لم يتفرغ نجيب محفوظ للكتابة، إلا بعد أن خرج إلى المعاش. أمَّنت له الوظيفة المال اللازم لحياة بسيطة، ومع ذلك لم يتذمَّر وظل مخلصًا لها مثل إخلاصه للكتابة فأصبح "موظفًا كبيرًا" و"كاتبًا كبيرًا". عرف محفوظ المال الوفير في حالات استثنائية، تتعلق غالباً بالجوائز، يحكي لرجاء النقاش إنه حصل على مائة جنيه حين فاز بجائزة مجمع اللغة العربية، وكان هذا مبلغاً لا يحلم به حسَّن أحواله المادية وربما كان في وقته أكبر فائدة من فلوس جائزة نوبل!
لكن قصة نجيب محفوظ مع الوظيفة صعب أن تتكرر، فتغيُّر متطلبات المعيشة يجعل غالبية الأدباء يعانون، فالعائد من الوظيفة لا يكفي، ولذلك ربما يعمل الكاتب في مكانين أو أكثر، مما يجعل الوقت المتاح للكتابة أمامه محدوداً للغاية، بشكل يؤثر على مسيرته، ويجعل إنتاجه محدوداً، فمتى يستطيع الكاتب العربي أن يتعيَّش من الكتابة؟
الكاتب المصري أحمد الخميسي يؤكد أن هذا السؤال ينطبق ليس فقط على حالة الكاتب العربي فحسب بل على حالة الكتَّاب عامة، عندنا وفي الخارج، وما نسمعه عن أدباء يربحون الكثير من أعمالهم هي حالات قليلة جداً، لكن الوضع عندنا أسوأ، فالكاتب لا ينال شيئاً عما كتبه، بل ويدفع في أحيان كثيرة من جيبه لنشر عمله. ربما في مستقبل قادم يمكن للأديب أن يحقق ذلك، لكن هذا يرتهن بقيم المجتمع التي تعطي الملايين للاعب كرة قدم والملاليم للاعب النفوس والعقول، وقد صدق توفيق الحكيم حين قال: "انتقلنا من عصر الأقلام إلى عصر الأقدام". حينما تتغير قيم المجتمع سيتبدل وضع الكاتب.
أسأله لماذا لا يستطيع الكاتب أن يتفرغ لعمله؟ وهل تؤثر الوظيفة بالسلب على مشروعه؟
فيقول: "لا يمكن للكاتب أن يتفرغ لمشروعه الأدبي في ظل مطالب الحياة اليومية، وقد كتب نجيب محفوظ سيناريوهات بعض الأفلام فقط لأن راتبه لم يكن يسد احتياجاته. أما عن تأثير الوظيفة في عمل الكاتب وإبداعه، فأمر يختلف من كاتب إلى آخر، بشكل عام تؤثر الوظيفة سلباً، لكن ذلك ليس قاعدة عامة، نجيب محفوظ أشهر موظف ولم يمنعه ذلك من الإبداع، فرانز كافكا أيضاً كان موظفاً في شركة تأمين حوادث عمَّالية، بل إن شاعراً كبيراً مثل ت. س. إليوت عمل موظفاً عدة سنوات في بنك بلندن. المؤكد أن الوظيفة ليست أنسب عمل للكاتب، لكنها لا تعوق من اتخذ الكتابة طريقاً وهدفاً".
معلقة من ذهب
من جهته يعدِّد الكاتب السوري بشير البكر أسباب عدم استطاعة الكاتب العربي أن يتعيَّش من وراء الكتابة.
أولاً، الكتابة في نظر العرب، ليست مهنة تستحق مقابلاً مادياً، بل نشاط فردي يمارسه صاحبه لدواعٍ ذاتية، ثم إن العالم العربي لم يتوصل إلى عتبة بناء قارئ يكرِّس قسطاً من مصروفه لشراء الكتاب، وبالتالي فإن الكتاب مهما بلغ من النجاح والشهرة لا تتجاوز مبيعاته آلافاً معدودة من النسخ، يصل من عائداتها للكاتب مبلغ يسير لا يكفي للعيش لمدة شهر واحد.
ثانياً، لا يستطيع الكاتب أن يتفرغ للكتابة، لأنه لن يجد من يسدد مصاريفه الشهرية من إيجار بيت، وفواتير مدارس، وخبز وملابس. عائدات الكتابة لوحدها لا تسد حاجات الكاتب، وما لم يعمل، أو تتطوع الدولة وتمنحه تفرغاً، فإنه لا يستطيع أن يتدبر شؤونه، وهذا حال جميع كتَّاب العالم العربي، ما خلا مَن وُلِد في فمه معلقة من ذهب.
ثالثاً، نعم تنعكس الوظيفة سلباً على إنتاج الكاتب. الكتابة تحتاج لوقت خاص بها لوحدها. ليس جميع الكتَّاب بقدرة نجيب محفوظ على تنظيم الوقت بين العمل والكتابة. البعض يكتب في الإجازة أو يسرق قليلاً من الوقت، والكثير من الكتَّاب ضحوا بالكتابة كي يوفروا مصاريفهم، ولهذا السبب ترى أغلبية الشعراء والروائيين يعملون في الصحافة، وذلك أضعف الإيمان، فالمردود العام لذلك هو الارتقاء بلغة الصحافة وأسلوبها، وهذا ملحوظ جداً في لبنان ومصر وسوريا.
مثل فناني عصر النهضة
هل أزمة الكاتب العربي في الموازنة بين شؤون حياته وكتابته جديدة؟
يجيب الكاتب العُماني ناصر صالح: "لا. هذه المنظومة الاقتصادية للكتابة نستطيع أن نرى شكلها الكلاسيكي القديم منذ أن نشأت الكتابة كمهنة في العصرين الأموي والعباسي، فقد اضطر معظم الكتَّاب القدامى لممارسة مهن أخرى توفر لهم قوت يومهم كالتعليم، ونسخ الكتب، والتجارة حتى يستطيعوا مواصلة تأليف الكتب التي لا تجد جمهورًا كبيراً يدفع قيمة مالية لشرائها مثلما يدفعون لمنتجات الخياطين، والنجارين، والإسكافيين، وبائعي الأسماك أو المجوهرات. ومع ذلك وجد فريق من الكتَّاب المنظومة الاقتصادية الداعمة للكتابة فأصبحوا يعملون في دواوين الخلفاء والأمراء كتَّاباً لرسائلهم، ومؤدِّبين لأبنائهم، وأحياناً ندماء في مجالسهم وهذه المهن وفرت لهم دخلاً اقتصادياً. أما الشعراء فقد اتخذوا من قصائد المدح والرثاء للخلفاء، والأمراء، والأغنياء سبيلاً للعيش الكريم، والشعراء الكبار منهم مثل المتنبي، وأبو تمام، والبحتري استطاعوا أن يوازنوا بين متطلبات المدح والعطايا وإبداع الأعمال الشعرية الخالدة، وهم في هذا يشبهون فناني عصر النهضة الأوروبية مثل رامبرانت، ودافنشي وغيرهم ممن وازنوا بين متطلبات رسم الأمراء، وزوجاتهم، كمصدر للدخل، ومتطلبات وشروط الإبداع الفني".
ويخلص إلى أن الكاتب العربي المعاصر يعيش ذات الأزمة التي عانى منها الكتَّاب القدامى، وهي أن كتاباته لا تجد جمهوراً قارئاً مستعدًا لأن يدفع قيمة مالية لشرائها مثلما يدفع للمنتجات الاستهلاكية، لهذا يضطر الأغلبية منهم للعمل في مهن ووظائف أخرى توفر لهم مصدرًا للدخل، كالصحافة، ووسائل الإعلام، والتدريس في الجامعات، أو في وظائف أخرى لا علاقة لها بالكتابة والثقافة، وهذه مهن لا شك تستهلك الكثير من جهد الكاتب، ووقته، وتفكيره الذي كان يمكنه أن يوفره في التأليف لو كان الكتاب يلقى رواجاً اجتماعياً واقتصادياً، لهذا فإن تحول الكتابة إلى مهنة ذات دخل عالٍ مرتبط بتطور المنظومة الثقافية الاقتصادية التي تمنحها قيمتها، كزيادة أعداد القراء المستهلكين لها، وأن يكون لدى الدولة مشروع ثقافي تنشئ بموجبه مؤسسات ثقافية، وصحفية، وأحزاباً، وحراكاً سياسياً، وثقافياً، وفنياً، فهذه هي السوق التي تزدهر فيها مهنة الكتابة، وتعلو فيه قيمتها كمنتج ثقافي.
على خطى يحيى حقي،
إذن هل طبيعة النظرة إلى الأدب في المجتمعات العربية تجعل هناك صعوبة في حصول الكاتب على مكاسب مادية من وراء الكتابة؟
تمهِّد الكاتبة السورية وئام يوسف للإجابة عن السؤال: "في كتابه "كناسة الدكان" وهو سيرة ذاتية، يحكي الكاتب يحيى حقي كيف أن عمله كموظف بداية حياته في صعيد مصر، جعله على اتصال مباشر بالطبيعة والإنسان المصري. هذا الالتحام المباشر بحقول القطن والشعير وطباع الفلاحين وعاداتهم، منحه المزيد من القدرة على التوصيف القصصي في كتاباته. يحكي كيف أن الوظيفة بقيت مساراً موازياً لحياته الأدبية، ومنحته الكثير من الحرية، كذلك الواقعية في سرد القصص".
وتخلص من تمهيدها إلى أن الوظيفة تكاد أن تكون عالماً آخر موازياً من حياة معظم الأدباء خاصة في الوقت المعاصر، مع ضجيج الحياة وثقل أعبائها، مما يجعل الأدب مصدراً شحيحا للعيش، وتؤكد أن المفاهيم الثقافية والاجتماعية تعزز ذلك، وأولها الاعتقاد السائد بأن "الفن لأجل الفن"، بمعنى أن الأدباء يمارسون الكتابة بدافع الحب والإلهام، أما المال فيُفسِد الفن. وبعض الكتاب أنفسهم يعيشون هذه العقلية، فأمضوا حياتهم ينشرون الكتب دون مساومة مادية، أو ربما بمقابل بسيط لا يوازي قيمتهم الفكرية والأدبية.
وبحسب وئام يوسف سيكون من الصعب، في العصر الرقمي والكتب الإلكترونية، السيطرة على مسألة النشر، خاصة في ظل انتشار الكتب المزورة، والأخرى المقرصنة إلكترونياً، إضافة إلى العلاقة المركبة بين الأديب ودور النشر والتي تجعل الكاتب في قلق مادي دائم.
وتعلق: "هذا القلق يطال شريحة واسعة من المجتمعات العربية، التي تعيش في سعي وراء قوت يومها، مما يجعل القراءة ليست من الأولويات، سواء شراء كتاب أو حضور فعالية ثقافية بمقابل مادي، وسيكون من الأسهل التصفح الثقافي عبر الشاشة، وهنا سوف يبرز، الكاتب الشهير، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، المتكئ على عدد المتابعين رغم الخواء الفكري والافتقار لقواعد الكتابة، ما يترك أثرا بالغاً على المشاريع الكتابية الجادة".
وتضيف: "في ظل هذه الظروف المركبة والمفاهيم الخاطئة سيكون من الصعب التفرغ للكتابة دون الاتكاء على دخل مادي ثابت. على ضفة أخرى سوف تكون الوظيفة مَعيناً للإلهام والكتابة، كما في حياة الأديب نجيب محفوظ، الذي كانت الوظيفة فيها شكلاً من أشكال الانضباط والتوازن، كانت حياة كاملة جعلته ينغمس في الواقع واليومي، انعكس ذلك على شخصياته التي أغرقها بالواقعية والعمق والتفاصيل الجاذبة".
"كاتب" في الأوراق الرسمية
من جهته يقول الكاتب المغربي إسماعيل غزالي: "مسرة دامغة أن أحمل صفة كاتب في أوراقي الرسمية - بطاقة هويتي وجواز سفري- وهذا لا يعني أنني أعتاش من أعمالي الروائية، والقصصية، بل من الكتابة المجاورة لفن السرد، إذ أحرر أعمدة ثقافية ومقالات، وأشارك في استشارات أدبية وفكرية في مؤسسة ذات طبيعة أكاديمية وثقافية وإعلامية، وقس على ذلك، أعمالاً فنية رمزية موازية، وكل هذا لا يستقيم بدون الاستناد إلى مصادر معيش بديلة خارج مدار الكتابة بالتأكيد".
يتابع: "أقلية من الكتَّاب العرب حملوا مهنة الكاتب في وثائقهم الرسميَّة، كمحمد الماغوط، فالمهنة في جوازه (شاعر) ويحيى الطاهر عبد الله (كاتب قصة قصيرة) وغيرهما من صفوة المبدعين... والمسألة رمزية أكثر منها ماديّة كما قد يخالُ البعض، فما من وجود لتقاليد وكلاء أعمال الكاتب عربياً إلا فيما ندر، سواء كانت وظيفتهم التفاوض على عقود النشر وتدبير عروض الترجمات أو إعداد قائمة المحاضرات والمهرجانات والأسفار مقابل عائداتٍ تضمن للمؤلف كامل حقوقه، زد على ذلك غياب المنح اللائقة فعلاً بالتفرغ للكتابة، كما أن دور النشر العربية هاوية، وأغلبها تجاريٌّ يراكم الأرباح على كاهل الكاتب دون أن يمنحه مستحقاته من المبيعات حتى مع نسبتها الضئيلة".
يرى إسماعيل أن صناعة الكتابِ وما يدور في فلكها مستحبَّة أو مذمومة، غائبةٌ في كلّ الأحوال، والواقع أنَّ ندرةً من الكتاب يعيشون من مصادر الكتابة فعلاً، يستدرك: "أعني الكتَّاب الأحقاق بالذات والصفة، وليس المدَّعين المتاجرين بالأدب والفكر فيما يشبه مقاولات ثقافية ذات نفع خاص، وهم مفضوحون رغماً عن أقنعتهم، وأما النماذج الشائعة الأخرى المتقلِّدة لمهنة الكاتب في الأوراق الرسمية، وتعيش وضعاً اجتماعياً ثابتاً يصل إلى حدود الترف، فمؤسساتٌ حزبية، أو هم كتَّاب مأجورون وفق إملاءات مبتذلة".
ويختتم حديثه قائلاً: "نعم الكتابة أكبر من أن تكون مهنةً، فما يجمع كاتباً حقيقياً مع إبداعه محض علاقة وجودية وجمالية خالصتين، ولكن هذا لا يمنع من أن تكون مهنةً أيضاً بالنظر إليها كعمل شاقٍّ جداً لا يستنزف ذهن وجسد وخيال الكاتب وحسب، بل حياته عن آخرها".
مصير الجوع
وبدوره لا يعتقد الكاتب الجزائري حسان أحمد شكاط أن الكاتب في وقتنا الحالي يمكنه أن يتعيَّش من الكتابة، ولو حاول ذلك فمصيره هو أن يجوع حتماً. لا بد له أن يضمن لنفسه أولاً مصدر رزق آخر، وبذلك بإمكانه أن يمارس هواية الكتابة على هامش الحياة. الحالة الوحيدة التي قد تضمن له أن يعيش من إنتاجه الكتابي، هو فوزه بجائزة أدبية تكون قيمتها المالية محترمة جداً.
ما هي اقتراحاتك للمؤسسات الثقافية لكي تدعم الكتَّاب؟
يجيب: "أقترح أن تخصص وزارات الثقافة العربية منحاً مالية شهرية، حتى يتمكن الكتَّاب من ممارسة الكتابة بحرية ودون قيود تفرضها عليهم وظائفهم، فالوظيفة تؤثر سلباً على مشروع الكاتب، لأنها تأخذ حيزاً كبيراً من وقته، وتشغله كثيراً عن مشروعه. لذلك تجد عدداً من المبدعين العرب يغيبون كثيراً عن المشهد الثقافي، ونادراً ما تجد لهم إصداراً جديداً".
وهل تجد أن هناك دوراً على الناشرين؟
يجيب: "منهم للأسف مَن يتحجج بأن مهنة النشر لا تجود عليهم بالأرباح الكبيرة، لذلك فغالباً ما تجد الكاتب لا يجني سوى الفتات من مبيعات كتبه وغالباً يتحمل تكلفة الطباعة من جيبه".
***
إجابات المشاركين في التحقيق تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك معاناة الأدباء لتوفير لقمة العيش، وهناك ما يمكن البناء عليه في كلامهم حول ما يمكن أن تقوم به الحكومات العربية في دعم الأدباء لكن يتعيَّن عليها أولاً، أن تغيِّر نظرتها إلى الكتابة باعتبارها نوعاً من
الترف.