اتفق كبار منظري الحرب على أن إهدار القوة العسكرية يُـعَـد خطيئة استراتيجية جسيمة.
في كتاباته قبل نحو 2500 عام، حذر صن تزو من أن الجيش الذي يهدر موارده دون تبصر سينهار قبل أن يحقق النصر في الصراع. وسوف يَهلَك معه الشعب الذي يدعمه.
على نحو مماثل، أصر كارل فون كلاوزفيتز على أن القوات المقاتلة التابعة لأي دولة، وأراضيها، وتحالفاتها لا ينبغي أن تُسـتَنفَد دفعة واحدة، وهذا لضرورة الحفاظ على القدرة على مواصلة النضال عبر الزمن. حتى أن نيكولو مكيافيلي نصح الأمراء ضد أشكال السخاء التي تُرهِق الموارد، محذرا من أن الحاكم الذي يهدر موارده العسكرية في استعراض واحد للقوة دون تأمين موقعه للأمد البعيد، فإنه بذلك يستجلب الكارثة.
أيا كانت الخلافات بينهم، يتفق المفكرون الاستراتيجيون على هذا: المستقبل ليس ترفا. إنه الهدف.
الآن، أصبحت الحقائق حول تهور ترَامب في إيران موثقة بإسهاب. نشرت صحيفة وول ستريت جورنال، ومجلة تايم، وصحيفة فاينانشال تايمز، وعشرات الوسائل الإعلامية الأخرى تقارير مفصلة عن استنفاد الذخيرة الأميركية وما يعنيه ذلك بالنسبة للردع في منطقة المحيط الهادئ ودعم أوكرانيا. إذن، ما الذي قد يدفع قائدا أعلى إلى مغازلة كارثة متوقعة إلى هذا الحد؟
لا تكمن الإجابة في سوء التقدير، بل في شيء أكثر راديكالية. قبل أن يشن ترَامب «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران، حذر الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، من أن مخزونات الذخيرة الأمريكية مستنفدة بالفعل بدرجة خطيرة. استهلكت الولايات المتحدة ما يقرب من ربع مخزونها من صواريخ «ثاد» (THAAD) الاعتراضية خلال الاشتباكات التي دامت 12 يوما بين إسرائيل وإيران في يونيو الماضي، ولم تجدد تلك المخزونات في الأشهر التي تلت ذلك.ومع ذلك، مضى ترَامب قدما في خطته، ومنذ ذلك الحين، ضربت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) ما يقرب من 2000 هدف إيراني بأكثر من 2000 من الذخائر، بما في ذلك أعداد ضخمة من صواريخ الكروز توماهوك التي تبلغ تكلفة كل منها 3.6 مليون دولار ويستغرق تصنيعها سنوات. اشترت الولايات المتحدة 322 صاروخًا فقط منها على مدار السنوات الخمس السابقة. تشير تقديرات دراسة أجرتها مؤسسة هيريتيج إلى أن الذخائر الأمريكية الـحَرِجة الموجهة بدقة ستنفد خلال الأسابيع الأولى من أي صراع شديد الحدة مع الصين.
وقد عبر السنياتور الديمقراطي مارك كيلي، وهو محارب قديم، عن مدى الحماقة العملياتية التي تتسم بها المعركة التي تدور رحاها الآن في إيران: تطلق إيران مُسَيَّرات آلية من طراز شاهد التي تبلغ تكلفة تصنيع كل منها 30 ألف دولار؛ وترد أمريكا بصواريخ اعتراضية تكلف الملايين لكل طلقة، وكما قال كيلي بدقة صريحة: «الحسابات في هذا الأمر لا تستقيم».
كانت استجابة الإدارة لمثل هذه المخاوف قاطعة وكاشفة. فقد أعلن وزير «الحرب» (الدفاع) بيت هيجسيث أن الولايات المتحدة «لا تعاني من نقص في الذخيرة» وأن مخزونات الولايات المتحدة من الأسلحة الدفاعية والهجومية «تسمح لنا بمواصلة هذه الحملة طالما احتجنا إلى ذلك». وفي وقت لاحق، وصف الإمدادات من قنابل الجاذبية بأنها «غير محدودة تقريبا». ونَشَرَ ترَامب نفسه على موقع تروث سوشيال (Truth Social) أن الولايات المتحدة تمتلك «إمدادات غير محدودة عمليا» من الذخائر التي تُستـَخدَم ضد إيران.
تشترك هذه التطمينات في عيب مشترك: فهي تتعامل مع مسألة النُدرة كما لو كانت مجرد مسألة تتعلق بالمخزون الحالي.
لكن الندرة، كما قد يشرح أي خبير اقتصادي، ليست مجرد لقطة عابرة. إنها حالة بنيوية ــ العلاقة بين الوسائل المحدودة وسيل الاستخدامات التي قد تُوَظَف فيها تلك الوسائل عبر الزمن.
إن مخزون الأسلحة الكافي لحملة محدودة المدة ضد إيران هو أيضا مخزون لن يكون متاحا لردع قوى معادية أخرى غدًا. إن إنكار الندرة بالإشارة فقط إلى ما هو موجود الآن يعني التعامل مع المستقبل الذي لا مفر منه كما لو أنه غير قادم.
التفسير التقليدي لمثل هذه القرارات هو انعدام الأهلية أو الاندفاع. ولا ينطبق أي منهما على هذه الحالة.
ففي حين يَنتُج عن انعدام الأهلية ضرر عشوائي، فإن قرار مهاجمة إيران يتناسب مع نمط من صنع القرار يتسم بالاتساق الشديد إلى الحد الذي يستحيل معه أن يكون عَرَضيا. بالمثل، يعني الاندفاع ضمنا مستقبلا فشل المرء في حسابه على النحو الصحيح، لكن علاقة ترَامب بالمستقبل هي شيء مختلف عن سوء التقدير. طوال فترة رئاسته، في مجال تلو الآخر ــ السياسة المالية، وتمويل العلوم، وإدارة التحالفات، والالتزامات المناخية، والآن مخزونات الذخيرة ــ يأتي الاستهلاك الحالي على حساب المرونة في المستقبل.ترَامب ليس رجلا يقلل من شأن المستقبل بإفراط. إنه رجل لا يمثل المستقبل في نظره تكلفة حقيقية عندما يقارنه بمشهد الحسم الذي يريد أن يقدمه. هذا ليس تهورًا ضمن إطار استراتيجي؛ إنه انهيار البديهية الأولى في أي إطار استراتيجي: الغد قادم.
الواقع أن القسم الأعظم من نزعة ترَامب العدمية الزمنية يعمل على جداول زمنية أطول وأقل وضوحًا. إن وقف تمويل أبحاث سرطان الأطفال لا ينتج عنه ضحايا مرئيين هذا العام، لكن العلماء الذين لن يخترعوا الجيل القادم من الاكتشافات لم يتدربوا قَط بكل بساطة. إن إفراغ السلك الدبلوماسي يخلق جيلا مفقودًا من الدبلوماسيين الذين سيكون غيابهم ملموسًا لعقود من الزمن. وينطبق المنطق ذاته عندما تتخلى الولايات المتحدة عن التزاماتها المناخية. تختلف حالة استنفاد الذخيرة لأنها ملموسة وقابلة للقياس، حيث أصدر مسؤولون معروفون تحذيرات لحظية مباشرة. الأرقام معروفة، والجدول الزمني محدد، والمخاطر الاستراتيجية محددة: القوة العسكرية الصلبة التي يتوقف عليها في النهاية ردع الصين، والدفاع عن تايوان، ودعم أوكرانيا. ما ينفقه ترَامب في سماء إيران ليس أموالا مقترضة، بل قدرة استراتيجية محدودة. هذا ما يميز اللحظة الحالية عن مجرد خلاف سياسي. إنه يمثل خروجًا عن التقاليد الكاملة للفكر الاستراتيجي الممتدة من كلاوزفيتز عبر نظرية الردع في الحرب الباردة.
مفهوم الردع ذاته ــ الحفاظ على قدرات تكمن قيمتها في إقناع الخصوم بعدم اختبارها أبدا ــ لا يحمل أي معنى إلا في نظر قائد يدرك أن القوة العسكرية تُـخدَم على أفضل نحو غالبا بعدم إهدارها، حتى تظل متاحة لتشكيل ما قد يأتي في المستقبل. النهج الذي يتبناه ترَامب هو عكس الردع: إنفاق بارز اليوم يُـفضي إلى تآكل مصداقية الردع غدا. هذه ليست انعزالية ولا انفراد بالقرار. إنها عسكرة الزمن الحاضر، أي استخدام الأدوات الـمُعَدّة لضمان الأمن في المستقبل لخلق صورة القوة اليوم.
لم تكن أكثر رؤى كلاوزفيتز عمقا تتعلق بالتكتيكات، بل بالزمن. الغرض من الاستراتيجية هو الحفاظ على القدرة على كسب الحرب المهمة، وليس مجرد المعركة الجارية حاليا.
لقد قلب ترَامب هذا الأمر رأسًا على عقب في إيران، وهذا يعني أن خصوم أمريكا ــ في المقام الأول الصين وروسيا ــ سيستفيدون دون إطلاق رصاصة واحدة. هذه ليست استراتيجية؛ إنها نقيض الاستراتيجية، والتكاليف المترتبة عليها، على عكس دورة الأخبار، لن تزول أو تمر مرور الكرام.
ستيفن هولمز أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة نيويورك وزميل جائزة برلين في الأكاديمية الأمريكية في برلين، والمؤلف المشارك (مع إيفان كراستيف) لكتاب النور الذي خبا «The Light that Failed».
خدمة بروجيكت سنديكيت