مشهد أوّل: «عندما شاهد ابني قصف جسر القاسمية، انفجر بالبكاء، وسألني بقلق: كيف سنعود؟/ ورغم أنه يعاني من التوحّد، إلا أنه أدرك تماماً أهمية هذا الجسر بالنسبة لعودتنا/ حينها، أريته صورة للجسر عام 2006، وكيف كان الجنوبيّون يعبرون فوقه وهو مدمّر. هدأ قليلاً، وسألني: يعني رح نرجع؟/ أجبته بكلّ إحساس وثقة: قريباً جداً».. وفي الحوار بين إبنة بلدة جويّا الجنوبيّة حلا جمال وابنها كريم سويدان تكمن حكاية «جسر القاسمية»، الرابط بين جنوب نهر الليطاني وشماله، الذي كان أوّل أهداف العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، وربّما آخر أهداف البنى التحتيّة اليوم، إذْ حوّلته آلة الحرب الإسرائيليّة أثراً بعد عين، وأخرجته من الخدمة بذريعة قطع إمداد «حزب الله».


جسرٌ كان حتى الأمس البعيد جسراً حجريّاً مرفوعاً على قناطر رومانية معمرة منذ القرن الميلادي الرابع، ويربط لبنان بفلسطين. ولم يكن حتى الأمس القريب مجرّد جسر إسمنتي تمّ افتتاحه في العام 1981، ليكون بديلاً عن جسر حديدي كانت تعبر عليه السيارات في أواخر السبعينات، ومن ثم أعيد بناؤه بعد حرب 2006، بل كان ضلعاً من أضلاع الوطن، وشرياناً حيويّاً يربط «بوّابة الجنوب» صيدا بـ«عروس البحر» صور، ومنهما يتمدّد شرياناً بفروعٍ تتصل بالنبطية حتى بنت جبيل، إذْ يبعد نحو 6 كيلومترات عن صور، وحوالي 25 كيلومتراً عن المنطقة الحدوديّة.

وتحت أعين الجيش اللبناني والقوّة الكوريّة الجنوبيّة العاملة ضمن «اليونيفيل»، دمّرت إسرائيل جسر القاسميّة الذي كان واقعاً تحت رقابة الجهتين، ومعه دمّرت طريقاً حيويّاً تسلكه قوافل «القبعات الزرق»، كما قطعت العصب «اللوجستي» للجيش اللبناني، وشلّت حركة المرور، وقضت على كلّ أشكال الحياة، وحوّلت محيطه الى منطقة معزولة الى حين. علماً أن معالم هذا الجسر تغيّرت 3 مرّات على الأقلّ منذ إنشائه.


مشهد ثانٍ: من ذاكرته الملأى بأيام «جمّول» (جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة)، وتحديداً فترة الثمانينات، يستذكر عفيف حكايات «جسر الدلّافة» التي لا تنضب. وذلك، بدءاً من رحلة العبور من البقاع الغربي الى بلدتَي إبل السقي ومرجعيون، حيث كان جورج وسمير «يحبّان الوقوف فوق الجسر المدمّر، غصباً عن المحتلّ وكمائن جنوده»، فيما كان صديقهما حكمت «لا يخفي، لحظة وصوله، غضبه من استهتارهما»، كما «كان كمال وأبو حسن سيغضبان، إنْ علما بفعلتهما»، ومروراً بـ«كمّ الأسرار الذي ألقاه شباب جمّول من علٍ»، فيما كان أيمن «يعرف إنْ كانت رسالته قد وصلت إلى حبيبته عند مصبّ النهر، قبل أن يصل هو إلى الخيام»، ووصولاً إلى «تبادل الرفاق الرسائل السريّة عند جسر الدلّافة: خذْ أنت هذه الورقة إلى جورجيت في مرجعيون.

وأنت خذْ هذه الرسالة من منير في كفركلا إلى الشباب في بيروت. وأنت خذْ قنينة زيت الزيتون من أمي في دير ميماس إلى أمّك في قبّ الياس». يسأل أحدهم: وأنا؟/ فيأتيه الجواب: «أنت، أعبر الجسر الى سوق الخان بعد منتصف الليل، حيث هناك شخصان ينتظرانك».. وفي حكايات «جمّول»، تكمن حكاية «جسر الدلّافة»، الذي بنته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1980 كـ«هديّة»، وتعرّض منذ إنشائه لسلسلة من الاستهدافات، كان آخرها أمس الأوّل.

دمّرته آلة الحرب الإسرائيليّة، وهو الذي يكتسب أهميّة إستثنائيّة كونه المعبر الرئيسي للتواصل بين أقضية البقاع الغربي وجزّين وحاصبيا ومرجعيون، عدا عن كونه ثاني أضخم جسر في لبنان، بعد جسر المديرج- ضهر البيدر الذي يربط بيروت بالبقاع. وقد سبق أن دُمّر في اجتياح 1982 وتمّ قصفه في حرب 2006، إلا أن الطريق المؤدية إليه لا تزال كما هي، لم ولن تبدّل وجهتها: من المفرق المقابل لمفرق سوق الخان من جهة منطقة العرقوب.


شاهد.. و«جسر عودة»
وما بين المشهدين، لا تغيب عن ذاكرة اللبنانيّين صورة تلك السيارة التي عبرت الى الجنوب على أنقاض جسر القاسميّة، الذي دمّرته إسرائيل في حربها على لبنان عام 2006، ومنهم أحمد الذي رأى في قصف الجسر مجدّداً «قصفاً لإنقاذ كتبي من الهواء الأصفر وغبار الصواريخ الإسرائيليّة»، فـ«قد قطعوا الوريد الأوّل الذي يربطني بكتبي وطفولتي.. وكلّ يوم يحاول الوقت قتلنا بأشيائنا التي بنتنا، بالمتعلّقات التي كوّنتنا»، مستذكراً في الوقت عينه كلمات «جسر العودة»، التي غنّتها فيروز، مؤكداً: «سنعبر جسر العودة مجدّداً، وسنقيم هناك كشجر لا يرحل».


وما بين المشهدين أيضاً، لم يكن غريباً أن يصبح الاجتياح الإسرائيلي المتدرّج لجنوب الليطاني، مرفقاً بحرب تدمير الجسور، حدثاً في المرتبة الأولى. فالجسر في المفهوم العسكري يمثل خطّ إمداد، لكنّه في الواقع اللبناني يمثل نقطة الوصل التي تربط الجنوب ببيروت والجبل وبقية المناطق. ولعلّ ما يتمّ تدميره اليوم ليس مجرد إسمنت وحديد، بل إمكان التواصل الذي ترفض إسرائيل استعادته في أيّ ترتيبات مقبلة، سعياً منها إلى فرض «منطقة عازلة» تكون خالية من مظاهر الحياة المدنية والعسكرية معاً.


وعليه، فإنّ ثمّة من يرى أن إسرائيل، ومن خلال تدميرها للجسور والمعابر على نهر الليطاني، من الخردلي إلى قعقعيّة الجسر، مروراً بطيرفلسيه والدلّافة، ووصولاً الى جسر القاسميّة، تسعى لأن ترسم بالنار خطوط فصل جديدة في الجنوب، وتعيد تشكيل ساحة المعارك، من خلال تطبيقها سياسة الأرض المحروقة في جنوب الليطاني، مع ما يعنيه الأمر من السيطرة على منطقة عازلة تبعد عن الحدود بين 7 و10 كيلومترات، والقضاء على القدرات العسكرية لـ«حزب الله»، وصولاً الى فرض واقع أمني وعسكري وسياسي جديد في لبنان، يواكب تغيّرات المنطقة.

علماً أن «حرب الجسور» تقاطعت مع تصريحات سياسية إسرائيلية بالغة الخطورة، وكان أبرزها لوزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي هدّد لبنان بتطبيق ما أسماه «سيناريو بيت حانون ورفح في قطاع غزّة» جنوباً، فيما لوّح وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن «يتحوّل نهر الليطاني إلى الحدود الجديدة لدولة إسرائيل».


وفي السياق، تجدر الإشارة الى أن ما كان يُقرأ سابقاً في إطار جولات عسكريّة محدودة صار اليوم، وبحسب القراءات المتعدّدة، يُقرأ بوصفه مساراً مفتوحاً على إعادة صياغة الجنوب، ميدانيّاً وسياسيّاً، لا على مجرّد تسجيل نقاط ناريّة عند الحدود. أما مسألة تدمير الجسور، وفق ما نُقل عن الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني، فـ«ليست تفصيلاً تكتيكيّاً ملحقاً بالتوغّل، بل واحدة من أكثر إشاراته دلالةً».


أما على المقلب الآخر من الصورة، ووسط الحديث عن أن الجنوب لم يعد فضاءً مفتوحاً للحركة، بل بدأ الجيش الإسرائيليّ بتحويله إلى حيّز متقطّع، تقطع خطوط وصله، وتراقب مرتفعاته وطرقه، وتدفع قراه إلى أن تصير جزراً مكشوفة داخل مساحة مضغوطة، فإن ثمّة من يؤكد أن الإسرائيليّين لن يعبروا إلى برّ أمانٍ بقصف جسر هنا وجسر هناك، أو ادّعاء تقطيع الأوصال، أو بأحزمة النار التي تنفذها طائراتهم الحربيّة، فــ«جسور الحجر تحت نار إسرائيل هي لكسر رمزيّة العودة الآتية لا محالة.

أما الجنوب، فمتصل بالرجال المزروعين في أرضه، الممتدّة لهم كلّ الأيادي المرفوعة بالدعاء والعيون الشاخصة الى أعالي السماء، جسوراً للعبور الى ملاحم الفداء»، يقول الرجل الثمانيني «أبو بلال»، مع إشارته إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن أبناء الجنوب «يعودون سريعاً الى قراهم، مشياً على الأقدام، أو حتى بوسائل بدائيّة»، ووفق تعبير الطالبة الجامعيّة ربى: «هم المارقون يا سادة.. أمّا نحن، فسنعود الى الجنوب، قبلتنا السرمدية وموطئ قدمنا وقلبنا، وإنْ مرّينا فوق جسر القاسميّة في صناديق خشبيّة»!