بدأ اهتمامي بالفقيه العماني محمد بن أحمد بن إبراهيم الشجبي النزوي أواخر عام 2019م، عندما طلب مني العزيزان سعيد الهاشمي وأمامة اللواتية الكتابة عن التصوف والفقه عند العمانيين؛ ضمن تأليف عن التصوف بعمان حررا بحوثه، وصدر بعنوان «سراة الوادي المقدس»، عن دار سؤال ببيروت، عام 2021م، فوقع اختياري على «مراهم القلوب في مناجاة المحبوب» للشجبي، باقتراح مِن شيخنا أحمد بن سعود السيابي، فكتبت بحثًا بعنوان «بُنية التصوف.. قراءة في كتاب مراهم القلوب».
إنَّ المصادر شحيحة في الحديث عن الشجبي، ولم تفصح صراحة عن زمنه، فتبنيتُ ما تُرجم عنه بـ«الموسوعة العمانية» في مدخل «مراهم القلوب»، فقد جاء فيه: (نشأ في القرن الخامس الهجري، وأدرك القرن الذي يليه، وتتلمذ على يد مشايخ أبرزهم محمد بن عيسى السرّي).
وبناءً على التصور بأنَّ الشجبي تلميذٌ للسري المتوفي نهاية القرن الخامس الهجري؛ فإنَّه عاش في القرن الخامس ولحق بالسادس الهجري، وعضّد هذا الرأي ما كتبه سيف بن حمود البطاشي في ترجمة «الشيخ محمد بن أحمد الشجبي» في «إتحاف الأعيان»:
(العالم الفقيه محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشجبي النزوي، مؤلف كتاب «مراهم القلوب» في الزهد والمواعظ [....]، وهذا الكتاب يوصف في بعض كتب الأصحاب [الإباضية] أنَّ فيه ردًا على عثمان بن أبي عبدالله الأصم، وقد تصفحت الكتاب فلم أجد فيه ردًا على الشيخ الأصم، ثم في أثناء مراجعتي فيه رأيت كلامًا في أوله؛ يبدو أنَّه مِن كلام الناسخ أو غيره، ونصه: هذا كتاب «مراهم القلوب» تأليف الشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم العماني، وفي خلله الرد عن عثمان بن أبي عبدالله الأصم رحمه الله وجزاه خيرًا إنْ شاء الله. أ.هـ. فظهر بذلك أنَّ الرد مِن الشيخ الأصم، لا عليه، لكنه في الأكثر رد تفسير وتوضيح، ودل أيضًا أنَّ المؤلف قبل الشيخ عثمان الذي هو مِن علماء أول القرن السابع، والله أعلم. ولعله مِن علماء القرن السادس، ولم أقف على تاريخ وفاته؛ [أي الشجبي]).
إنَّ هذه المداولة في زمن حياة الشجبي سببها أمران: الأول.. التصور بأنَّه تلميذ لمحمد السرّي. ولكن بتتبعي كتب التراجم لم أجد هذا التتلمذ. الثاني.. أنَّ عثمان الأصم المتوفي بتاريخ: ١٨ جمادى الآخرة ٦٣١هـ رد على «مراهم القلوب». إلا أنَّ اللفظ الذي أشار إليه البطاشي؛ وهو (هذا كتاب «مراهم القلوب» تأليف الشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم العماني، وفي خلله الرد عن عثمان بن أبي عبدالله الأصم)؛ مربك، وقد علَّق عليه بقوله: (وهذا الكتاب يوصف في بعض كتب الأصحاب أنَّ فيه ردًا على عثمان بن أبي عبدالله الأصم، وقد تصفحت الكتاب فلم أجد فيه ردًا على الشيخ الأصم، ثم في أثناء مراجعتي فيه رأيت كلامًا في أوله؛ يبدو أنَّه مِن كلام الناسخ أو غيره). وهذا الذي أراه.. فـ(الناسخ أو غيره) قد يكون هو مَن أضاف كلام الأصم إلى «مراهم القلوب»، والإضافة إلى المخطوطات ديدن للعمانيين.
والذي أراه أنَّ محمد بن أحمد الشجبي عاش في القرن العاشر، وليس الخامس الهجري؛ كما ذهبتْ «الموسوعة العمانية» وتابعتُها عليه في بحثي «بُنية التصوف» المذكور أعلاه. وهذا يتأكد بما ورد عن الشجبي في «منهاج العدل» تأليف عمر بن سعيد ابن معد (ت:1009هـ)، والذي اهتم بنقل أقوال وآراء الحقبة التي سبقته؛ خاصةً مِن القرنين التاسع والعاشر الهجريين.
«منهاج العدل».. كتاب فقهي موسوعي، تتكون مخطوطته مِن أربعة أجزاء، يغطي ذروة عهد النباهنة، عندما كانت بَهلا عاصمة دولتهم، فهو -كما يقال اليوم- يؤلف مِن قلب الحدث. والآن؛ بتكليف مِن مركز الندوة الثقافي ببَهلا يعمل فريق على تحقيقه، برجاء أنْ يظهر قريبًا.
«منهاج العدل».. ينسب الشجبي بـ(أبي عبدالله محمد بن أحمد بن أبي الحسن الشجبي)، ويرد في «إتحاف الأعيان»: (محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشجبي)، أما المخطوطات فتورده: (محمد بن أحمد بن إبراهيم العماني). والذي أرتضيه -بعد التأمل في المصادر، والجمع بينها- أنَّ اسمه: محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي الحسن بن أبي محمد بن سعيد الشجبي. والذي يتحصل مِن ترجمته في «منهاج العدل»:
- أنَّه عاش في القرن العاشر الهجري، وكان معاصرًا لمدّاد بن عبدالله الناعبي ومحمد بن علي ابن عبدالباقي العَمْري، فقد نقل عنه ابن عبدالباقي سماعًا، حيث جاء: (قال الفقير لله محمد بن علي: سمعت مِن الثقة الرشيد العالم الشهيد الشيخ أبي عبدالله محمد بن أحمد بن أبي الحسن الشجبي).
- مِن أسرة فقهية اشتغلت بالقضاء.. منها: أبو الحسن بن أبي محمد بن سعيد الشجبي، جد لمحمد بن أحمد، يقول ابن عبدالباقي: (سمعت مِن الثقة الرشيد العالم الشهيد الشيخ أبي عبدالله محمد بن أحمد بن أبي الحسن الشجبي رحمه الله يذكر أنَّه وجد بخط الشيخ أبي الحسن الشجبي جده في هذه المسألة أنَّها إذا كانت أكثر مِن ثمانية أذرع وكانت الدع في لجية مِن الطريق، وعطب بها أحد، لم يضمن الفاعل والقول الأول هو أليق وأرفق وأشيق؛ لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ملعون مِن آذى المسلمين في طرقاتهم. ولم يُبِنْ وسع الطريق مِن ضيقه، والقول مطلق غير مقيد وطريق المحلة المحدودة هي طريق ولو كانت مائة ذراع؛ قل أو كثر).
ومنهم إبراهيم بن أبي الحسن بن أبي محمد الشجبي، وهو الجد المباشر لمحمد بن أحمد بن إبراهيم. ويورد ابن امعد كذلك أسماء أخرى مِن أسرة الشجبي، لم أتمكن مِن معرفة صلة قرابتهم بمحمد بن أحمد.
- كان محمد الشجبي قيّمًا على مسجد الشواذنة بنزوى وإمامًا فيه، وكان مِن العلماء، إلا أنَّ المرجعية الفقهية في زمنه تعود إلى فقهاء بَهلا: (قال محمد بن علي بن عبدالباقي: أراد ولد قاسم بن سيار أنْ يبني غرفة في بيته وبيته غربي مسجد الشواذنة الذي بعقر نزوى، وكان القاضي يومئذ عبدالله بن مداد وقيّم المسجد وإمامه الشيخ العالم الشهيد محمد بن أحمد بن أبي الحسن الشجبي. وبين المسجد والبيت طريق والغرفة بينها وبين الطريق سطح الدهليز، فنكر أصحاب المسجد عليه، فجاء محمد بن أحمد إلى القاضي عبدالله بن مداد، وطلب مِنه الوصول عنده إلى بطن الغرفة، فجاء إليها عبدالله ومحمد وأنا عندهما حاضر، فأمره عبدالله بالبناء، وقال يذرع طول الحدث إلى المسجد فإنْ اتسع أو زاد طول الحدث صرف الضرر. وكتبت أنا إلى الشيخ ورد بن أحمد أسأله عن ذلك فأجابني أنّه لا يجوز. ومددت إلى بَهلا فذكرت ذلك للعالم الصالح صالح بن عمر بن أحمد بن مُفرِّج، وكان معتزلًا في ماله [أي بستانه] مِن أجل علّة الجذام، فذكر لي أنَّ أباه القاضي عمر بن أحمد أمر جار مسجد الفراج مِن قرية بَهلا أنْ يبني غرفة فبناها، فنظرت أنا تلك الغرفة فلم يكن بينها وبين المسجد شيء، إلا مقدار ثلاثة أذرع رفع الجدار عن المسجد) [بتصرف غير مخل].
- يرد وصفه بـ«الشهيد»، كما في النص أعلاه، ولا يذكر سبب ذلك، ولعله قتل في إحدى المعارك، فقد كان الوضع في عصره مضطربًا في عمان؛ بسبب التنافس بين الإمامة والسلطنة النبهانية.
أما «مراهم القلوب» والذي أزمعت أكثر مِن مرة في تحقيقه؛ فلا يزال القلب معلقًا بإخراجه محققًا، وأرجو الله أنْ يَمُنَّ عليّ بإخراجه، أو أراه محققًا بيد أحد الباحثين المحققين.