لم تفاجئ الحرب الدائرة في المنطقة سلطنة عُمان؛ فقد كانت تتوقعها وتقرأ تداعياتها. فمنذ سنوات، كانت ترى أن دفع الإقليم نحو مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سيفتح المنطقة على طور جديد من الفوضى وعدم الاستقرار، ويفرض على العالم كلفة سياسية واقتصادية باهظة تتجاوز حدود الميدان العسكري.
لهذا لم تتعامل عُمان مع التوتر المتصاعد في المنطقة بوصفه أزمة عابرة، وإنما بوصفه مسارا ينذر بلحظة انفجار كبرى. ومن هنا جاء انخراطها المبكر في مساعي التهدئة، ثم في الجهد الدبلوماسي الذي أثمر التوصل إلى اتفاق «خطة العمل الشاملة المشتركة» في يوليو 2015. وقد بدا آنذاك أن نافذة حقيقية فُتحت أمام المنطقة لتجنب الأسوأ. لكن خروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق بعد ثلاث سنوات أعاد الأزمة إلى مسارها الأكثر خطورة، وأطاح بما تحقق من توازن دقيق.
ومع ذلك لم تتراجع عُمان عن دورها. فقد واصلت العمل لإحياء مسار التفاهم، وسعت خلال العام الماضي إلى الدفع بوساطة بدت واعدة في مراحلها المختلفة، قبل أن يقطعها التصعيد العسكري. ثم عادت، مع تجدد الأزمة هذا العام، إلى محاولة فتح الطريق أمام اتفاق كان يمكن أن يحقق للأطراف ما عجزت عنه الحرب. غير أن الأطراف التي تتخذ الحرب خيارا استراتيجيا لا تنظر إلى السلام بالمنظار نفسه، ولا تسمح بسهولة لفرص التسوية أن تنضج.
وحين وقعت الحرب، تكشفت سريعا حقيقة ما كانت عُمان تحذر منه. امتدت آثار الحرب إلى ما هو أبعد من الضربات العسكرية المباشرة، فطالت الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحسابات الأسواق، ومعدلات النمو، ومخاوف التضخم والركود في أكثر من مكان في العالم. وما بدأته الحرب في الإقليم لم يبقَ شأنا إقليميا خالصا، لأن هذه المنطقة تحتل موقعا بالغ الحساسية في معادلة الاقتصاد العالمي.
ورغم ذلك، فإن عُمان ما زالت تتحرك للحد من اتساع الحرب، ومنع تداعياتها من التفاقم، والعمل على إعادة الاعتبار للدبلوماسية قبل أن يصبح الانفجار أشد اتساعا وأقل قابلية للاحتواء. وهذه الجهود التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، ووزارة الخارجية والجهات المعنية، تنطلق من فهم دقيق لطبيعة الإقليم ولدلالات هذه الحرب على المدى القريب والبعيد.
لقد أثبتت الوقائع أن التحذير العُماني كان يستند إلى قراءة واقعية لما يمكن أن تفضي إليه حرب مفتوحة في هذه المنطقة. والعالم اليوم في حاجة إلى أن يصغي أكثر إلى هذا الفهم، لأن وقف الحرب صار ضرورة لحماية الإقليم من الانهيار، وحماية الاستقرار الدولي من مزيد من التصدع.