حوار – خالد البلوشي
تصوير – عبدا لواحد الحمداني
على طاولة صغيرة في غرفته يجلس وليد بن صالح الهاشمي ممسكًا بقطعة خشبية صغيرة بين يديه، يمرر عليها أدوات النحت بدقة وصبر، رغم فقدانه لحاسة البصر، إلا أن اذنه كانت هي عينه، حيث كانت موجهة نحو الصوت الذي تصدره آلة النحت، وأصابعه تولت قراءة تفاصيل الخشب الذي ينحته، فقد كان كليهما عيون ترى ما لا يراه الاخرين، هكذا هو روتين الهاشمي اليومي بعد أن ينتهي من عمله الحكومي، يواصل رحلته مع فن نحت الأقلام الخشبية، مؤكداً أن الإعاقة لا تقف عائقاً أمام الإبداع.
فقد كانت البداية عندما تعرف على آلات خاصة بالخشب في إحدى الشركات التقنية في سلطنة عمان، في عام ٢٠١١ مؤكداً أن تلك اللحظة كانت بالنسبة له نقطة تحول في حياته، حيث لفتت انتباهه الآلات التي تعمل على الخشب والتي تنوعت بين الصعبة والبسيطة، وكانت احداهم آمنة للتعامل معها وخصوصا للمكفوفين والأطفال، ما دفعه إلى التفكير في تعلم مهارة جديدة يستثمر فيها وقت فراغه بشيء مفيد.
وأشار إلى أن الفكرة بدأت بدافع بسيط، لكن سرعان ما تحول إلى شغف حقيقي، مبيناً إلى أنه كان يبحث عن نشاط يطور به نفسه ويمنحه مساحة للإبداع والعمل اليدوي.
وقال الهاشمي أن الدافع الأكبر وراء استمراره في هذا المجال هو إيمانه بضرورة عدم الاستسلام للظروف، موضحاً أن شعاره في الحياة هو "لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس"، وأضاف أنه يؤمن بأن الإنسان قد يحرم من شيء لكنه يمنح في المقابل قدرات أخرى، فهو لا يرى نفسه بأنه شخصاً عاجزاً بل إنساناً قادراً على العطاء والإنجاز، ففقدانه للبصر لم يمنعه من خوض التجربة، بل دفعه إلى الاعتماد على حواس أخرى، مثل حاسة اللمس، التي أصبحت أداته الأساسية في العمل والتعامل مع تفاصيل الخشب الدقيقة.
وبين الهاشمي أن حياته اليومية لم تخلوا من التحديات، خاصة في مسألة التنقل بين الأماكن، للمشاركة في المعارض التي تقام في أماكن مختلفة، حيث أوضح أن التنقل كان في البداية يشكل صعوبة بالنسبة له بسبب حاجته إلى من يرافقه في بعض المشاوير، لكنه تمكن من تجاوز هذه المشكلة من خلال تنظيم حياته والاستعانة بسائق يساعده في التنقل إلى العمل والأماكن التي يحتاج إليها.
وأوضح أن واجه تحديات فنية في بداية تعلمه هذه الحرفة، خصوصاً في ما يتعلق بتركيب أجزاء الآلة التي يستخدمها في نحت الأقلام الخشبية، لأن بعض القطع كانت صغيرة ودقيقة وتتطلب معرفة بطريقة تركيبها وتثبيتها بشكل صحيح، فلم يكن يعرف في البداية كيفية التعامل مع هذه الاجزاء، لكنه لجأ إلى الشركة التي اشترى منها الآلة وطلب منهم شرح التفاصيل، حيث حصل على توجيهات أساسية ساعدته على فهم طريقة العمل.
وأكد الهاشمي أن التدريب الذي تلقاه كان محدوداً وبسيطاً، لكن بالنسبة له كان شيئا أساسيا ومهما لانطلاقته، إذ تعلم من خلال التدريب المبادئ الأولية مثل تركيب أجزاء القلم وطريقة التعامل مع الخشب أثناء النحت، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من تعلمه جاء من خلال التجربة والممارسة المستمرة، موضحاً أنه كان يجرب ويخطئ ويتعلم من أخطائه حتى تمكن من تطوير مهاراته بالتدريج.
وأوضح أن أول قلم صنعه استغرق وقتاً طويلاً مقارنة بالوقت الذي يستغرقه الآن، حيث كان بحاجة إلى التركيز والتجربة المتكررة لفهم كيفية التحكم في الأداة والتعامل مع الخشب، وأكد أن الأمر أصبح أسهل مع مرور الوقت، لافتاً إلى أنه يستطيع اليوم إنجاز القلم خلال ساعة الى ساعة ونصف تقريباً، وأحياناً أقل من ذلك بحسب التصميم المطلوب.
وأشار إلى أن النحت على الخشب يتطلب تركيزاً كبيراً وصبراً طويلاً، خاصة أن معظم التصاميم التي ينفذها تكون أسطوانية الشكل وتحتاج إلى دقة في التناسق، موضحاً أنه يعتمد في تحديد القياسات على حاسة اللمس، حيث يضع إصبعه بالقرب من القطعة الخشبية ليشعر بالمسافة بين الأداة والخشب أثناء العمل، ما يساعده على المحافظة على الخط الصحيح أثناء النحت، حيث تمكنه هذه الطريقة من متابعة مسار الأداة والتأكد من أنه يسير بالشكل المطلوب دون انحراف، فالعمل يعتمد بشكل كبير على الإحساس بالحركة والملمس.
وبين الهاشمي أنه يستخدم أدوات خاصة بالنحت والحفر على الخشب، بعضها كبير يستخدم للحفر الأساسي، وأخرى صغيرة تستخدم لتحديد الخطوط والزخارف الدقيقة، موضحاً أن اختلاف هذه الأدوات يمنحه إمكانية تنويع التصاميم وإضافة تفاصيل مختلفة على الأقلام الخشبية.
وبين في حديثه أنه لا يعتمد على تصميم ثابت، لكنه يحاول دائماً إدخال بعض التغييرات البسيطة في الزخارف والخطوط، حتى لا تكون جميع الأقلام متشابهة.
وأن الخيال يلعب دوراً مهماً أثناء العمل، حيث يتخيل الشكل الذي يريد الوصول إليه ثم يحاول تنفيذ الفكرة تدريجياً أثناء النحت.
وأضاف أنه بعد سنوات من العمل والتجربة قرر في عام 2023 تحويل هذه الموهبة إلى مشروع تجاري، فقد قام بتسجيل علامة تجارية باسمه ليبدأ تسويق الأقلام بشكل أوسع، من خلال نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتواصل معه الراغبون في الشراء لإتمام الطلبات ، مؤكدا حرصه على التأكد دائماً من جودة القلم قبل عرضه للبيع، حيث يعتمد أولاً على حاسة اللمس للتأكد من نعومة السطح وتناسق الشكل، ثم يعرضه على أحد أفراد عائلته من المبصرين للحصول على رأيهم في الشكل النهائي.
ويري الهاشمي أن النقد بالنسبة له أمر طبيعي ويساهم في تطوير عمله، مشيراً إلى أنه إذا تلقى ملاحظة حول أحد الأقلام فإنه يحاول الاستفادة منها وتحسين العمل في المرات القادمة، وأوضح أنه يحتفظ ببعض الأقلام لنفسه إذا شعر أنها لم تصل إلى المستوى الذي يطمح إليه.
وبين أنه تمكن حتى الآن من صناعة ما يقارب 70 إلى 80 قلماً خشبياً منحوتاً يدوياً، عرض العديد منها في معارض مختلفة داخل سلطنة عمان، وقد لاقت أعماله اهتماماً وتشجيعاً من الزوار الذين أعجبوا بقدرته على إنجاز هذه الأعمال رغم فقدانه للبصر.
ولفت إلى أن بعض طلبات الشراء وصلت إليه من خارج سلطنة عمان، حيث قام بإرسال أقلام إلى دول خليجية مثل قطر والكويت والمملكة العربية السعودية.
وأكد أنه يتعاون مع بعض المؤسسات التي تساعد في تسويق منتجاته من خلال عرضها في منافذ بيع مختلفة.
ويتمنى الهاشمي تطوير عمله في مجال الخشبيات ومحاولة إنتاج نماذج جديدة ومتنوعة تحمل بصمته الخاصة.
كما أعرب عن أمله في أن تحظى مشاريعه بدعم أكبر من المؤسسات الحكومية والخاصة والجهات المختلفة، من خلال تبني منتجاته كهدايا رسمية أو تذكارية، وأكد أن مثل هذا الدعم يمكن أن يساعده على تطوير المشروع وتوسيع نطاق الإنتاج.
ووجه الهاشمي رسالة إلى أصدقائه من ذوي الإعاقة، داعياً إياهم إلى عدم الاستسلام لليأس والسعي إلى تطوير مهاراتهم، مشيراً إلى أن النجاح يبدأ بالإرادة والإيمان بالقدرة على التغيير، مؤكداً أن الإنسان إذا امتلك العزيمة والإصرار يمكنه تحقيق الكثير مهما كانت التحديات التي يواجهها.