمنيا عبر الأحداث، ويجعل القارئ في مواجهة مباشرة مع ذاته.
ومن خلال هذا العمل، يؤكد خالد خليفة قدرته على تحويل الألم الفردي إلى خطاب إنساني شامل، يجعل من الرواية مساحة للتأمل العميق في هشاشة الوجود الإنساني.