طاهر علوان -
لا تزال أفلام العصابات والمافيا تحاول أن توجد لها مكانا بين ركام الأفلام، خاصة تلك التي تنتجها هوليوود، وقد صار من النادر أن تعثر على فيلم متميز من بين ذلك الركام، في ظاهرة غريبة ما فتئت تتفاقم وتلفت نظر النقاد والمنتجين الذين يبدو أن الكثير منهم صار يقبل بسيناريوهات متواضعة أحيانا لا لشيء سوى سد الفراغ، ولكي لا تتوقف عجلة الإنتاج عن الدوران.
وكما قدمت هوليوود العصابات الإيطالية من خلال أفلام مثل "العراب"، ثم فيلم "المحصنون"، ثم "بلطجية نيويورك"، ثم "بوني وكلايد" وغيرها، فقد قدمت السينما البريطانية نماذج موازية، سبق النوع السينمائي فيها مسلسل تلفزيوني ذائع الصيت حمل عنوان بيكي بلايندر، وكان من بطولة النجم الحائز على الأوسكار كيليان ميرفي، وهو ممثل أيرلندي الأصل من مواليد 1976، وإلى جانبه نخبة كبيرة من عشرات الممثلين الرئيسيين والثانويين، ثم ليتوجه بفيلم حمل ذات الاسم، ولا يزال يعرض في الصالات الآن، وقد جمع في بريطانيا لوحدها قرابة 30 مليون دولار.
المسلسل الدرامي التاريخي في الأصل هو من تأليف ستيفن نايت، تدور أحداثه في برمنجهام، ويتناول مغامرات عصابة "بيكي بلايندر" الإجرامية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وقد بدأ عرضه ابتداء من العام 2013 حتى العام 2022 من خلال 36 حلقة وستة مواسم، واستقطب 20 مليون مشاهد.
الذي تابع المسلسل وجد فيه شغفا كبيرا وجاذبية، فالمسلسل مصنوع بعناية، وفرق الممثلين أدت أدوارها ببراعة، وقدم الفيلم خليطا مما يعرف (سوب أوبرا) والميلودراما والنقد السياسي ومسلسلات الجريمة والعنف والمافيا وفساد الطبقة السياسية، في خليط ذا طابع تجاري، إذ منح مساحات للمغامرات العاطفية والرومانسية ولصولات وجولات القتل والانتقام والكر والفر.
كانت خلال ذلك عائلة شيلبي، من خلال عميدها ورأسها تومي -قام بالدور الممثل كيليان ميرفي- تصول وتجول، الإخوة والأخت والعمة والأصدقاء والعشيرة التي تعود جذورها إلى أصول غجرية، وكانت مدينة مانشستر البريطانية الصناعية الشهيرة هي ميدان عبث وفوضى وتألق آل شيلبي، ثم انقراضهم واحدا بعد الآخر.
ويبدو أن صانعي المسلسل ونجومه وجدوا في نجاحه ما يؤهله لكي يُبنى عليه فيلم روائي طويل، وهو ما حشد له منتجوه حملات دعائية واسعة، ليكرسوا في أذهان عشاق المسلسل أنهم سوف يشاهدون في الفيلم ما لم يشاهدوه في المسلسل، وهو ما لم يتحقق على الإطلاق، فقد كان الفيلم مجرد إضافة هامشية متواضعة قياسا بالأحداث المتفجرة والصراعات المشوقة التي قدمها المسلسل.
وبدا خلال ذلك واضحا التعكز على شخصية تومي، بعدما انقرض أغلب أفراد العصابة، ولم يبق إلا تومي نفسه وشقيقته آيدا (الممثلة صوفي راندل)، وهما نجمان جذابان في المسلسل، وها هي آيدا وقد صارت نجما سياسيا، فآل شيلبي متغلغلون في السياسة، وفي الوقت نفسه يمارسون الجريمة، وبعد أن واكب الجمهور آيدا بوصفها من النجوم المؤثرين على مدى 6 مواسم؛ وإذ مقتلها يقع في مشهد هزيل وغير مقنع البتة.
هي قد عبرت عن تلك العلاقة المشوهة والمفبركة ما بين النازية وعصابة بيكي بلايندر، وامتدت أعمال العصابة على مدار حربين عالميتين وصولا إلى صعود النازية ومقتل آيدا على يد الجاسوس وضابط الاستخبارات النازي بيكيت -يقوم بالدور الممثل الشهير تيم روث- هنا سوف تتوارى المسألة المحلية وصراعاتها التي شهدناها في المسلسل إلى ظهور ابن متمرد لتومي شيلبي من أصول غجرية، ثم دخول خالته كصانعة أبطال، وفي النهاية مقتل تومي وانطفاء آخر شخصية من شخصيات العصابة ذائعة الصيت.
الخلطة النازية هنا، والتي تعود إلى العام 1940 في ذروة قوة النازية، كانت تهدف إلى إغراق بريطانيا بمئات الملايين من العملة المزيفة بهدف ضرب اقتصادها من الداخل في الصميم، ولم يكن من الممكن المضي في المهمة من دون عصابة خارجة عن القانون لتتولى المهمة، ولهذا تم اللجوء إلى عصابة تومي شيلبي القابع في قلعته المهزولة.
واقعيا نحن أمام شخصية محورية يطاردها ماضيها وتلاحقها كوابيسها، وقد حاول أن ينزع عن نفسه الصفة المافيوزية، وتحول إلى كاتب تأملي في ماضيه، ليترك للتالين تلك القصة الدراماتيكية لآل شيلبي، لكن طبيعته كرجل مافيا يبدو أنها ملتصقة بجلده، ولهذا سرعان ما عاد بعد مقتل أعز الناس إلى قلبه شقيقته آيدا، يعود ليواجه النازي، وكأن الخيال العبقري لكاتب السيناريو قد عجز عن المضي في القوى المحلية في بريطانيا ليقدم فصلا من الصراع مع آل شيلبي، فكان لا بد من عبور البحار باتجاه ألمانيا النازية.
في هذا الصدد تقول الناقدة لوسي بوجر في موقع روجر إيبرت الشهير: "هناك شعور مُبالغ فيه بالنهاية، شعور كان من الممكن تخفيفه ليصبح أكثر رقة لو كان هذا العمل موسما سابعا من المسلسل بدلا من فيلم روائي. وبالمثل، لا يملك هذا الفيلم مساحة سردية كافية للخوض في الأسئلة التي يطرحها حول الإرث والذاكرة - من يروي قصصنا، وإلى أي مدى سيؤثر ماضينا على مستقبلنا إلى الأبد. هنا، تومي هو الإنسان والأسطورة، البطل والوحش، مُنقذ أشبه بالأساطير الشعبية، ولكنه في الوقت نفسه ألحق ضررا لا يُحصى بمن ادّعى أنه يهتم لأمرهم أكثر من غيرهم. ولكن هناك شيء مؤثر بلا شك في مشاهدته، وهو يحاول أخيرا أن يُحاسب نفسه على كل ما فعله، ويحاسب الرجل الذي صنعت منه الحياة فردا مليئا بالعنف ومرارة الفقدان".
أما الناقد جيمس كاميرون ويلسون في موقع فيلم ريفيو ديلي فيقول: "يبدو الفيلم أقرب إلى إعلان تجاري مطوّل منه إلى فيلم سينمائي حقيقي، مع اهتمام دقيق بتفاصيل تلك الحقبة الزمنية، وشعور بالعظمة الزائفة، مع أن المخرج خلق لحظات تشويق محورية، مع أنه لا يوجد الكثير من الأحداث في الفيلم، سوى أن تومي سوف يبدأ بالتظاهر بالقوة في إطار نوع من التكرار، ومشاهد الفلاش باك المصممة لتوضيح الأمور لمن لم يشاهدوا السلسلة من قبل. بالنتيجة لا يرقى الفيلم إلى مستوى التوقعات، وبينما يقدم لنا باري كيوجان شخصية شريرة أخرى لا تُنسى على الشاشة، فإن الافتقار العام للزخم والإثارة هو أكثر من مجرد خيبة أمل".
لا شك أنه بصرف النظر عن المفارقة ما بين المسلسل والفيلم، إلا أن كليهما قد تركا وراءهما تفاعلا ملحوظا مع الأحداث والشخصيات، فقد كانت هنالك عناية فائقة في كل ما هو مرئي من مناظر وتصوير ومؤثرات وأزياء وبيئات، كلها تكاملت مع وجود شخصيات مافيوزية استثنائية وجديرة بالمشاهدة.
...
إخراج/ توم هاربر
سيناريو/ ستيفن نايت
تمثيل/ سيليان ميرفي، ريبيكا فروكسون، تيم روث، صوفي راندل، باري كيوجان
مدير التصوير/ جورج ستيل
موسيقى/ أنتوني جين