- نتيجة للأزمات المتلاحقة التي تعصف بنا، أو بسبب من نكبات الحياة ومفاجآتها وخذلانها، والاختلالات في العلاقات البينية، يتراجع داخلنا الإيمان بقدرتنا على الذهاب بعيدًا في مسالك الحياة، وتزداد الفجوة بيننا وأنفسنا، وبين من نظن أننا نعرف حقيقته، فنُصوِّتُ للعزلة خيارًا آمنًا يوفر لنا الهدوء.

نختار العزلة، الانزواء، لأن كل ما حولنا يبدو ملتبسًا وغائمًا وضبابيًا، لا شيء يمثل الحقيقة.

هل لأننا خسرنا رهانات كثيرة سابقًا؟ فقدنا إلى الأبد شغف الدخول في اختبارات جديدة كانت، وحتى أمد قريب، متعة الحياة.. ربما.

- كل يوم يتناقص عدد المحيطين بنا، وتتقلص دائرة معارفنا، نكتشف أن الكثير منهم كان زائدًا عن الحاجة، وآخرين رائعين لم نكن نُبصرهم. عدد محدود للغاية ما زال يسجل موقفًا ثابتًا، ونحن نمضي إلى الأمام.

نكتشف أننا لم نكن مضطرين للقلق حول ما كان يؤلمنا، أو ما كان يُشعِرنا بالخوف من مرض أو عوز أو فقدان، لأنها لم تكن سوى أوهام، وقد مضت في طريقها، وأننا سمحنا للفرح أن ينسلَّ خيطه من بين أيدينا، حتى لم نعد قادرين على استرداد وهجه الذي انطفأ وذهب نوره.

- في زمن يصعب فيه العثور على إنسان حقيقي، سيكون من الخطأ الفادح التفريط فيمن منحك السعادة والحب والاهتمام دون مقابل. الخطأ لا يكمن في أن ذلك التفريط سيجر إلى بناء أسوار عالية تحجب الشمس، إنما في كسر كأس الزجاج الذي لا يمكن جبره.

إن مهارة الاحتفاظ بكل ما هو جميل في حياتنا، ومعرفة كيف نحتفظ بمن منحنا ثقته، مهارة لا يجيدها إلا القليلون، ولهذا لا تعصف الريح العاتية بالعلاقات القائمة على تقدير من نحبه لنفسه، وإن اشتدت وإن عتت.

- تُحدِث فينا الذكريات صدوعًا عميقة لا يمكن جبرها، ذكرياتنا البيضاء منها ومنزوعة البياض، صدوعًا لا تشفى كونها تمثل كل ما يسكننا من تناقضات، وتمثل حقيقتنا، حقيقة من نحن، قوتنا، وضعفنا الساكن في جوانحنا، وعيوننا التي نرى من خلالها العالم.

إن أجمل ذكرياتنا تلك التي كنا نهرب منها، فاستحالت مع الزمن إلى كنوز عالية القيمة، مثلها تمامًا كمعدن الذهب أو الأحجار الكريمة أو التحف الأثرية النادرة. من أين جاءت قيمتها الرفيعة؟ من كونها تمثل مرحلة الصدق الذي كان يسكننا حينها، بكل جنونها وعذاباتها وآلامها.

النقطة الأخيرة..

عندما نخلد إلى فُرشنا، نتخلى عما كنا عليه في النهار، نخلع عنا أقنعتنا، تسقط غطرستنا، نعود إلى أنفسنا، موقنين أننا ضعفاء حد الشفقة، وإن بشيء من الإنكار، أن الحكاية قد تنتهي هنا.

عُمر العبري كاتب عُماني