لقد تبين لنا في المقال السابق- من خلال ما جرى ولا يزال يجري على الأرض- أن الهدف الحقيقي من وراء هذه الحرب هو إزاحة إيران كقوة مناوئة للمعسكر الصهيوأمريكي في تحقيق مشروع تغيير خريطة الشرق الأوسط بحيث يحكمه الكيان الصهيوني.

تكشُّف هذا الوعي هو في حد ذاته مكسب كبير؛ فهذه الحرب كاشفة تمامًا مثلما كانت حرب إسرائيل على غزة وعموم فلسطين كاشفة لكذب السرديات الإسرائيلية التي سادت طويلًا لتبرير حربها وعدوانها على شعب فلسطين. والحقيقة أن هناك دروسًا مفيدة قد نتجت عن هذه الحرب بحيث يمكن توظيفها والاستفادة منها. ومن هذه الشروط ما هو مباشر وما هو غير مباشر. لعل الدرس المباشر المفيد هو أن قوة الدول لا تُقَاس بعتادها العسكري وحسب، وإنما يدخل في حسابها أيضًا رسوخ نظامها وصمود شعبها وصلابته، وعمق تاريخها وإرثها الحضاري، وقدرتها على الإنتاج والتطوير، وما تمتلكه من تأثيرات جيوسياسية،... إلخ. وحتى على المستوى العسكري نفسه فإن الدرس المستفاد من هذه الحرب- ومنذ حرب أوكرانيا- أن عتاد الأسلحة الثقيلة ليس هو وحده ما يكون فاعلًا في القدرات العسكرية؛ إذ تشكل أيضًا الأسلحة البسيطة وغير المكلفة عنصرًا مؤثرًا في مسار المعارك الحربية، ومن ذلك على سبيل المثال: الطائرات المسيرة، والتطور العلمي في المجال السيبراني بما يسمح بالقدرة على التشويش على أجهزة الرادار لدى العدو وعلى منظوماته الدفاعية، وغير ذلك مما يعرف تفاصيله المتخصصون في العلوم العسكرية.

ومن المكاسب أو الدروس المستفادة هو التأكد من أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تُعد حليفًا موثوقًا لأي من الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط، ولقد تكشفت هذه الحقيقة أمام العالم وأمام دول الخليج نفسها؛ ليس فقط لأن الولايات المتحدة لم تبلغها بالضربة التي سوف تشنها على إيران؛ بل لأنها لم تشغلها النتائج الكارثية التي ستترتب عليها، ولأنها- كما تبدى- كانت مشغولة بالدفاع عن الكيان الصهيوني أولًا وأخيرًا.

وربما يمكن القول: إن سيناريو الحرب التي يُراد لها أن تنشأ بين الدول الخليجية وإيران بسبب قصفها لكل المنشآت الأمريكية في أراضي تلك الدول هو السيناريو الذي كان يتوقعه المعسكر الصهيوأمريكي، بل هو السيناريو الذي كان مطلوبًا حدوثه؛ لأنه سيؤدي إلى إشعال المنطقة بأسرها، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة الكيان الصهيوني وحده. ولذلك فإن انكشاف هذا المخطط وإدراك عواقبه هو ما أدى إلى التزام حكومات الخليج بضبط النفس حتى الآن إزاء القصف الإيراني الذي تتعرض له أراضيها.

ولكن هذا القصف يطال منشآت مدنية في أراضي تلك الدول، فضلًا عن قصف منشآت الطاقة فيها وإيقاف مرور صادراتها عبر مضيق هرمز، وهو ما يشكل ضغوطًا هائلة عليها لا تُحمد عواقبها.

ولا شك في أن هذا سوف يؤدي بعد انتهاء هذه الحرب إلى إعادة رسم لعلاقات دول المنطقة بالولايات المتحدة وبإيران معًا. الحروب الكبرى تترتب عليها نشأة خرائط سياسية جديدة، وبوسعنا القول بأن هذه الحرب سوف تؤدي بالفعل إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ولكن ليس على هوى المعسكر الصهيوأمريكي، والفرصة ستكون سانحة أمام الدول العربية لتسهم بقوة في إعادة رسم الخرائط السياسية في المنطقة. وهذا في واقع الأمر هو المأزق التاريخي الذي تواجهه تلك الدول؛ لأنه مأزق أو امتحان يتعلق بإرادتها، أعني بقدرتها على اتخاذ قرارات تتعلق بمصيرها.

لقد تناول بعض الفلاسفة «فلسفة الحرب وأخلاقياتها»، بل منافعها أيضًا (وهو ما سبق أن نوهت إليه في مقال سابق بتلك الجريدة الرصينة)؛ كما رأى آخرون أن الحرب متأصلة في طبيعة البشر باعتبارها ضرورة وجودية. وإذا كانت الحرب لا مفر منها؛ لأن الصراع متأصل في طبيعة البشر؛ فما الذي يمكن أن يفعله البشر إزاء هذا المأزق الوجودي الذي يجدون أنفسهم فيه؟ قد يلجأ أغلب البشر إلى الاستسلام لما تفعله بهم الحرب وما يتمخض عنه الصراع، وربما اكتفوا بتأملات بعض الفلاسفة لفوائد الحرب، أو بتأملات مجتهد مثلي للنظر في بعض فوائد الحرب كما تتبدى بشكل عياني من خلال التطبيق على الحرب الراهنة بين إيران والمعسكر الصهيوأمريكي. ولكن هذا المسلك هو استجابة خاطئة تمامًا لإدارة الحرب والصراع الذي يُفرَض أو يمكن أن يُفرَض على البشر؛ ذلك أن الحرب لا يمكن دفعها عن قوم ما إلا من خلال استظهار القوة التي يتم إعدادها في مواجهة الحرب، ولهذا قال لنا المولى عز وجل: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».

وأنا هنا لا أحاول البرهنة على كلامي باستخدام الدين، وإنما أوضح فقط أن الرؤية الدينية هنا تدعم رؤيتنا التحليلية لما يمكن أن نستفيد من الحرب، ونتعلم كيف نواجهها أو نتعامل معها.

فالحرب لا يمكن اجتنابها من خلال قدرة المنظمات الدولية على الردع بإنزال العقاب على المعتدي (لأن هذه المنظمات أصبحت بلا حول أو قوة في غمار عالم متوحش لا يعترف بأية مواثيق أو معاهدات)؛ ومن ثم فإن الحرب يمكن اجتنابها في المقام الأول من خلال قدرة الدول نفسها على ردع العدوان بسائر أشكال القوة العسكرية وغير العسكرية.