ما أردت أن يمضي شهر آذار/ مارس الميلادي، والذي تداخل هذا العام مع شهر رمضان المبارك، دون أن أكتب عن أيامه الثقافية، فهذا الشهر أكثر حظوة من غيره بالأيام العالمية والعربية، يرتبط بعضها بالثقافة واللغة، وبعضها بالشعر والفنون، لكنها أيام سمعنا عنها أخبارًا تداولتها منصات التواصل في عرصاتها الضوئية، ولم نرَ لها أثرًا في واقعنا الثقافي إلا القليل النادر، يبدو أنَّ نيران الحرب المشتعلة أحرقت اخضرار أيامها، وكَدَّرَتْ بهجتها، حتى مضت وكأنها لم تكن، فالحرب الضروس بين أمريكا وحليفتها إسرائيل ضد إيران، جعلت من السَّماء ميدانًا لشهب الصَّواريخ العابرة للقارات، ومن البحر والمدن ساحة للاقتتال.
ولا أتحدث عن الحرب المجنونة هذه، إنما عن أيام ثقافية كدَّرتها نيران الحرب وأطفأت بهجتها، وكنا قبل ذلك في انتظارها بشوق، فالحرب حرمتنا من أيام «معرض مسقط الدولي للكتاب» في دورته الجديدة التي تحمل رقم الثلاثين، والذي لولاها لكان يطوي يومه الرابع، وكنا نحُجُّ بين أجنحة دور النشر جيئة وذهابا، وكل يبحث عن هواه ومبتغاه مما يروق له من الكتب، ولكنها أوار الحرب، كما قال عنها الشاعر الجاهلي الخالد زهير بن أبي سلمى: (وَما الحَرْبُ إلا ما عَلِمْتُم وَذُقتُمُ .. وما هو عنها بالحَدِيثِ المُرَجَّمِ)، وقد صدق الشاعر، فهذا حال الحروب في كل زمان ومكان.
لنَعُدْ إلى الأيام الثقافية في شهر مارس، المتداخل هذا العام مع شهر رمضان المبارك، وأولها «يوم المكتبات»، وإن لم يكن يومًا عالميًا، فقد حددته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: «ألكسو» في عام 1970م، اليوم العاشر من شهر مارس، هو يوم أشبه بالعودة إلى المكتبات، المهجورة من القراء إلا في القليل النادر، لنحتفي بتلك الأرواح الورقية المستقرَّة في الأرفف قبل أن تختفي، صادف هذا العام يوم العشرين من شهر رمضان، وبهذه المناسبة تابعت مقطعًا منشورًا من إحدى المدارس، تكرِّم فيها الطلاب الذين سجل لهم قسم «مركز مصادر التعلم» كثرة الترداد عليه، واستعارتهم للكتب، وقراءتهم لبعضها، واجتيازهم لمسابقة القراءة من الكتب، تذكرت تلك السنوات الثلاث التي عشتها في مدرسة أبي عبيدة الثانوية بنزوى، بين أعوام 1983- 1986م، وفيها تلك المكتبة التي عرفتها آنذاك الوقت، وما زلت أراها بعين خيالي كلما تذكرتها، أو ذكرتني اللحظات بها، حين كنت طالبًا في المدرسة الثانوية، كانت في الدور الثاني من المدرسة، وكأنها تاج مُرَصَّع بدرر من كتب لم أعرفها من قبل، قبل أن يتغير مسمى المكتبة، كما في باقي مدارس سلطنة عمان، إلى «مركز مصادر التعلُّم»، وينقل موقعها إلى الدور الأرضي، فقد عشت بين أقسامها ساعات ما تزال حاضرة في الذاكرة.
لقد فاجأتني تلك المكتبة بالكتب التي فيها، فأنا قادم من مدرسة إعدادية ليس فيها مكتبة، ولا أعرف حينها إلا كتب المنهج الدراسي، وبعد دخولي المدرسة الثانوية، تفاجأت بتلك الكتب الأمهات المودعة فيها، وكنت أستفيد من حصص الألعاب الرياضية، وبعض الحصص التي يغيب فيها المعلم، فيأخذنا من ينوب عنه إلى الملعب، لكني كنت أولِّي وجهي نحو المكتبة، ولا بأس أن آخذ شَمَّة من العبير الناضح من بين الأوراق، فيما تبقى من عمر الحصَّة الدراسية القصير، وخلال نصف ساعة يمكن أن أتصفح أيًا من أمهات تلك الكتب، التي بدت لي أشبه بشيخ وقور يجلس بين عِلْيَهِ القوم.
وإذا كان مسمى مكتبات المدارس تحوَّل إلى مراكز مصادر للتعلم، فهناك مكتبات أخرى كانت تبيع الكتب حتى أغلقت أبوابها، رغم أن إداراتها بذلت جهدًا في أن تبقى مشروعًا ثقافيًا دائمًا، يمد المجتمع بمعين من الكتب والإصدارات الحديثة، ولمن عاش متعة البحث عن كتاب من المكتبات سيتذكر مكتبة «رُكن الكِتاب» للراحل إقبال الحبيب رحمه الله، وكان موقعها في مدينة القرم، كان يشتري الكتب الصادرة حديثًا مباشرة من دور النشر، فتصل إليه قبل معرض الكتاب، وصمم لمكتبته أرففًا خشبية أنيقة، عرض فيها الكتب أشبه بتحف أنيقة، وبوفاته أغلقت المكتبة أبوابها، وضاع الحلم الجميل بوفاة مؤسسها، وبعدها أغلقت مكتبات أخرى كانت منتشرة في ضواحي مسقط خلال سنوات الثمانينيات والتسعينيات، وإذا كان هذا الزمن يعتبر بعيدًا قليلًا لدى بعض الناشئة اليوم، إلا أنه خلال الأشهر الماضية، وفيما لا يزيد عن بضعة أعوام معدودة فقط، أغلقت مكتبات كانت قائمة، من بينها مكتبة: «234» في منطقة العامرات، المتخصصة في بيع الكتب المترجمة إلى العربية، والتي أخذت من يوم 23 أبريل مسمى لها، وهو اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وكذلك مكتبة «روازن»، التي انطلقت بقوة من الخوض إلى المركز التجاري في موقعه بالسيب، ثم إلى مول عُمان التجاري، حتى تحولت إلى مكتبة رقمية، وهناك مكتبة «المَسَار» و«اللوتس» و«ردهة القرَّاء» في مدينة الخوض، ومكتبة «ذواقة» في الموالح الجنوبية، وغيرها من المكتبات، كانت لدى إداراتها ومؤسسيها أحلام جميلة، أن يكون الكتاب بيد كل قارئ، ولكن الأحلام اصطدمت بصخرة الواقع، وبقيت بعض المكتبات تصارع البقاء، كمكتبة «قرَّاء المعرفة»، المتخصصة في بيع الكتاب العماني، والواقعة داخل قرية «غلا» بولاية بوشر، ومكتبة «رؤى الفكرية»، و«مكتبة الضامري» و«المنارة»، في المعبيلة الجنوبية بالسيب، ما تزال تصارع البقاء.
ولأن الحديث عن المكتبات ذو شجون، فإنه في حالات إغلاقها، يبدو أنه مثير للخجل أكثر من الشَّجن، فكيف بوطن تغلق فيه أبواب المكتبات، ولا يكتب لها البقاء عقودًا من السنين؟، وتتراجع مبيعاتها من الكتب، ولا تغطي مصاريف تشغيلها الشهري، ولم لا تكون المكتبة جزءًا من ذاكرة الإنسان القارئ، ينشأ معها في طفولته القرائية حتى يكبر، مثلما نشأنا في نزوى على «مكتبة أبي الفضل بن عباس»، التي تأسست في أواخر السبعينيات، واشتريت منها الكثير من الكتب والصحف والمجلات، وما تزال جزءًا من ذاكرة السُّوق الثقافية.
ويدخل الثلث الأخير من شهر مارس، محمَّلًا ببشارة احتفاء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو»، بالشاعر العماني أبي مسلم ناصر بن سالم البهلاني (ت: 1920م)، صاحب ديوان «النَّفَسُ الرَّحْماني»، ومطولاته الشعرية ذات الحسِّ السياسي والنزعة الصوفية، كالنونية والميمية والعينية، والمقصورة، عاش أبو مسلم حياته في زنجبار، ورأس تحرير أول صحيفة عمانية: «النَّجَاح»، الصادر عددها الأول يوم الثاني من شهر أكتوبر 1911م، احتفاء جليل بشاعر كبير، اعترفت به من قبل منظمة الأمم المتحدة «اليونسكو» في عام 2019م، كشخصية عالمية مؤثرة، وهو الشاعر الحاضر دائمًا بيننا، وأناشيده صلوات المتبتلين في محراب التهجد بالشعر الإلهي.
ومنذ رحيله يكاد لم يغب أبو مسلم عن وجدان الإنسان العُماني يومًا، وكأنه أقنوم في برزخ مُقَدَّس، بين انتعاشة الذكرى واستفاقة الذاكرة، ولم ينس العُمانيون قصيدته «النونية»، بمطلعها اللامع بالبرق في السَّماء، مبشِّرًا بأنواء الغيث، وكأنه يستعير من المُزْن عيونًا تبكي على أمكنة الطفولة: (تِلكَ البَوارِقُ حَادِيهِنَّ مِرْنانُ)، ولا قصيدته «المقصورة» بمطلعها المدهش، يبكي ربوع الحي حيث تلوح له كالأطلال، ولم ينسُوا قصيدته «النهروانية»: (سَمِيرِي وَهلْ للمُسْتَهامِ سَمِيرُ)، التي قال عنها الشاعر عبدالله الخليلي (ت: 2000م): (ودَدتُ لو أبادل أبومسلم بقصائد من شعري، على أن تكون قصيدته «النهروانية» لي)، وفي هذا تبجيل لشعر أبي مسلم، الذي نسج بمدائحه النبوية بُرْدَة عُمانيَّة لا تبلى، ونظم أعذب الابتهالات الإلهية، وكتب توسُّلات بأسماء الله الحسنى، وتلك هي رُوحُ نَفَسِهِ الرَّحماني، فيا للمجد المتجدد لشاعرنا الكبير أبو مسلم.