شهدنا في الأيام الأخيرة ظروفًا مناخية، وسبقتها ظروف أخرى تتعلق بالمنطقة وحروبها التي لا يمكن التنبؤ بعشوائية هجماتها، وجميعها قادت بعض المؤسسات إلى إعادة التفكير في تفعيل العمل عن بُعد بشكل أشبه ما يكون بالتجربة التي خضناها في أيام وباء كورونا قبل عدة سنوات.

لكن لعل المشهد الأخير في الأسبوع المنصرم بسبب الأنواء المناخية التي ألمّت بسلطنة عُمان وما صاحبها من أمطار غزيرة وهطول للأودية في بعض المحافظات كان سببًا مفصليًا في القرار الصادر عن وزارة العمل بتفعيل العمل عن بُعد بنسبة 100٪ في بعض الأيام بدءًا من التعليم، وليشمل لاحقًا جميع المؤسسات المدنية والخاصة بالنسبة نفسها.

في إطار موضوع العمل عن بعد وأهمية تفعيله الجزئي المستمر سبق أن طرحتُ في مقال سابق -قبل فترة طويلة- أهمية ممارسة العمل عن بُعد دون انقطاع؛ لضمان أهليتنا، وإبقاء مهاراتنا في هذا النمط من العمل.

كان التركيز في ذلك الوقت منصبًا على التعليم لأهميته وضرورته؛ نظرًا إلى المستجدات الطارئة التي قد تفاجئنا، وفي مقدمتها الأنواء المناخية وتغيراتها، وكذلك الظروف الخارجة عن الإرادة مثل الحروب التي تعصف بالمنطقة.

اقترحتُ يومها أن يُخصَّص يوم واحد في الأسبوع يكون بمثابة يوم للدراسة عن بُعد بالنسبة للمؤسسات التعليمية سواء في المدارس أو في مؤسسات التعليم الجامعي، ولا ننكر حدوث بعض التفاعل الإيجابي لهذه الخطوة رغم محدوديتها وعدم اتساع رقعة تطبيقها في جميع المؤسسات التعليمية.

نعيد اليوم طرح هذا المقترح المهم من حيث توسيع ثقتنا به وتطبيقه الجاد، وليكون مستمرًا وفق الأسلوب الهجين الذي يجمع بين النظامين -التقليدي والعمل عن بعد-، وليتحول إلى عادة لا تنقطع، وليشمل أيضا جميع المؤسسات المدنية والخاصة لأسباب كثيرة أهمها ضمان وجود الجاهزية الكاملة التي يعتمد عليها نظام الاستعداد والتلقائية في العمل دون أي ارتباك، ودون تحديات قد لا ندركها إلا بعد انقطاع طويل عن هذه الممارسة التقنية، وبالإضافة أن هناك تحديات أخرى يمكن أن تظهر في وقت مفاجئ غير محسوب مثل الظروف التي تحدثنا عنها آنفا، فتجبرنا على ضرورة تجاوز ممارسة نمط العمل والتعليم التقليديين، ومنها عدم جاهزية بعض الأفراد من الناحية التقنية والفنية، وعدم جاهزية بعضنا الآخر من الناحية النفسية بسبب عدم التعوّد والممارسة لمثل هذا النمط التشغيلي والتفاعلي الحديث -سواء في التعليم أو في العمل-؛ ولهذا نجد من يفضّل البقاء في دائرة الراحة غير الواعية بسبب الاعتياد الطويل للأنماط التقليدية في الأداء والتفاعل.

مؤخرًا بدأنا نلحظ تطورًا أفضل في القدرات المؤسسية والفردية في التعامل مع أدوات العمل عن بُعد، وفي القدرة على التأقلم مع هذا النمط الحديث من العمل. ويبدو أن بعض المؤسسات أمكن لها الاستفادة من التجربة السابقة المرتبطة بجائحة كورونا؛ إذ دفعتنا تلك المرحلة -أو أجبرتنا بالأحرى- إلى التعامل مع آليات جديدة للعمل والتعليم تضمن استمرارنا في الحياة العملية والتعليمية؛ لذلك أثمر العمل عن بُعد -كما سبق أن أشرنا- عن تطور منتجات تقنية متعددة تخدم هذا المجال بدءًا من منصات وأنظمة رقمية متخصصة، وكذلك ظهرت مؤسسات ناشئة تُعنى بتوفير آليات التعامل مع العمل عن بُعد، وإلى جانب تنامي الوعي المجتمعي بطريقة التعامل معه.

كذلك وجدنا أن بعض المؤسسات الكبيرة في سلطنة عُمان -ولا سيما في القطاع الخاص، وبعضها يرتبط بقطاعات اقتصادية حيوية مهمة- بدأت منذ فترة كورونا حتى هذه اللحظة. ومن دون أسباب مرتبطة بظروف مناخية أو حروب في ممارسة العمل عن بُعد بصورة جزئية؛ فبعضها يخصص يوما واحدا أسبوعيا وبعضها يومين، وأسهم ذلك في اختبار قدرات هذه المؤسسات، وبناء وعي داخل موظفيها، وتطوير آليات التواصل بين أفراد الفريق، وإضافة إلى تعزيز قدرة المدير على الاتصال وقيادة الفريق عن بُعد.

خلاصة ما توصلتُ إليه أن نجاح هذا النمط من العمل يرتبط أولا بالأدوات والأنظمة التقنية المستخدمة، وكذلك بضمان وجود أنظمة اتصال مستقرة وغير منقطعة، ومنصات قادرة على تغطية جميع المهام اليومية دون الحاجة إلى العمل الورقي التقليدي، ويرتبط أيضا بتحديد مؤشرات أداء قابلة للقياس تربط الموظف بمهامه، وتمكّن المسؤولين والمديرين من قياس هذه المؤشرات، وتحديد مسار العمل، وتحقيق الأهداف، والمهام بكفاءة ونجاح.

قبل أن نعود إلى آلية الاستفادة من التجارب الناجحة التي نشهدها هنا في سلطنة عُمان لدى بعض المؤسسات في قدرتها على العمل عن بُعد بكل نجاح وحيوية -رغم انتماء هذه المؤسسات وارتباطها بأهم القطاعات الحيوية في البلد-؛ ينبغي أولا التوقف عند أبرز التحديات الحالية التي استطعتُ رصدها عبر تفاعلي مع بعض الموظفين والمسؤولين في القطاعات المدنية والخاصة، ومحاولة فهم المخاوف المرتبطة بتطبيق العمل عن بُعد بصورة جادة ومتواصلة. وكان من أبرز الأسباب التي تكررت في هذا السياق غياب الثقة بين المديرين وفرق العمل المنطوية تحت إشرافهم؛ إذ تتشكل هذه الفجوة من شكوك تتعلق بمدى جدية بعض الموظفين، أو بعدم الثقة في قدرتهم على إنجاز المهام الموكلة إليهم عبر العمل عن بُعد.

يمتد التحدي نفسه أيضا إلى التعليم -بشقيه المدرسي أو الجامعي-؛ حيث تظهر تحديات ترتبط أحيانا بضعف بعض المهارات الرقمية أو ضعف أدواتها، وينعكس الأمر على مستوى الثقة في التعامل مع الأنظمة الرقمية عن بُعد، وغير أن الغالب في كثير من الحالات هو القلق من ضعف جدية الطلبة، والخشية من أن تفقد العملية التعليمية شيئا من جودتها ومحتواها المصمم؛ انطلاقا من اعتقاد راسخ بأن الآلية التقليدية في التعليم تؤدي غرضها بصورة أفضل.

يعود هذا النوع من المخاوف في صميمه إلى النمط التقليدي الذي اعتاده المجتمع، وهو نمط يحتاج إلى إعادة تصميم ذهني ومؤسسي وتقني لتجاوزه، ولا أجدُ أن ذلك يمكن أن يتحقق إلا عن طريق عدة مسارات: أولها العودة إلى التجارب الناجحة للمؤسسات المرتبطة بأهم قطاعات البلد مثل التي أشرنا إليها آنفا، واستيعاب عناصر نجاحها، وتحدياتها، والحلول التي توصلت إليها.

كذلك من المفيد أن تُستشار هذه المؤسسات ذات التطبيق الجزئي المستمر والناجح لنمط العمل عن بعد، وأن يُطلب منها تقديم النصيحة وحلقات العمل للمؤسسات المدنية والخاصة الأخرى مع عرض التجارب العملية والخلاصات التي انتهت إليها، ووضع إحصاءات تقارن بين القدرة على العمل عن بُعد وما يحققه من نتائج وأهداف مقارنة بالعمل التقليد.

يشمل هذا المقترح مؤسسات التعليم بجميع مستوياتها التي يمكن الاستعانة في شأنها بمؤسسات تعليم -مدارس وجامعات- خاضت تجربة التعليم عن بعد بكل نجاح.

عبر ما أمكن رصده ومتابعته فأتصور أن من شأن هذا المسار أن يسهم في تنمية الوعي بصورة كبيرة، وأن يطوّر العقل الجمعي في المجتمع تجاه هذا التحول.

كذلك من الضروري أن نؤمن أن تجاوز المخاوف لا يتحقق إلا بالدخول الفعلي المنتظم في تجربة العمل عن بُعد؛ بحيث يُعتمد يوم أسبوعي إلزامي للجميع؛ حتى لا تنقطع الممارسة، ولا تضيع الجاهزية المكتسبة رغم إدراكنا أن ذلك يتطلب توفير الأدوات التقنية المساندة بشكل شامل، وضمان استقرار الاتصال بالإنترنت، وتوفير أجهزة إلكترونية قادرة وسريعة تُمكّن من إنجاز المهام بمختلف أنواعها: الحسابية، والكتابية، والتحليلية.

بالإضافة أننا بحاجة إلى ضخ مزيد من الدورات في تنمية المهارات الرقمية، ولا أرى أن ذلك أمر بالغ الصعوبة؛ فكل من يجيد استعمال الحاسوب، والتعامل مع الإنترنت، والمنصات الأساسية فإنه عمليا داخل في معترك العمل عن بُعد، وقادر على الاندماج فيه بكفاءة. وفي كل الأحوال يتطلب الأمر تكافل الجميع عبر المساهمة في نشر الوعي بعمومه، وتوسيع رقعة التقنية وتيسير الوصول إليها فنيا وماليا، ونعوّل على المساهمة المجتمعية من مؤسسات القطاع الخاص المعنية بهذه المهام بجانب الدعم الحكومي والمجتمعي بعموم أفراده.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني