هويتُ من السرير المرتفع على الخزانة الحديدية الخضراء مُحدِثًا جلبة كبيرة في تلك الساعة المتأخرة من الليل. أول ردة فعل لي بعد أن استعدتُ شيئًا من وعيي أن نظرتُ إلى الأسرّة الثلاثة الأخرى في الغرفة، وتنفستُ الصعداء حين رأيتُ زملائي يغطون في النوم ولم ينتبهوا لما حدث. كانت تلك ليلتي الأولى التي أبيت فيها خارج البيت وأنا لم أكمل السادسة عشرة بعد، وسبب سقوطي أنني في الأصل لم أعتد النوم على سرير. البارحة كُنا قد وُزِّعنا - نحن الطلبة الستين - على اثنتي عشرة غرفة ضيقة نسبيا، كل أربعة منا في واحدة. لم نتكلم كثيرًا قبل الخلود للنوم، لزملائي أسبابهم، أما أنا فقد كنتُ مثقلًا بكآبة هذا الوضع الجديد، أنا الذي اعتدتُ النوم في سطح بيتنا البعيد وعيناي في القمر. كنتُ خائفًا على وجه التحديد من عبدالجبار، لا لضخامة جثته فقط، بل أيضًا لأنه متجهم، وجادّ أكثر مما ينبغي، ولا يبتسم، على عكس علي ياسر الذي كان وجهه طفوليًّا مبتسمًا يُشعرِك بالأُلفة الشديدة معه وكأنك كنتَ تعرفه قبل هذه الليلة الصيفية من عام 1989. أما هلال فهو أيضًا مبتسِم القسمات، لكن ابتسامته ثعلبية ماكرة تُوحي بأنه مشاكس كبير. ستُثبت لي الأيام والشهور أن نظرتي كانت صائبة إلا في عبدالجبار، فقد كان هذا الجسم الضخم يُخفي قلبًا طيبًا، تبدّى لي في أول صباح لنا في تلك المدرسة، حين كان يكتم ضحكة واضحة كلما نظر إليَّ، ثم يخفض رأسه خجِلًا، وعندما تكرر ذلك سألتُه: ما الذي يُضحكك؟ أجاب وهو يغالب ضحكته: «لقد رأيتُ سقوطك البارحة»!
قضينا معًا في تلك المدرسة سنتين كاملتين، كنّا فيها إخوة متحابّين، إلى درجة أن يتقبّل أحدُنا بصدر رحب عقوبة خطأ ارتكبه زميله في الغُرفة. من ذلك مثلًا أن أحدنا استيقظ متأخرًا ذات صباح، وكان لسوء حظه (بتعبير أدق لسوء حظ زميله) أنه صباح الإثنين؛ موعد التفتيش الأسبوعي المعتاد على سكن الطلبة، فكان أن كَنَس على عجل الأوساخ التي تحت سريره ليدفعها تحت سرير زميله قبل دخول قائد المدرسة بلحظات، وحين وقعت عينا القائد عليها قرر إنزال عقوبة شديدة بصاحب السرير البريء، فيما اكتفى المذنب الحقيقي بابتسامة ظفر ماكرة.
كان عبدالجبار أكثرنا اهتمامًا بالدراسة، فبينما نكتفي بساعة المطالعة الإجبارية في أحد الصفوف الدراسية مساء، كان يواصل المذاكرة في الغرفة، محيلا إياها إلى ما يشبه الصومعة، في وقت كنا نحتاج أن نجعلها فسحة للثرثرة والضحك وتبديد ملل اليوم. في الحقيقة كان يُحرجنا بذلك، ولا نجد إلا السخرية كردة فعل، من حرصه المبالغ فيه على المذاكرة، ومن دفاتره المرتبة بعناية كأنها جنود في طابور صباحي، وحين يحاول أحدنا انتزاعها منه لإقناعه بأن في الحياة مسرات أخرى غير الدروس والواجبات، يتجهم ويصرخ في وجهه غاضبا: «إني أحذرك».
ما إن حصلنا على الثانوية العامة حتى تفرقت بنا السبل. منا من أكمل دراسته الجامعية، ومنا من صار طيارًا، وثمة من أضحى مهندس طيران، وهناك من أمسى ضابطًا كبيرا. إلى أن جمعنا بعد أكثر من ربع قرن من الزمان - الحنين إلى أيام الشباب وشقاوات تلك المدرسة فاتفقنا على الاجتماع ولو بوتيرة متباعدة كل مرة في بيت أحدنا، وقد نجحنا -إلى حد ما - في ذلك، وكان آخر اجتماع لنا - قبل عدة سنوات - في بيت علي ياسر بالمعبيلة الذي دعانا إلى الغداء، هناك تمددت الذكريات بيننا دافئة وحية، وتناوبنا على استرجاع حكايات كثيرة ظننا أن الزمن محاها من ذاكرتنا، فإذا بها تنهض في المجلس كأنها وقعت بالأمس. وكان علي روح ذلك المجلس، بضحكته الهادئة، وبشاشته التي لا تفارقه، وتعليقاته الطريفة التي لا تخلو من ذكاء، ووجهه الطفولي الذي ظل محتفظًا ببراءته، وكأنه لا يشيخ.
كان هلال قد أنشأ قبل ذلك بسنوات مجموعة واتسب تجمعنا نحن الأربعة، اختار لها اسم غرفتنا في تلك المدرسة: «غرفة 21»، في البداية كان عبدالجبار أنشط عضو فيها، إذ نستفيق على رسائله الصباحية، مكتوبة كانت أو مسموعة، فننهال عليه بالردود. ولأن علي كان لا يرد أحيانا، أو يرد متأخرا، فقد اندهشنا أنه كان السبّاق في تهنئتنا بأحد أعياد الأضحى، حتى إنني ملأتُ – مازحًا - شاشة الهاتف بعبارة (علي ياسر حي، علي ياسر حي، .....) ضحك عبدالجبار، وعلق هلال: «يحيي العظام وهي رميم»، أما علي فرد بابتسامة: «نهضنا بعد سبات». مع الوقت صار علي ياسر مشاركًا نشِطًا في المجموعة، بل إنه هو من اقترح في بداية رمضان الماضي أن نلتقي في النصف الثاني منه، حين يعود هلال من عمله خارج البلاد. لكن الحرب اندلعت، والأجواء تلبّدت، فتناسينا الموعد، ولم يخطر ببال أحد منّا أن التأجيل هذه المرة لن يكون عابرًا.
ظهر الإثنين الماضي فاجأني هلال برسالة صادمة مفادها أن علي ياسر مرقّد في مستشفى نزوى لإصابته بأزمة قلبية، ولم أكد أستوعب الخبر حتى بلغني عصر اليوم نفسه نبأ رحيله. هكذا مات بهدوئه نفسه، كأنه لم يشأ أن يُزعج أحدًا حتى وهو يغادر. وباتت مجموعة الواتسب الصغيرة ناقصةً واحدًا، ما يعني أنه لن يقرأ رسالتي حين أكتب هذه المرة من دون مزاح: «علي ياسر حي، علي ياسر حي، .....»!
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني