انتهى الموسم الثاني من مسلسل شارع الأعشى، وتباينت الآراء حول النهايات المفتوحة لمصائر شخصياته، ويصدق على هذا التباين قولٌ شائع: إن العمل الناجح هو الذي يُتداول في كل بيت. غير أن هذا التباين، على أهميته، لا يفسّر وحده طبيعة التحول الذي أصاب العمل في موسمه الثاني، إذ يفتح الباب أمام سؤال أعمق يتعلق ببنية الكتابة نفسها وآليات إنتاجها.
تابعت المسلسل انطلاقًا من زاويتين متصلتين:
أولاهما، تتصل بتحول الرواية إلى عمل درامي بصري؛ هل يُحافظ على أحداثها كما هي؟ ماذا يتبقى منها إذا اختفت بعض شخصياتها أو أُضيفت أخرى؟ وهل يُحاكم العمل التلفزيوني بمنطق السرد الروائي، أم بمنطق الصورة وخطابها المختلف؟ والسؤال الأهم: ماذا يقدّم هذا التحول على مستوى البنية والدلالة؟
أما الزاوية الثانية، فتتصل بنجاح الموسم الأول، الذي قدّم معالجة درامية لافتة أدارتها الكاتبة منال العويبيل؛ حيث نجحت في رسم ملامح الشخصيات وأبعادها، ونقلت البيئة الخليجية في شارع الأعشى بمدينة الرياض دون افتعال في بهرجة الصورة أو دفعها إلى الواجهة على حساب بنية الصراع.
في هذا السياق، تقع بعض الأعمال التي تستعيد الحقب التاريخية في فخ الإبهار البصري الذي يحجب تعقيد التجربة الاجتماعية؛ إذ يبدو العالم الذي تتحرك فيه الشخصيات أقل حضورًا على مستوى الحياة اليومية والطقوس، فضلًا عن التطويل غير المبرر واستعارة الحيل الأجنبية، مما يفضي إلى إضعاف تطور الشخصية الدرامية.
انطلق الموسم الثاني مع البرنسيسة عزيزة وعودة سعد متخفيا بمساعدة رجال الأمن، غير أن هذا الانطلاق لم يحل دون ظهور مؤشرات ترهل واضحة؛ تمثلت في اختفاء شخصية (إبراهيم مثلا) دون مبرر، وارتماء الحبكة الرئيسة في حبكات فرعية لم تُمنح التطور الكافي (مزنة ورياض)، إلى جانب تقليل حضور شخصية (نورة) عبر حلّ درامي تقليدي تمثل في إدخالها المستشفى وبقائها فيه لعدد طويل من الحلقات ولم يُكلّف ابنها نفسه عناء زيارتها حتى انتهاء العمل!
كما خفت حضور موضوع الصحوة الدينية، الذي شكّل في الموسم الأول خيطًا دراميًا حيويًا، إذ كان ارتماء (منصور وسعد) في منظومتها، وتحول الثاني من عاشق رومانسي إلى شخصية معنّفة ومتشددة، يشي بإمكانات درامية عالية. غير أن هذا الخيط، الذي كان في الموسم الأول باعثا على التوتر والتوقع، تحوّل في الموسم الثاني إلى مسار باهت، قائم على مطاردات واعتقالات غير مقنعة، وحوارات متواضعة، دون أن تخلق حرارة أو تشويقًا.
تتجلى هذه الإشكالية أيضا في النهايات المفتوحة؛ إذ يتجاور الإيحاء بالاكتمال (طلاق نورة) مع تعليق المصائر (أبو إبراهيم، صوت الرصاصة)، بما يفتح باب التأويل، لكنه يترك أثرا من الفتور. وليس هذا الفتور ناتجًا عن الانفتاح ذاته، بل عن غياب التراكم الدرامي المنطقي الذي يمنحه ضرورته. فالنهاية المفتوحة لا تكون فعّالة إلا إذا كانت نتيجة مسار متصاعد، لا بديلا عنه.
إلى جانب ذلك، تتوزع خيوط درامية متعددة: هروب (عطوة) إلى الصحراء تاركة خلفها ضاري المعذب بعشقها، واحتمالات عودتها متخفية في ثياب صبي مرة أخرى، وما تحمله (مزنة) في أحشائها من طفل سيدخلها في صراع قانوني واجتماعي محتمل، إلى جانب شخصية (جهم) الشرير الساخر الذي تسلل بهدوء داخل النسيج الدرامي واستطاع أن يخترق شارع الأعشى بهدوء كالثعبان ويبث سُمه كلما حانت له التقاطة سانحة؟ غير أن هذا التعدد، بدل أن يعمّق البناء، فكّكه إلى نهايات مفتوحة غير مستعصية على الحل، في ظل فريق كتابة مشترك وامتداد العمل إلى مواسم لاحقة. وهنا لا يعود السؤال دراميًا فقط، بل مؤسساتيًا: من يكتب العمل؟ وكيف؟
من هو الدراماتورج؟
يذهب الاستعمال التقني الحديث للدراماتورج مستفيدا من استقرار المصطلح في معناه الألماني، فيعرّف بأنه المستشار الأدبي الذي تستعين به الفرق المسرحية أو المؤسسة الفنية أو جهة رسمية المنفذة للعمل لتوليه مهمة «التنقيب عن كل الوثائق التي تساعد على فهم أكبر للنص المسرحي المراد إخراجه. وبمعنى آخر، أصبحت الدراماتورجيا مهارة تقع بين عمل الكاتب المسرحي، وبين عمل المخرج، وبين عمل الممثلين وباقي المهن المسرحية. (سعيد الناجي، المقاربة الدراماتورجية وتحليل السرد المسرحي).
بينما يقوم التحليل الدراماتورجي على تحديد الخصائص النوعية للنص المسرحي والعرض. وهو يسعى إلى إضاءة طريقة الانتقال من الكتابة الدرامية إلى الكتابة الركحية أو المشهدية «...» هذا التحليل يفحص ما هو معروض في المسرحية: ما الزمن؟ ما الفضاء؟ ما نموذج الشخصية؟ كيف تقرأ الحكاية؟ ما العلاقة بين الأثر الفني والعصر الذي أبدع فيه؟ وماذا يُمثل ذلك العصر بالنسبة لوقتنا الراهن. (د. أحمد بلخيري، معجم المصطلحات المسرحية).
انطلاقا من ذلك، تتنزّل إشكالية الموسم الثاني لشارع الأعشى بوصفها تراجعا في هذا المستوى تحديدا؛ (فكرة الثلاثين حلقة كخيار إنتاجي صرف)، إذ لا تتجلى المشكلة في قلة الحكايات أو الشخصيات، بل في فائض التكرار والتطويل غير الدرامي، وهو فائض يرتبط بطبيعة المعالجة وكتابة السيناريو ضمن فريق متعدد المرجعيات الثقافية.
يدعم هذا الطرح ما يظهر في تتر العمل؛ ففي الموسم الأول توزعت الكتابة بين إعداد السيناريو والحوار (منال العويبيل)، وكتابة الحوار (نوكيت بيشاكشي)، وكتابة السيناريو (أوزلم يوجَيل)، ومصمم الإنتاج (فرات يونلوئل) ضمن فريق متكامل.
وفي هذا السياق تُسجّل منال العويبيل في صفحتها على منصة X حول مشاركتها في الموسم الأول قائلة: «... تمثل دوري في شارع الأعشى كمعالِجة درامية، ضمن ما يُعرف عالميا بـ(الدراماتورج)- وهو دور يُعنى بتطوير البنية الدرامية للنصوص، بما يتطلبه ذلك على سبيل المثال: إعادة ترتيب للمشاهد، وتكثيف للحبكة، وتطوير لملامح الشخصيات وفق مقتضيات العرض الدرامي وبالتنسيق مع فريق العمل «...» إن المبدعين الأتراك عملوا بجمالية يشاد بها في بناء الحلقات والحبكة وامتداد الشخصيات، ومن ثم بدأتُ عملي في المعالجة عبر إعادة بناء العديد من المشاهد؛ التنقيح، ضبط تتابع الزمان وتوقيت الذروة، تعديل منحنيات بعض الشخصيات، واقتراح معالجة درامية للنهاية، وبالتأكيد قولبة البيئة وهندسة الحوار».
أما الموسم الثاني، فظهر فيه بعض المتغيرات على النحو التالي: «معالجة محلية»، (هند الفهّاد)، والقصة (أوزلم يوجيل)، و(بورجو غيرون)، ومستشارة المعالجة المحلية الروائية (بدرية البشر). ثمة ما يسأل هنا بأسلوب مباشر: ما الفرق في الاستخدام بين هذين المكونين في تتر المسلسل: (إعداد السيناريو والحوار، ومعالجة محلية)؟ هل المعالجة المحلية ترجمة ثقافية أم إعادة كتابة؟
هذا السؤال لا يخص المصطلح فحسب، بل يكشف عن مسافة جمالية ومنهجية بين معالجتين مختلفتين. فبعض الحلول الدرامية التي ظهرت في الموسم الثاني -مثل زواج أبو إبراهيم بوصفه مَخرجا سريعا للأزمة- تبدو أقرب إلى منطق التلفزيون التقليدي منها إلى منطق دراماتورجي يُراكم الدلالة عبر التطور، لا عبر الاختزال.
يكشف هذا المثال عن انتقال من منطق دراماتورجي يراكم الدلالة، إلى حلّ وظيفي يهدف إلى تجاوز المأزق الأخلاقي بسرعة. فزواج أبو إبراهيم من وضحى لم يُقدَّم بوصفه تحوّلا في العلاقة، التي ظلت أخوية في جوهرها، بل بوصفه مخرجا عمليا لحماية السمعة. أما وضحى، فلم تكن مشكلتها في بناء الشخصية، بل في محدودية توظيفها دراميا؛ إذ ظلت ثابتة وباهتة الحضور، تتنقل بين فضاءات محدودة (المستشفى، البيت، المحل) دون أن تُمنح مساحة كافية للتفاعل ضمن خيط الصحوة الذي كان يفترض أن يعمّق موقعها داخل الصراع.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن الملل الذي يتسلل إلى الموسم الثاني لا يعود إلى النهايات المفتوحة في ذاتها، بل إلى تراجع وظيفة الدراماتورج بوصفها أفقًا ناظمًا للعمل، حيث تتحول المعالجة إلى إجراء إنتاجي، لا إلى رؤية جمالية، فتتجاور لحظات الإضاءة مع لحظات العتمة داخل المشهد الواحد.
لا تبدو إشكالية شارع الأعشى في موسمه الثاني مسألة نهايات مفتوحة أو حبكات متفرعة فحسب، بل تكشف عن احتياج إلى موقع الدراماتورج داخل بنية الكتابة التلفزيونية العربية؛ حيث تتراجع وظيفته بوصفه ضابطا جماليا للنص، لصالح معالجات تتوزع بين ضرورات الإنتاج وتعدد المرجعيات. وفي هذه المسافة، بين المعالجة بوصفها إجراءً تقنيًا والمعالجة بوصفها رؤية درامية، يتشكل ذلك التذبذب الذي يجعل العمل يتأرجح بين لحظات إضاءة كاشفة وأخرى معتمة، مع نسبة من النجاح في تثبيت أفق جمالي محدود.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرحه العمل لا يتعلق بما حدث لشخصياته بقدر ما يتعلق بكيف كُتب هذا العالم أصلًا، ومن الذي امتلك حق ضبط إيقاعه ومعناه.