لم تكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حدود القوة العسكرية وحدها، بل دفعت إلى السطح أزمة كامنة في التصور الأمني الذي عاش عليه الخليج منذ التسعينيات. فالبنية التي استندت إليها دول الخليج لم تعد توفر القدر نفسه من الطمأنينة الاستراتيجية، حتى وإن بقيت قائمة بقواعدها واتفاقاتها ومنظوماتها الدفاعية. لقد اهتز الأمر كثيرا في الخليج، لكن الذي اهتز ليس الوجود الأمريكي في ذاته، إنما الفكرة التي جعلت هذا الوجود يبدو-لزمن طويل- ضمانة كافية للاستقرار.
نشأت فكرة الحماية الأمريكية في سياق مختلف تماما عن السياق الذي نعيشه اليوم. بعد الغزو العراقي للكويت، بدا أن الخليج قد وجد معادلته الاستراتيجية في أمريكا، القوة العظمى التي ترتبط بالكثير من المصالح الاقتصادية في الإقليم خاصة طرق الطاقة، الأمر الذي من شأنه أن يتيح للدول الخليجية التفرغ لبناء ازدهارها في بيئة أكثر أمنا وأقل تهديدا. لكن الأمر تجاوز الترتيبات العسكرية إلى تشكيل بنية سياسية كاملة لتنظيم العلاقة بين الأمن والاقتصاد والنفوذ. فلم يكن الأمر يعني مجرد الحماية من تهديد مباشر، بقدر ما كان يمنح أيضا طمأنينة أوسع للأسواق، وللاستثمار، وللدولة نفسها وهي تتصرف داخل إقليم شديد التقلب.
لكن هذه الصيغة كانت قد وُلدت في عالم مختلف، كانت فيه التهديدات أكثر تحديدا، والحروب أكثر انتظاما. وكان بالإمكان، ولو نسبيا، الفصل بين الجبهة العسكرية وبين المجال الاقتصادي والمدني. هذا كله تغيّر اليوم. لا تنتهي الحروب في الحدود التي بدأت فيها. قد تبدأ من الغارات الجوية ولكنها تنتقل سريعا إلى أسعار الطاقة والموانئ وثقة المستثمرين. ولم تعد القوة العسكرية التقليدية، مهما بلغت، كافية لضبط هذا التشابك. فالصواريخ الدقيقة، والمسيّرات الرخيصة، والهجمات على البنية الأساسية، والاضطراب في الممرات البحرية، كلها نقلت الأمن من كونه مسألة دفاع عسكري إلى حالة صمود شامل.
في هذا السياق فقد النموذج الأمني القديم كفاءته، لكنه فقد شرعيته أيضا. وهذه نقطة جوهرية. فقدان الكفاءة يمكن تفسيره بتغير البيئة الاستراتيجية، وبأن أدوات الأمس لم تعد تلائم تهديدات اليوم. أما فقدان الشرعية فمصدره أعمق. فلم تعد القوة التي قُدمت بوصفها ضامنا للاستقرار تُرى في الخليج، وفي المنطقة عموما، باعتبارها قوة توازن، لكن باعتبارها طرفا متماهيا مع المشروع الإسرائيلي لإعادة تشكيل الإقليم على قاعدة الهيمنة المطلقة الأمر الذي ينسف الادعاء القديم بأنها الضامن الأول للتوازن في الإقليم. وهذا يفقدها الشرعية السياسية حتى لو احتفظت ببعض فعاليتها العسكرية.
وهذا التحول يغير طبيعة النقاش كله؛ فلم تعد المسألة متعلقة بما إذا كانت الولايات المتحدة باقية أو راحلة، لأن هذا سؤال يلتقط السطح ويترك الجوهر. الولايات المتحدة باقية، على الأرجح، وبقوتها العسكرية الهائلة ستظل الشريك الأمني الأكبر لكثير من دول الخليج، لكنّ بقاءها لا يحل المعضلة؛ حيث كشفت الحرب أن الحضور العسكري الخارجي لا ينتج أمنا تلقائيا، ولا يمنح بالضرورة حماية من النوع الذي تحتاجه الدول في بيئة تتسع فيها جبهات التهديد إلى ما وراء الميدان العسكري حيث تبرز المسارات الاقتصادية واللوجستية.
المشكلة هنا لا تكمن في فكرة الشراكات الخارجية من حيث المبدأ، بل في بناء الأمن على الخارج. ومن النادر أن تجد دولة اليوم تستغني كليا عن التحالفات، ولا توجد قوة متوسطة أو صغيرة تستطيع أن تدير أمنها بمنطق العزلة. لكن الدول الجادة لا تبني أمنها الوطني على افتراض أن الخارج سيتولى عنها الوظيفة الأساسية. الشراكات الخارجية تُعزز الأمن؛ لكن لا تُنشئه من الصفر. والاعتماد على الحليف قد يكون ضرورة في بعض المجالات، لكنه يتحول إلى ضعف حين يصبح بديلا من القدرة الذاتية.
والقدرة الذاتية هنا لا تعني الاكتفاء العسكري الضيق. المعنى هنا يشمل تماسك الدولة وصلابة المجتمع ووحدة القرار السياسي، وكفاءة البنية الأساسية، والقدرة على حماية الممرات والاتصالات والطاقة والغذاء، وامتلاك تصور واضح لما يجب الدفاع عنه أصلا. فالأمن، في معناه الأحدث، لا يعني القدرة أو الملاءة المالية لامتلاك السلاح بقدر ما يعني قدرة الدولة على امتصاص الضربة من دون أن تتفكك وظائفها. هذا هو الدرس الذي تفرضه الحرب على الخليج اليوم. فالحليف الخارجي ليس ضعيفا، لكن ربط الأمن الخليجي به على نحو شبه كامل جعل الاستقرار رهينا لأولوياته، وحدود إرادته، وطريقة تعريفه هو للتهديد.
وهذا بالتحديد ما ينبغي أن يُقرأ بجدية في الحالة الأمريكية. الولايات المتحدة لا تنظر إلى الخليج من داخل المنظور نفسه الذي تنظر منه دول الخليج إلى أمنها. هي قوة كبرى تدير شبكة مصالح تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا إلى التنافس مع الصين. أما الخليج فيعيش الجغرافيا بوصفها قيدا مباشرا لا مجال للهروب منه. هذا الفرق البنيوي لا يعني تضاربا حتميا في المصالح، لكنه يعني أن أي اعتماد أحادي على واشنطن سيظل عرضة للاهتزاز كلما تبدلت أولوياتها أو تغيّرت طريقة تعريفها للاستقرار الإقليمي. وما ضاعف المشكلة في الحرب الحالية أن واشنطن برزت باعتبارها شريكا أساسيا في ترتيب إقليمي ترى فيه إسرائيل مركز الثقل المقرر.
من هنا، فإن ما بعد المظلة الأمريكية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة إلى القطيعة أو مجرد تنويع التحالفات. يبدو الأمر أعقد من ذلك بكثير. المطلوب هو إعادة تأسيس مفهوم الأمن الخليجي من الداخل، ثم بناء الشراكات الخارجية على هذا الأساس. أي أن تكون التحالفات امتدادا لقدرة ذاتية، لا تعويضا عن غيابها. وأن يكون تنويع العلاقات عنصر قوة، لا مجرد توزيع جديد للاعتماد. وأن يُفهم الأمن باعتباره بنية داخلية وإقليمية متماسكة، لا خدمة استراتيجية تؤدى من الخارج.
الفراغ الأخطر الذي تقف أمامه دول الخليج اليوم ليس فراغا عسكريا بقدر ما هو فراغ في التصور. الأدوات لا تزال موجودة، لكن الفكرة التي رتبتها فقدت صلاحيتها التاريخية. وهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها المراجعات الكبرى عادة؛ حين تبقى المؤسسات قائمة، فيما يتراجع المعنى الذي منحها وظيفتها.
ستتوقف الحرب على إيران مهما طال الأمر. أما الأثر الأبعد فسيبقى في الطريقة التي سيعيد بها الخليج تعريف أمنه، بعد أن اكتشف أن التحالف الخارجي لا يغني عن بناء القدرة من الداخل.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «عمان»