غزة- «عُمان» - بهاء طباسي
حين أُعلن الانتقال رسميًا إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي يرعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدا المشهد كما لو أن الحرب قد سلّمت مكانها أخيرًا لمسار سياسي قابل للبناء. النصوص حملت وعودًا واضحة: انسحابات إضافية، توسيع إدخال المساعدات، تدفّق مواد الإعمار، والبدء بترتيبات انتقالية أكثر استقرارًا. كان المفترض أن تمثل هذه المرحلة جسرًا بين هدنة مؤقتة وتسوية أكثر رسوخًا.
غير أن الأيام التي تلت الإعلان كشفت عن مفارقة مألوفة في التجربة الفلسطينية: الاتفاق يبدأ سياسيًا قبل أن يبدأ ميدانيًا. فبينما استمر الخطاب الدولي في الحديث عن «تقدم» و«خطوة إلى الأمام»، لم يلحظ سكان غزة تحوّلًا جوهريًا يوازي حجم الوعود. شيئًا فشيئًا، بدأت تتشكل قناعة بأن المرحلة الثانية لم تدخل حيّز التنفيذ كما كُتبت، بل كما أُعيد تفسيرها.
التحول الأبرز تمثل في إعادة إدخال ملف نزع سلاح حركة حماس إلى قلب النقاش، رغم أنه لم يكن بندًا تنفيذيًا مباشرًا ضمن استحقاقات المرحلة الثانية. ومع تكرار التصريحات الإسرائيلية التي تربط أي تقدم حقيقي بهذا الشرط، بدا وكأن الاتفاق يتحول من مسار تنفيذ إلى مسار اشتراط سياسي.
وفي الخلفية، جاء اجتماع مجلس السلام الأخير في واشنطن ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، حيث تركز النقاش هناك على «اليوم التالي» وترتيبات الأمن والحكم، أكثر من تركيزه على إلزام الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بالفعل. وهنا تحديدًا بدأت معالم معركة التأويل تتضح: هل المرحلة الثانية خطوة تنفيذية أم بوابة لإعادة صياغة المعادلة بالكامل؟
إعادة تفاوض تحت عنوان التنفيذ
إصرار الحكومة الإسرائيلية على ربط التقدم في المرحلة الثانية بملف نزع سلاح حماس لم يأتِ على شكل اقتراح عابر، بل كشرط متكرر في تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين أمنيين. الرسالة كانت واضحة: «لا استقرار طويل الأمد دون تفكيك القدرات العسكرية لحماس».
لكنّ هذا الطرح، كما يرى محللون فلسطينيون خلال أحاديثهم لـ«عُمان»، يمثل نقلًا لمركز الثقل من تنفيذ اتفاق قائم إلى فرض شروط جديدة عليه. هاني المصري مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات)، يوضح الصورة بشكل أكثر صراحة حين يقول: «نحن لا نتحدث عن خلاف تقني على عدد الشاحنات أو جدول الانسحاب، بل عن محاولة لإعادة تعريف المرحلة الثانية سياسيًا. عندما تُربط البنود الإنسانية والأمنية المرحلية بملف استراتيجي بحجم نزع السلاح، فإنك تنقل الاتفاق من كونه التزامًا متبادلًا إلى كونه أداة ضغط».
ويضيف المصري في قراءة أوسع: «إسرائيل تدرك أن إدخال ملف السلاح رسميًا في هذه المرحلة سيحوّلها إلى مفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني، وهذا يمنحها هامشًا واسعًا للمماطلة. الحديث عن نزع السلاح الآن ليس مسألة أمنية بحتة، بل أداة لإدارة الوقت وإعادة تشكيل شروط ما بعد الحرب».
أما صالح النعامي الباحث الفلسطيني المتخصص في الشأن الإسرائيلي، فيرى أن الاشتراط الإسرائيلي يعكس حسابات داخلية أيضًا، موضحًا: «الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تستطيع أن تذهب إلى جمهورها بمرحلة ثانية خالية من مكاسب سياسية واضحة. لذلك يتم تضخيم ملف نزع السلاح ليصبح العنوان المركزي، حتى لو لم يكن جزءًا مباشرًا من الاستحقاقات التنفيذية». ويوضح: «المشكلة ليست في النقاش حول مستقبل السلاح، بل في استخدامه كورقة تعطيل. حين يُطرح كشرط مسبق لكل خطوة، يتحول الاتفاق إلى رهينة».
هندسة المستقبل قبل تثبيت الحاضر
اجتماع مجلس السلام، الذي عُقد في واشنطن يوم 19 فبراير الماضي، حمل دلالات سياسية مهمة. فبدل أن ينصبّ التركيز حصريًا على ضمان تنفيذ المرحلة الثانية كما وُقّعت، دار جزء معتبر من النقاش حول ترتيبات الحكم والأمن في غزة مستقبلًا. هذا التحول أثار مخاوف من أن يصبح «اليوم التالي» بديلًا عن «تنفيذ اليوم»، وأن تتحول الأولويات من استكمال الالتزامات إلى رسم خرائط سياسية جديدة.
وفي قلب هذا النقاش، برز ملف نزع سلاح حماس كأحد أكثر القضايا حساسية. فإدخاله في التداول السياسي بهذه المرحلة يُنظر إليه باعتباره توسيعًا لنطاق المرحلة الثانية، التي صيغت أساسًا لضبط المسار الميداني والإنساني، لا لفتح ملفات التسوية النهائية. وتشير مواقف سابقة معلنة لحركة حماس في جولات تهدئة سابقة إلى أنها تفصل بين مسار وقف إطلاق النار والملفات الاستراتيجية بعيدة المدى، وعلى رأسها سلاحها، الذي تعتبره مرتبطًا بطبيعة الصراع لا بترتيباته المرحلية. ومن ثم، فإن إعادة طرح هذا الملف في هذا التوقيت قد يدفع المرحلة الثانية إلى مسار تفاوضي مفتوح، بدل أن تبقى محطة تنفيذية واضحة المعالم.
الدكتور غسان الخطيب أستاذ الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت، يقرأ هذا التحول باعتباره مؤشرًا حساسًا، قائلًا: «حين يتحول النقاش الدولي من تثبيت وقف إطلاق النار إلى هندسة الترتيبات النهائية، فإن الرسالة الضمنية هي أن المرحلة الانتقالية ليست أولوية بحد ذاتها. هذا يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الأولويات».
ويضيف الخطيب: «الخطورة تكمن في أن يُعاد تعريف المرحلة الثانية باعتبارها مجرد منصة للانتقال إلى ترتيبات جديدة، لا باعتبارها التزامًا يجب استكماله كما هو. عندها يصبح التنفيذ خاضعًا لتوازنات سياسية دولية، لا لنص الاتفاق».
مصدر مطلع على ملف الوساطة أشار بدوره إلى أن «هناك ضغوطًا متقاطعة في واشنطن، بعضها يدفع نحو تنفيذ سريع لتجنب انهيار الهدنة، وبعضها الآخر يفضل استخدام المرحلة الثانية لفرض معايير جديدة على شكل الحكم في غزة».
بهذا المعنى، تبدو المرحلة الثانية محاصرة بين مسارين: مسار يريد تثبيتها كخطوة انتقالية مكتملة، ومسار آخر يسعى إلى توظيفها كمدخل لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني برمته، حتى وإن كان ذلك على حساب إيقاع التنفيذ نفسه.
التنفيذ البطيء.. غزة بين الانتظار والشك
على الأرض، لا تُقاس السياسة بالبيانات بل بالإيقاع اليومي للحياة. وحتى اللحظة، لا تبدو التحولات بحجم التوقعات. إدخال المساعدات يسير بوتيرة بطيئة، الحديث عن الإعمار ما زال في طور الوعود، والانسحابات لا تُترجم إلى إحساس فعلي بانفراج شامل، بل على العكس يستمر جيش الاحتلال في تجاوز الخط الأصفر، الذي أقر خلال المرحلة الأولى من الهدنة.
أحمد سالم وهو موظف نزح من شمال غزة إلى دير البلح، يقول: «سمعنا عن المرحلة الثانية، لكن حياتنا لم تدخل مرحلة ثانية. الكهرباء شحيحة كما هي، المعابر تفتح وتغلق، والإعمار ما زال كلامًا في الأخبار».
أما سمر النجار خريجة جامعية من خان يونس، فتعبّر عن إحساس مختلف لكنه مكمل: «الناس لا ترفض الاتفاق، بالعكس، الكل يريد أن ينجح. لكن المشكلة أننا لا نرى فرقًا واضحًا. إذا كانت هذه مرحلة جديدة، فلماذا لا نشعر بها؟!».
هذا المزاج يعكس قبولًا حذرًا لا يصل إلى حد الثقة الكاملة. المواطن لا يدخل في تفاصيل الاشتراطات السياسية، لكنه يقرأ النتيجة: التنفيذ بطيء، والتغيير محدود، والوعود أكبر من الأثر.
فرص النجاح.. اختبار الإرادة السياسية
يرى الدكتور غسان الخطيب أن مستقبل المرحلة الثانية لا يرتبط فقط بسلوك إسرائيل، بل بطبيعة التوازن السياسي الذي سيُفرض حولها خلال الأسابيع المقبلة.
ويقول: «نجاح المرحلة الثانية لن يُحسم داخل غزة فقط، بل في العواصم المؤثرة. إذا تُرك التنفيذ رهينة الاشتراطات الإسرائيلية، خصوصًا شرط نزع سلاح حماس، فإننا سنكون أمام مرحلة مفتوحة بلا أفق زمني واضح».
ويضيف الخطيب أن الإشكالية تكمن في طبيعة المرحلة نفسها: «هذه ليست مرحلة تفاوض على تسوية نهائية، بل مرحلة تنفيذية انتقالية. الخلط بين المسارين يهدد بإفراغها من مضمونها. المطلوب هو فصل الملفات؛ تنفيذ الاستحقاقات الإنسانية والأمنية المتفق عليها أولًا، ثم الانتقال إلى الملفات الاستراتيجية ضمن إطار سياسي أوسع».
ويشير إلى أن الضغط الدولي سيكون عاملًا حاسمًا، موضحًا: «إذا اكتفى المجتمع الدولي بالدعوة العامة إلى ضبط النفس، فلن يتغير شيء. أما إذا ارتبط الدعم السياسي والاقتصادي بمدى الالتزام الفعلي بتنفيذ البنود، فستتغير الحسابات. إسرائيل تتحرك وفق كلفة وفائدة، وعندما تصبح كلفة التعطيل أعلى من كلفة التنفيذ، سيتقدم المسار».
ولا يغفل الخطيب البعد الفلسطيني الداخلي، إذ يؤكد أن: «وحدة الموقف الفلسطيني عنصر مركزي. كلما بدا الموقف منقسمًا، اتسعت مساحة المناورة أمام إسرائيل لإعادة تفسير الاتفاق. أما إذا وُجد موقف موحد يصر على تنفيذ النص كما هو، فستضيق مساحة الالتفاف».
ويختم قراءته بالقول: «نحن أمام اختبار سياسي لا تقني. الاتفاق موجود، لكن الإرادة السياسية هي التي ستحدد إن كان سيتحول إلى واقع أم سيبقى إطارًا هشًا يُعاد تأويله كلما اقتضت الحسابات».
بين تثبيت الاتفاق وإعادة تعريفه
بدوره، يختصر هاني المصري المشهد بقوله: «المرحلة الثانية لم تُولد ضعيفة، لكنها وُضعت في بيئة سياسية معقدة. إذا استمر ربط التنفيذ بملفات كبرى مثل نزع السلاح، والقضاء النهائي على المقاومة، فسنكون أمام عملية إعادة تفاوض مقنّعة، لا تنفيذًا حقيقيًا».
ويضيف: «إسرائيل تحاول أن تجعل من هذه المرحلة مساحة لإعادة صياغة شروط ما بعد الحرب، بدل أن تكون محطة انتقالية واضحة. وهذا هو جوهر الصراع الآن: هل نُنفّذ الاتفاق كما وُقّع، أم نعيد كتابته تحت ضغط موازين القوة؟».
ويرى المصري أن النقاش الدولي حول «اليوم التالي» يحمل مخاطرة إذا لم يُضبط إيقاعه، موضحًا: «الحديث عن ترتيبات مستقبلية قبل تثبيت الحاضر يخلق فراغًا سياسيًا. الأولوية يجب أن تكون لإنفاذ ما تم الاتفاق عليه، لأن أي خلل في هذه المرحلة سيقوّض ما بعدها».
ويختم بالقول: «لم تفشل المرحلة الثانية بعد، لكنها تقف على حافة اختبار حقيقي. إذا نجح الوسطاء في تحصينها من الاشتراطات الجديدة، فقد تتحول إلى جسر نحو استقرار أوسع. أما إذا استمر الالتفاف، فستصبح محطة طويلة لإدارة الصراع لا لحلّه». وبين هذين الاحتمالين، تبقى غزة رهينة نصٍ ينتظر التنفيذ.. وإرادة سياسية لم تُحسم بعد.