تمثل الثقافة الأساس الشاهد على حضارة الدول وتاريخها الممتد عبر حقب حياتها المختلفة، ولهذا فإنها غالبا ما تواجه تحديات عدة في أوقات الشدة والنزاعات والحروب والاضطرابات، سواء على مستوى الكوارث الطبيعية والتقلبات المناخية، أو خلال الصراعات القائمة على إثنيات التنوُع الثقافي والنزاعات بين جماعاتها الثقافية، أو مواجهات الصراعات الخارجية الناعمة أو الصلبة؛ أي تلك التي تنشد محاربة الثقافات المحلية للمجتمعات من خلال ما تبثه من أيديولوجيات، أو من خلال الحروب العسكرية التي تهدف إلى هدم معالم تلك الثقافات وتدميرها.

ولقد كانت الثقافة عموما والتراث الثقافي بشكل خاص هدفا مباشرا للهجمات والاعتداءات في النزاعات المسلحة التي حدثت على مستوى العالم، فالثقافة غالبا ما تتعرض للإضرار والنهب والسلب، والتدمير المتعمد الذي يكون تحت شعارات عنصرية أو انتماءات جماعية متطرفة، أو بسبب الحروب العسكرية التي تتعرض لها دول العالم عموما، الأمر الذي يجعلها في حاجة دائمة للصون والحماية من قِبل المجتمعات؛ لأنها لا تمثِل حاضرها وحسب بل ترمز لتاريخها وحضارتها وقدرتها على الصمود في وجه تلك النزعات والصراعات.

ولأن الثقافة مستهدفة خاصة خلال النزاعات والحروب العسكرية فقد عملت الدول والمنظمات العالمية على سن القوانين والتشريعات والمعاهدات التي تهدف إلى صونها وحمايتها، وتدفع المجتمعات إلى التكاتف والتعاون من أجل حماية تاريخهم الحضاري وتراثهم الثقافي المشترك، واحترام الممتلكات الثقافية وصونها في حالات الصراع العسكري؛ فبالإضافة إلى اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي، واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، وقعت الدول على اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح التي اعتمدتها اليونسكو في العام (1954).

وهي اتفاقية تهدف إلى حماية الممتلكات الثقافية عموما والتراث الثقافي بشكل خاص سواء كان قصورا، أو متاحف، أو قلاعا أو حصونا، أو مسارح، أو مجموعات ثقافية أو أسواقا شعبية أو غير ذلك؛ وصونها من التدمير والتخريب أو النهب والسرقة؛ فلقد شهد العالم خسارة العديد من الشواهد الثقافية والممتلكات التي كانت تُعد معالم حضارية ذات أبعاد تاريخية قد لا تمثل دولها وحسب بل تراث إقليمي وإنساني مشترك، وهذا ما شهدناه مثلا في العراق من تدمير ونهب متعمد في متاحف الموصل ونينوى إضافة إلى مواقع تم إدراجها في قائمة التراث الإنساني في اليونسكو.

فإذا كان للحروب والاضطرابات العسكرية تأثيرات مباشرة على الثقافة من حيث هجرتها ونزوحها وإغلاق المؤسسات الثقافية، إضافة إلى التأثيرات المتعلِقة بمفاهيم ثقافة الحرب وآداب المقاومة والفنون المضادة وغيرها، فإن تأثيرها على الممتلكات يبدو الأشد خطرا، ذلك لأنه لا يبتغي سوى الإبادة الحقيقية والتدمير الذي يودي بالحياة الحضارية للدول وهدم تاريخها، وبالتالي فإن هذه الممتلكات تحتاج إلى الحماية والصون في أوقات الحروب أكثر من أوقات السلم.

لقد شهدت فلسطين مثلا تدميرا غير مسبوق للتراث الثقافي منذ الاحتلال الإسرائيلي وإلى اليوم؛ حيث تفيد التقارير أن هناك أكثر من 200 موقع أثري وتاريخي في قطاع غزة تعرض للتدمير، بما في ذلك مساجد تاريخية قديمة، وحمامات أثرية، وكنائس، وأسواق قديمة؛ مثل المسجد العمري الكبير في غزة، وحمام السمري الذي يعود تاريخه للعصر العثماني، إضافة إلى هدم العديد من المتاحف، والمراكز الثقافية، والمكتبات العامة، والجامعات، الأمر الذي أدى إلى فقدان وثائق تاريخية ومخطوطات ومجموعات أثرية نادرة، كما طال التدمير والتخريب صروحا عمرانية تاريخية في مدن عدة خاصة في غزة وخان يونس مما أفقد المدن هويتها الحضارية، إضافة إلى ذلك فإن الحرب المستمرة تسببت في عمليات النهب المنظمة للمكتشفات الأثرية من مواقع التنقيب والمتاحف المختلفة.

ومنذ بداية الحرب الحالية في الشرق الأوسط أصدرت اليونسكو بيانا أعربت فيه عن «قلقها إزاء حماية مواقع التراث الثقافي في ظل تصاعد العنف في الشرق الأوسط»، خاصة تلك المواقع المدرجة في قائمة التراث الإنساني العالمي، والممتلكات الثقافية في دول النزاع، خوفا من إصابتها بالتخريب أو التدمير.

كما طالعتنا الصحف بمناشدة وزارة الثقافة اللبنانية منظمة اليونسكو (لتوفير حماية إضافية لمواقع التراث الثقافي في لبنان)، خاصة بعد أن امتد الصراع إلى الحدود اللبنانية عموما والعاصمة بيروت بشكل خاص؛ حيث المتحف الوطني، الذي يحمل تاريخا يمتد لآلاف السنين في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ومعابد بعلبك، ووادي قاديشة (الوادي المقدس)؛ أحد أقدم المستوطنات الرهبانية المسيحية في العالم وغيرها.

كما أن ما يحدث في الجمهورية الإيرانية اليوم من استهداف للممتلكات الثقافية والمواقع الأثرية يندرج ضمن الإبادة الثقافية والتخريب المتعمد؛ حيث تداولت العديد من الوسائل الإعلامية ذلك التدمير الذي طال مدينة أصفهان التاريخية، وانفجارات تسببت في أضرار جسيمة في العديد من المتاحف والقصور التاريخية؛ مثل محمد سعد آباد في طهران، وقصر سالار سعيد وآصف وزيري التي تعود للقرن التاسع عشر، ومسجد جامع، وقصر جولستان في طهران المدرجان في قائمة اليونسكو للتراث الإنساني العالمي، وقصر جهل ستون، وقلعة فلك الأفلاك في لورستان وغيرها الكثير.

ولهذا فقد ناشدت اليونسكو دول النزاع بأهمية حماية التراث الثقافي، واحترامه خلال الصراعات العسكرية؛ إلا أن الصراع امتد إلى هذه المواقع؛ ففي إيران هناك أكثر من خمسة وعشرين موقعا تراثيا مدرجا في قائمة التراث الإنساني العالمي في اليونسكو، تحتاج إلى حماية في ظل الحرب التي لحقتها أضرار جسيمة (حتى بعد وضع دروع زرقاء على أسطح المباني ذات الأهمية الثقافية) بحسب صحيفة اليوم السابع ، الأمر الذي يكشف حجم التحديات التي تواجهها الممتلكات الثقافية في ظل النزاعات والحروب.

إن الهجمات والتدمير المتعمد والمباشر على تلك الممتلكات في الدول المتنازعة يمثِل هدما لتاريخ الأمم وحضارتها؛ فالثقافة عموما ـ والتراث الثقافي خاصة ـ ليست طرفا في النزاعات العسكرية، بل هي أساس للسلام والحوار باعتبارها منطلقا للثقافة الإنسانية المشتركة الداعية للتشارك والتعاون ونبذ العنف، إلا أنها رغم ذلك غالبا ما تكون في مواجهة الصراعات والتدمير والتخريب، باعتبارها جزءا من الصراع الذي ينشد استهداف فكر الطرف الآخر وتدمير ثقافته وتاريخه الحضاري، ومحاولة تشويه ذلك التاريخ، متناسين أن هذا التاريخ هو تاريخ إنساني مشترك، وأن دول العالم كلها مسؤولة عن حمايته وصونه والحفاظ عليه.

لقد جنت الحروب على الإنسانية وثقافتها، وما زالت تحاول إبادة ذلك التاريخ، وتشويهه وتخريبه، وعلى الرغم من السياسات والقوانين الدولية الرامية إلى صونه، غير أن الحال لا يشي سوى بتكثيف القصف والإبادة الثقافية التي تطول الممتلكات الثقافية للدول وتهدم فكرها ومرتكزات تاريخها وتطورها الحضاري. إن العمل على حماية التاريخ الحضاري للدول والأمم واجب إنساني، وكما يقال في الحروب (يجب التفريق بين المدني والعسكري)، يجب التفريق كذلك بين المنشآت المدنية والثقافية والاقتصادية وبين العسكرية.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.