**media[3330491]**

اعتاد الناس ومؤرخو الحروب أن يحصوا خسائرها بما يسقط أمام الأعين من أرواح بشرية وبنى تحتية ومقدرات عسكرية واقتصادية. لكن بعض أعمق جراح الحروب يقع خارج المجال المرئي للخراب. يقع في تلك المساحات الهادئة من الحياة الداخلية للمجتمعات حيث تتشكل الذاكرة، ويتكون الوعي، وتتراكم المعرفة. 

ومن هذا الباب يمكن النظر إلى تأجيل معرض مسقط الدولي للكتاب. فهو، في ظاهره المباشر، قرار عملي تفرضه لحظة إقليمية شديدة الخطورة، لكنه، على مستوى أعمق، تذكير بأن الحرب لا تتوقف عند حدود ساحات القتال. ويمتد ظلها إلى المكتبات، والمدارس، والمسارح، وقاعات المحاضرات، ومعارض الكتب. وهي بذلك تعطل الحركة في المجال العام، وتربك معها التفكير أيضا، وتربك الإيقاع الأخلاقي والفكري الذي يجدد به المجتمع نفسه. 

من الخطأ النظر إلى الثقافة باعتبارها شيئا قابلا للتأجيل إلى أن تهدأ المدافع وتنجلي روائح البارود. الثقافة أحد الشروط التي تحفظ للأمة توازنها الداخلي. ففيها يخاطب المجتمع نفسه بصوت أعمق من الاستعجال. فيها يلتقي الطفل بدهشته الأولى، ويتعلم القارئ معنى التعقيد، وتحمي المدن ذاكرتها من التآكل، وتقاوم الجماعات اختزال الحياة الإنسانية في الخوف وحده. 

ومعرض الكتاب، في جوهره، أكبر من مناسبة لبيع الكتب، إنه فضاء مدني تصبح فيه المعرفة مرئية، وتدخل فيه حياة العقل إلى الساحة العامة. وخسارة هذه اللحظة، حتى وإن كانت مؤقتة، تكشف مقدار هشاشة هذا العالم حين تفرض فيه الحرب ترتيبها القاسي للأولويات. 

من هنا، فإن الكلفة الثقافية للحرب تستحق أن تُفهم بجدية تامة. فالحرب لا تكتفي بحصد الأرواح، وهو أفدح ما فيها، وإنما تمتد أيضا إلى تعطيل اللحظات التي كان يمكن أن تبني وعيا جديدا، وتنقل معرفة حديثة، وتفتح بين الشعوب والثقافات مساحات أوسع للفهم. وحين تؤجل الحرب معرضا للكتاب، فإنها لا تؤجل موعدا ثقافيا فحسب، بل تؤجل، ولو إلى حين، إحدى اللحظات التي يدافع فيها المجتمع عن إنسانيته بالعقل والمعرفة والخيال.