واشنطن "د. ب. أ": بعد مرور ثلاثة أسابيع على إطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، بدأت ملامح نمط مألوف وخطير للحروب الأمريكية تتضح. وفي حين يختلف الصراع الحالي، في الوقت الراهن، بشدة عن الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق وفيتنام، إذ لا يشهد مشاركة قوات برية أمريكية بأعداد كبيرة، على الأقل حتى الآن. تشترك الحرب على إيران مع سابقاتها في واقع استراتيجي أعمق، وهو أن واشنطن تحارب مرة أخرى قوة إقليمية أضعف منها، دون أهداف واضحة، أو نظرية محددة للنصر، أو استراتيجية خروج قابلة للتطبيق، بحسب إيلان جولدنبرج كبير نواب رئيس منظمة جيه ستريت غير الحكومية الأمريكية ومدير السياسات بها، في التحليل الذي نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية .


ويقول جولدنبرج إن النتيجة واحدة وهي تورط الولايات المتحدة إلى مستنقع وإن كان من نوع مختلف. فقد تتورط القوات الأمريكية في عمليات جوية وبحرية تمتد لأشهر أو سنوات، وتكبد الاقتصاد العالمي تكاليف باهظة، وتزعزع استقرار الشرق الأوسط، وتسبب خسائر متزايدة في صفوف السكان المدنيين بإيران وإسرائيل ولبنان وغيرها. وكما كان الحال في الصراعات السابقة، فإن اختلال موازين القوى في هذه الحرب يصب في مصلحة الطرف الأضعف. فلكي تنتصر الولايات المتحدة، عليها تحقيق أهداف واسعة وغامضة. أما بالنسبة لإيران، فقد يعني النصر ببساطة بقاء نظام الحكم واستمرار قدرتها على إلحاق خسائر بالاقتصاد العالمي من خلال هجمات متقطعة تحد بشكل كبير من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أو تلحق أضرارا بالبنية التحتية النفطية الحيوية في دول الخليج.


ويقول إيلان جولدنبرج الذي عمل كمستشار خاص لشؤون الشرق الأوسط لنائبة الرئيس الأمريكي السابقة كامالا هاريس إن الجهود الحربية الأمريكية في إيران اتسمت بالتخبط الاستراتيجي منذ البداية. فعندما شن الرئيس دونالد ترامب العمليات العسكرية، فعل ذلك دون تهيئة الرأي العام الأمريكي أو تحديد مجموعة واضحة من الأهداف القابلة للتحقيق. ودعا في تصريحاته الأولى، التي ألقاها في منتصف الليل، الشعب الإيراني إلى الانتفاضة والإطاحة بحكومته، واضعا بذلك تغيير النظام معيارا للنجاح. كان ذلك معيارا مرتفعا للغاية، وربما مستحيل التحقيق. كما أنه منح القيادة الإيرانية طريقا سهلا للنصر وهو مجرد الصمود.


كما أن التطورات الأولية تشير إلى أن تحركات الولايات المتحدة وإسرائيل، إن صح التعبير، قد عززت سيطرة المتشددين في طهرن. فإذا كانت واشنطن وتل أبيب تتوقعان أن يؤدي مقتل كبار القادة الإيرانيين إلى انهيار الجمهورية الإسلامية، فقد ثبت خطأ توقعاتهما.


ويرى جولدنبرج الذي عمل رئيسا لفريق الملف الإيراني في مكتب وزير الدفاع الأمريكي خلال ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، أن اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي ربما يكون قد صعب إضعاف قبضة النظام الحاكم، بدلا من تسهيله. فقبل الحرب، اعتقد العديد من المحللين أن وفاة خامنئي ،الذي كان مريضا ويبلغ من العمر 86 عاما، قد تفسح المجال لإعادة تقييم داخلية. ورغم أن ذلك لم يكن يعني حدوث إلى تحول ديمقراطي، لكنه كان من الممكن أن يفتح الباب أمام قيادة أكثر براجماتية تعيد النظر في موقف إيران الإقليمي وطموحاتها النووية بهدف أوسع يتمثل في تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد، فضلا عن تعزيز فرص الجمهورية الإسلامية في البقاء على المدى الطويل.


لكن هذا الاحتمال بات شبه مستحيل الآن. فمن خلال فرض انتقال القيادة تحت ضغط شديد، مكنت الحرب العناصر الأكثر تشددا في إيران. أصبح مجتبى، نجل خامنئي، المرشد الأعلى الجديد. وهو متشدد ذو صلات وثيقة بالحرس الثوري ، وقد فقد الكثير من أفراد عائلته في غارات إسرائيلية. لذلك فإن تعيينه مرشدا أعلى ليس خطوة نحو التغيير ولا نحو أي نوع من اللين في النظام، بل هو ضمانة لترسيخه سيطرة التيار المتشدد على مستقبل إيران.


وهذه حرب لا تحتاج إيران إلى حسمها لصالحها، بل يكفيها إثبات فشل الهدف الأمريكي المحدود المتمثل في تحسين الأمن الإقليمي - وهو هدف لا يصل إلى حد تغيير النظام لكي تعتبر نفسها منتصرة. وحتى الآن، تواصل إيران شن هجمات صاروخية وطائرات مسيرة بشكل متواصل لثلاثة أسابيع. حتى لو نفدت صواريخ إيران بعيدة المدى وقاذفاتها، فليس هناك ما يشير إلى قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إضعاف طائراتها المسيرة وصواريخها قصيرة المدى وألغامها إلى الحد الذي يمنعها من إحداث دمار شامل في محيطها المباشر وعبر الخليج.


في ظل هذا الوضع، قد تميل الولايات المتحدة إلى التصعيد لعرقلة البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير، أو لإجبار إيران على وقف هجماتها على جيرانها، أو لمحاولة إسقاط النظام بشكل علني، لكن كل السيناريوهات في هذه الحالة لا تبدو جذابة بالنسبة لواشنطن.


وقد يسعى ترامب إلى تمهيد الطريق لإعلان النصر عبر توجيه ضربة مباشرة للبرنامج النووي الإيراني وقدرته على تطوير سلاح نووي بسرعة، من خلال الاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. وبإمكان القوات الأمريكية الاستيلاء بالفعل على جزء من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب الموجود في أنفاق أصفهان. وهذا من شأنه السماح للولايات المتحدة على الأقل بالادعاء بتحقيق إنجاز استراتيجي واضح.


لكن جولدنبرج يرى أن هذه العملية لن تكون سهلة على الإطلاق. فبحسب التقارير العامة، يوجد اليورانيوم على شكل غاز في أسطوانات يصعب نقلها، ويجب التعامل معها بحذر شديد نظرا لطبيعة المادة. علاوة على ذلك، لا يزال من غير الواضح مدى سهولة الوصول إلى الأنفاق بعد أن أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية السابقة على منشآت إيران النووية في يونيو الماضي إلى إغلاق مداخل هذه المنشآت وطمرها تحت أطنان من الركام، وبالتالي لن تكون مثل هذه عملية سريعة، كالغارة التي أسفرت عن مقتل أسامة بن لادن عام 2011 أو اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير، بل إنها قد تتطلب وجود القوات الأمريكية على الأرض لساعات أو حتى أيام، وهو ما سيجعلها هدفا سهلا للقوات الإيرانية الأدرى بشعاب بلادها. لذلك فإنه من غير الواضح ما إذا كانت مثل هذه العملية مجدية، فضلا عن كونها غير حكيمة.


وهناك طريقة أخرى لكسر مقاومة النظام الإيراني وهي الاستيلاء على جزيرة خارك الإيرانية، التي يمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيراني. لكن مخاطر محاولة الاستيلاء على الجزيرة كبيرة. أولا، سيتطلب الأمر عملية عسكرية برية واسعة النطاق للاستيلاء على منطقة محصنة جيدا تبلغ مساحتها ثلث مساحة مانهاتن. ورغم أن العملية ممكنة، إلا أنها ستعرض القوات الأمريكية للخطر حتما، وقد تتكبد خسائر فادحة. ثانيا، قد يؤدي القتال في خارك إلى إلحاق ضرر كبير بالبنية التحتية النفطية الإيرانية، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار العالمية بشكل أكبر، وهي نتيجة تحاول الولايات المتحدة تجنبها.


والأهم من ذلك، أنه من غير الواضح ما الذي سيحققه الاستيلاء على الجزيرة استراتيجيا. فالنظام الإيراني أظهر استعدادا لتحمل خسائر اقتصادية فادحة، كما أثبت ذلك على مر السنين بعد تعرضه للعقوبات الأمريكية. ومن المرجح أن ترد إيران بتصعيد هجماتها على البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وبالتالي تفوق مخاطر التصعيد المكاسب المحتملة بكثير بالنسبة للولايات المتحدة.


معنى ذلك أنه بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب، تواجه الولايات المتحدة خيارا حاسما: إما مواصلة التصعيد سعيا وراء أهداف غير محددة المعالم، أو إعادة تقييم الوضع والبحث عن مخرج. والخيار الثاني هو الأكثر حكمة.، بحيث يعلن ترامب تحقيق الجيش الأمريكي بشكل كبير مجموعة الأهداف العسكرية الأكثر تحديدا، مع استعداده لوقف المزيد من التصعيد. في الوقت نفسه عليه أن يقرن هذه الرسالة بتأكيدات وتصريحات علنية بأن الولايات المتحدة ستكبح جماح إسرائيل، ولن تدعم أي هجمات مستقبلية على إيران إلا إذا استأنفت طهران برنامجها النووي أو شنت هجمات على شركاء إقليميين.


وفي حين ترفض إيران مثل هذا العرض في البداية، فإن الجهات الفاعلة العالمية الرئيسية، بما في ذلك الصين وأوروبا ودول الخليج، والتي لها جميعا مصالح قوية في استقرار أسواق الطاقة، يمكن أن تمارس ضغطا أكبر على إيران لخفض التصعيد.


أخيرا يرى إيلان جولدنبرج أن الحرب مع إيران كانت اختيارا تم اتخاذه دون خطة واضحة لما سيترتب عليه، وها هي عواقب ذلك القرار تتضح الآن. وبالتالي فالمهمة المقبلة للإدارة الأمريكية ليست إنقاذ نصر بعيد المنال، بل الحد من الأضرار التي تلحق بالمصالح الأمريكية، والاستقرار الإقليمي، وأرواح المدنيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط.


وبالتالي يجب على هذه الإدارة قبول الحقيقة المزعجة وهي أنه في حروب كهذه، لا يكمن المسار الأكثر مسؤولية في المضي قدما بحثا عن نصر مستحيل، بل في إدراك متى تفوق التكاليف المكاسب، والتراجع قبل أن يتحول صراع محدود إلى مستنقع مستعر.