عندما تُمارس المهنة أو الهواية بشغف تصبح النتائج مبهرة لاسيما إذا كانت الحرفة تراثية مثل الفضة العُمانية التي تجمع بين الأصالة واللمسة العصرية في آنٍ واحد.
فالفضة العُمانية ليست مجرد حرفة تقليدية، بل إرث ثقافي حي يواكب تطورات العصر ويعكس جماليات الهوية العُمانية.
ومن هذا الشغف انطلقت نادية بنت سعيد الرواحي في رحلتها مع الحرف اليدوية منذ سنوات الطفولة؛ إذ كانت تستثمر أوقات الإجازات المدرسية في ممارسة العديد من الأعمال اليدوية مثل صناعة السعف، والمكرميات، وخياطة الكمة العُمانية، إلى جانب الرسم على المخمل والزجاج.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشغف إلى مسار مهني واضح قادها إلى الالتحاق بدورات تدريبية في الهيئة العامة للصناعات الحرفية، حيث تعلّمت صناعة الخناجر والحلي الفضية.
وبإمكانات بسيطة ونصف كيلوغرام فقط من الفضة بدأت نادية خطواتها الأولى في هذا المجال، ومع الاجتهاد والدعم والتشجيع استطاعت أن تؤسس مؤسستها الخاصة «إشراقات فضية للحرفيات».
وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا من العمل المتواصل، واصلت تطوير مهاراتها والمشاركة في المعارض والمسابقات المختلفة؛ لتحصد عددًا من الجوائز المهمة وتصبح اليوم واحدة من الحرفيات المعروفات في مجال صناعة الفضيات العُمانية.
التقينا بها في هذا الحوار لنتعرف أكثر على تفاصيل رحلتها مع هذه الحرفة التراثية، وكان لنا معها هذا الحديث.
* كيف بدأتِ العمل في حرفة الفضة؟
بدأت رحلتي في صناعة الخناجر والحلي الفضية من خلال التدريب في الهيئة العامة للصناعات الحرفية. وخلال فترة التدريب كنت أتقاضى مبلغًا بسيطًا قدره 50 ريالًا شهريًا، فكنت أقوم بتقسيم هذا المبلغ وادخاره لشراء بعض الأدوات والمواد التي أحتاجها لتأسيس ورشتي الخاصة.
وبعد انتهاء فترة التدريب بدأت مشروعي بإمكانات بسيطة، وكانت البداية بنصف كيلوغرام فقط من الفضة.
وفي تلك المرحلة كانت الهيئة العامة للصناعات الحرفية تدعمني من خلال شراء المنتجات وتسويقها، إضافة إلى إتاحة الفرصة للمشاركة في المعارض المختلفة. وبفضل الله تعالى، ثم بدعم وتشجيع أسرتي، أخذ المشروع يتوسع تدريجيًا حتى تمكنت من تأسيس مؤسستي الخاصة التي أطلقت عليها اسم «إشراقات فضية للحرفيات» .وأمارس هذه الحرفة منذ ما يقارب عشرين عامًا، وخلال هذه السنوات تطورت خبرتي وتوسعت أعمالي في مجال صناعة الفضيات.
* من أين تعلمتِ هذه الحرفة؟
تعلمت أساسيات هذه الحرفة من خلال التدريب في الهيئة العامة للصناعات الحرفية، حيث كان هذا التدريب بمثابة البداية الحقيقية لدخولي مجال صناعة الفضة واكتساب المهارات اللازمة للعمل فيه.
* ما الذي جذبكِ للعمل في مجال الفضة تحديدًا؟
في الحقيقة يعود ذلك إلى حبي وشغفي بالأعمال اليدوية منذ الصغر. فقد كنت أستثمر أوقات الإجازات المدرسية في ممارسة العديد من الحرف والهوايات، مثل العمل بالسعف، والمكرميات، وخياطة الكمة العُمانية، إضافة إلى تنفيذ لوحات فنية باستخدام الألمنيوم، والرسم على المخمل والزجاج.
ولا تزال بعض هذه الأعمال محفوظة لدي حتى اليوم، وهي تذكرني ببداياتي الأولى مع الحرف اليدوية.
* ما الخطوات الأساسية لصناعة قطعة فضية من البداية حتى النهاية؟
تبدأ عملية صناعة القطعة الفضية بشراء المادة الخام، ثم يتم صهر الفضة وتحويلها إلى صفائح أو أسلاك أو حبيبات بحسب نوع القطعة المراد تصنيعها. بعد ذلك تبدأ مرحلة التشكيل الفني، حيث يتم تصميم القطع وصياغتها بعناية لتتحول إلى منتجات مختلفة مثل القلادات والبناجر والخواتم وغيرها من الحلي الفضية.
* ما الأدوات التي تستخدمينها في تشكيل الفضة؟
توجد العديد من الأدوات التي تُستخدم في صناعة الفضيات، وبعضها يحمل مصطلحات خاصة يعرفها صُنّاع الفضة فقط. ومن بين الأدوات المستخدمة في الصياغة المقص، والمساحل، والغاز، والتنكار، والمهبش، والكليب، إضافة إلى أدوات أخرى متعددة تدخل في مراحل التشكيل والتثبيت والصياغة الدقيقة.
*كم يستغرق صنع قطعة واحدة تقريبًا؟
يختلف الوقت المستغرق حسب نوع القطعة وتصميمها؛ فبعض القطع مثل القلادة قد تستغرق يومًا كاملًا لإنجازها، بينما يمكن الانتهاء من بعض القطع الأصغر مثل الخاتم خلال عدة ساعات فقط.
*هل تعتمدين على تصميمات تقليدية أم تقدمين أشكالًا حديثة أيضًا؟
أحرص في تصاميمي على استلهام العناصر التراثية من الهوية العُمانية، مع إضافة لمسات عصرية تواكب ذوق الجيل الحالي، بحيث نحافظ على روح التراث وفي الوقت نفسه نقدم تصاميم تناسب مختلف الأذواق دون المساس بالهوية العُمانية الأصيلة.
* ما أبرز الصعوبات التي واجهتك في هذه الحرفة؟
أبرز الصعوبات كانت في بداية دخولي إلى السوق، إذ كان مجال صياغة الفضة يضم عددًا كبيرًا من العمالة الوافدة، وكان وجودي بينهم كحرفية عُمانية أمرًا غير مألوف بالنسبة لهم. ففي البداية كنت أواجه صعوبة في الحصول على بعض المعلومات المتعلقة بالورش أو أدوات الصياغة.
لكن مع مرور الوقت، والمثابرة والعمل، أصبحت معروفة في السوق واكتسبت احترام وثقة الجميع.
وخلال فترة تدريبي في مركز الفضيات ساهمت في مساعدة بعض المتدربين على إنشاء ورشهم الخاصة.
* هل تغيّر الطلب على الفضة في السنوات الأخيرة؟
الحقيقة أن الطلب على الفضة لم يتراجع، بل شهد زيادة ملحوظة، خاصة على القطع الفضية المطلية بالذهب، سواء بين النساء أو الرجال، ما يعكس استمرارية اهتمام المجتمع بالحلي العمانية التقليدية.
* هل تواجه الحرفيات صعوبة في تسويق منتجاتهن؟
لا نواجه صعوبة كبيرة في التسويق. فالحرفي المتميز قادر على تسويق منتجاته بنفسه، خصوصًا مع وجود طلب كبير على الحرف العمانية داخل سلطنة عمان وخارجها. كما يعتمد التسويق على المشاركة في المعارض، سواء داخل عمان أو خارجها، إلى جانب التعاون مع الجهات الحكومية والخاصة.
* ما أهمية الفضة في التراث المحلي؟
الفضة تُعد واحدة من أهم الحرف العمانية، فهي تدخل في صناعة الخنجر العماني، الذي يمثل رمزًا لسلطنة عمان وزينة للرجال، كما تحمل قيمة معنوية ومادية كبيرة، ما يجعلها جزءًا أصيلًا من الهوية التراثية العمانية.
* هل هناك نقوش أو تصاميم تراثية مشهورة تستخدمينها؟
نعم، هناك العديد من التصاميم التراثية المستخدمة في صناعة الفضيات، خصوصًا في صناعة الخناجر العمانية. وقد عملت على صناعة الخنجر العماني في ورشتي الخاصة، مع الالتزام بملكية فكرية للخنجر، مع مراحل صناعته بالكامل بأيدٍ عمانية .
* هل تختلف تصاميم الحلي الفضية من منطقة إلى أخرى؟
نعم، بعض التصاميم والزخارف تختلف حسب المنطقة والعادات المحلية، لكن جميعها تعكس الهوية العمانية وجمال تراثنا العريق.
* ما النصيحة التي تقدمينها للفتيات الراغبات في تعلم هذه الحرفة؟
أنصح الفتيات بالصبر وحب العمل اليدوي، مع الاستمرار في التعلم والتدريب، فالحرف اليدوية تحتاج إلى شغف واجتهاد لتحقيق النجاح وتطوير المهارات.
* هل يمكن للحرف اليدوية أن تكون مصدر دخل جيد؟
بالتأكيد، الحرف اليدوية يمكن أن تكون مصدر دخل جيد إذا اجتهد الحرفي في عمله، وطور مهاراته، وشارك في المعارض، وعرف كيفية تسويق منتجاته بشكل فعّال.
* هل يشهد سوق الفضة إقبالاً في هذه الفترة؟
نعم، الإقبال كبير حتى مع ارتفاع أسعار الفضة والذهب، مما يعكس استمرار الاهتمام بالمجوهرات والحلي العمانية التراثية.
* هل استفدتِ من أي مبادرة حكومية لدعم الحرفيين؟
مبادرات الحكومة لدعم الحرفيين مستمرة بشكل ملموس، ومن أبرزها البيوت الحرفية التابعة لهيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مختلف المحافظات، حيث تتوفر منتجاتي في هذه البيوت، ما يمنح الحرفيين منصة مستقرة لعرض أعمالهم.
* كيف ساعدتكِ هذه المبادرات في تطوير عملك أو تسويق منتجاتك؟
هذه المبادرات كانت دعامة قوية للحرفيين، فهي تتيح عرض المنتجات وتسويقها، كما توفر فرص تمويل المشاريع بالتعاون مع بنك التنمية، ما يساعد الشباب على تأسيس مشاريعهم الخاصة والانطلاق بها في السوق المحلي والخارجي.
* ما رأيكِ في دعم الحكومة للحرف اليدوية؟
دعم الحكومة للحرف اليدوية مهم للغاية، فهو ليس فقط وسيلة للحفاظ على المهن التقليدية، بل يشجع الشباب على تعلمها وممارستها، ويعزز استمرار الحرف اليدوية كجزء من التراث العماني.
* هل تعتقدين أن هذه المبادرات ساعدت في الحفاظ على التراث؟
بالتأكيد، فقد ساهمت بشكل كبير في الحفاظ على الحرف التراثية وضمان استمرارها ونقلها للأجيال القادمة، مما يعزز ارتباط المجتمع بالهوية الثقافية العمانية
إن تقوم الحكومة بإنشاء سوق حرفي مركزي يجمع جميع الحرفيين تحت مظلة واحدة، بحيث يكون لكل حرفي محل خاص به يعرض فيه منتجاته ويقيم ورشته. هذا سيسهل على الزوار، سواء كانوا خليجيين، أو عربًا، أو أجانب، الوصول لجميع الحرف العمانية في مكان واحد. ومن خلال خبرتي وسفري للخارج لاحظت أن الحرف العمانية تحظى بإقبال كبير جدًا، مما يعكس جودة أعمالنا وجمال تراثنا.