يمكن القول بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران -التي دخلت أسبوعها الرابع- تحولت إلى حرب إرادات وحرب استنزاف من خلال الهجمات المتبادلة رغم أن الميزان العسكري بالمفهوم الاستراتيجي يميل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص، علاوة على وجود الكيان الصهيوني مقارنة بالقدرات العسكرية الإيرانية. ومع ذلك فإن الأقوى عسكريًا ومن خلال شواهد في التاريخ القديم والحديث ليس بالضرورة أن يحسم المعركة.
استطاعت إيران استيعاب الصدمة الكبرى مع بداية الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي والذي شل القيادة الإيرانية من خلال تصفية عدد من القيادات، وعلى رأسها المرشد وهو هرم السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وفي علوم الاستراتيجية العسكرية فإن الصمود أمام الضربة الاستباقية الأولى للعدو يمكن أن يجعل الطرف المعتدى عليه في وضع يمكنه من الرد واتباع سياسة الاستنزاف لفترة طويلة، وهو الأمر الذي تتبعه إيران حاليا في الحرب من خلال اتباع نمطية حرب تقليدية تعتمد على القوة الصاروخية، وأيضا من خلال اللعب بأهم ورقة استراتيجية وهي مضيق هرمز الاستراتيجي، والذي يعد شريان العالم على صعيد مرور الطاقة والتجارة العالمية علاوة على ضرب القواعد العسكرية الأمريكية في عدد من دول المنطقة.
وتمتد شرارات الحروب إلى ما هو أبعد من القواعد العسكرية، وعلى ضوء ذلك فإن صراع الإرادات أصبح هو السمة التي يمكن إطلاقها على الحرب التي تدور حاليًا في منطقة الخليج من خلال المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جانب، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر مع تصاعد أذرع إيران، وهي حزب الله اللبناني وحزب الله العراقي علاوة على مواقف غربية رفضت الدخول في الحرب على اعتبار أن هذه الحرب ليست حربها.
ولعل الخلاف الأمريكي الأوروبي كان واضحًا فيما يخص مسألة فتح مضيق هرمز بالقوة المسلحة.
لقد تضرر الاقتصاد العالمي كثيرًا من الحرب وقفزت أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية خاصة النفط والغاز، وتعطلت سلاسل الإمداد، وارتفعت أسعار الشحن؛ ومن هنا بدا متغير الاقتصاد يضغط على الرئيس الأمريكي ترامب خاصة من الرأي العام الأمريكي؛ حيث وصلت أسعار البنزين في أمريكا إلى مستويات كبيرة تشكل إرهاقا كبيرا على معيشة المواطن الأمريكي، كما أن الحرب لا تحظى بشعبية داخل أوساط الكونجرس، وحتى من قبل السياسيين في إدارة ترامب، كما أن الأسواق المالية في العالم تعرضت إلى تقلبات كبيرة طوال الأسابيع الأربعة الأخيرة؛ ومن هنا فإن العامل الاقتصادي سوف يكون المتغير الأهم في وقف الحرب علاوة على أن مسألة حسم المعركة يبدو مستحيلا بعد أن تحولت الحرب إلى حرب استنزاف، وهو الأمر الذي يجعل من مواصلتها أشبه بالانتحار السياسي، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها الحديث جربت تلك الحروب، خاصة في فيتنام والعراق وأفغانستان وخسرت تلك الحروب ماليًا وبشريًا، ونالت من هيبتها وسمعتها الدولية. ولا يبدو لي أنها تريد تكرار نفس السيناريو خلال المواجهة الحالية مع إيران. الأهداف الأساسية التي من خلالها شنت الحرب فشلت سواء فيما يخص تغيير النظام الإيراني أو فيما يخص كسر إرادة الشعب الإيراني؛ ومن هنا فإن الحرب بكل ما فيها من أحداث هي درس كبير للإرادة الوطنية، ومثال لتماسك الجبهة الداخلية، وتسخير القدرات الوطنية.
وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع السياسة الإيرانية في عدد من الملفات، لكن هناك حقيقة جوهرية بالنسبة لإيران، وهي الاستثمار المميز في البحث العلمي وتطوير القدرات رغم الحصار من قبل الغرب والولايات المتحدة الأمريكية منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام ١٩٧٩.
دول مجلس التعاون الخليجي الست لا بد أن تستوعب دروس الحرب الحالية، ويكون لها تقييم دقيق وموضوعي للمرحلة القادمة لصون أمنها القومي على الصعيد الجماعي؛ لأن الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها بالمطلق في مسألة الحماية أصبح منطق غير مجد؛ فالحليف الأوحد للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط هو الكيان الصهيوني، وهذا درس بليغ لدول المنطقة، وعادة الحروب وما ينتج منها تعد دروسًا كبيرة ينبغي الاستفادة منها.
الحرب سوف تنتهي قريبًا؛ لأن التكلفة الاقتصادية كبيرة خاصة على الجانب الأمريكي. والكيان الصهيوني لوحده لا يستطيع مواصلة الحرب بعد تعرضه لهجمات صاروخية إيرانية مدمرة في بعض مدنه الأساسية، وهو كيان هش ظهر خلال معركة طوفان الأقصى، وحتى خلال مواجهة حزب الله في جنوب لبنان حاليا بل إن نتنياهو المتطرف ورط واشنطن في حرب لا معنى لها، وهو الأمر الذي اكتشفه الأمريكيون بعد تصاعد الخسائر المادية والبشرية؛ ومن هنا فإن التكلفة الاقتصادية لأي حرب تجبر الأطراف على البحث عن حل سياسي.
ولعل عودة المفاوضات الأمريكية الإيرانية هو الخيار الصحيح نحو الوصول إلى اتفاق نووي منصف وعادل ومستدام بعيدًا عن الحروب التي أضرت بمصالح دول المنطقة، وحتى بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم، والسبب يعود إلى عدوانية الكيان الصهيوني الذي يريد مواصلة سياسته العدوانية ضد الدول العربية والإسلامية، ويحلم بالسيطرة والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط من خلال خطط وهمية.
إن الحروب بشكل عام ليست حلًا جيدًا للخلافات والصراعات، ولكن تبقى الدبلوماسية هي الخيار الأفضل، وهو الأمر الذي تؤكد عليه بلادنا سلطنة عمان وقيادتها الحكيمة من خلال الدعوة إلى خفض التصعيد، خاصة وأن المفاوضات الأمريكية الإيرانية كانت على وشك الاتفاق، ولكن الكيان الصهيوني لا يريد للمنطقة العربية أن يسودها السلام والاستقرار، بل يصعد الأمور ويشعل الفتن والمؤامرات. ومن هنا، لابد للدول العربية أن ترسم استراتيجية أمنية وعسكرية للحفاظ على مقدرات شعوبها وحفظها من عدو متربص غادر وهو الكيان الصهيوني.
أما على صعيد إدارة ترامب فإن سياستها غير الموضوعية ينبغي أن تراجع، خاصة على صعيد الأوضاع في المنطقة، وعدم السير في فلك سياسة نتنياهو التي أضرت بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.