«كل ما يحيط بلقائي به ينطوي على مسحة من الخزي». بذلك تبدأ سوزان سونتاج قصة «الحج» التي نشرت في مجلة ذي نيويوركر سنة 1987. كان ذلك لقاء مع الروائي الألماني المنفي توماس مان في بيته بباسيفيك باليسيدز في لوس أنجلوس. والعام كما تقول سونتاج هو 1947، فهي في الرابعة عشرة، وروايتها المفضلة هي «الجبل السحري»، وهي البانوراما التي يصور فيها توماس مان غسق أوروبا، وتعكس حياة سونتاج على نحو غريب، وبخاصة تجربة علاجها من الربو في مصحة بأريزونا. بصحبة صديقها ميريل، وهو زميل متحمس لكل ما هو حداثي وأصيل، صاغت سونتاج فكرة الاتصال الفجائي بالأديب النوبلي لطلب إجراء حوار معه. عثروا عليه في دليل الهاتف: 1550 سان ريمو درايف، إس إم 5-4403. ومن عجب أنه يوافق على مقابلتهما. ليدور حوار متقطع مضطرب. فلا يقول توماس مان «إلا حكم جامعة»، فترد سونتاج بـ«عبارات متلعثمة بسيطة». وإحساس خيبة الرجاء ساحق. «وبعد سنين، وقد بتُّ كاتبة، وعرفت الكثير للغاية من الكتاب، تعلمت كيف أكون أكثر تسامحا مع الفجوة بين الإنسان والكتابة. لكن حتى الآن، يظل إحساسي هو أن اللقاء كان غير مشروع، وغير ملائم... فاستبقيته على مدار السنين سرا، وكأنه كان شيئا مخزيا». 

شيء مخزٍ؟ «لا أتذكر شيئا مخزيا قط». هكذا قال لي ميريل رودين قبل أيام. «الإحساس الذي انتابني أكثر كان إحساسا بالرهبة، بالخوف»، كذلك قال صديق سونتاج في الطفولة وقد بلغ من العمر خمسة وتسعين عاما ولا يزال في صحة جيدة، لامع العينين، ذا شارب منضبط كثيف يضفي عليه وقارا. كنا جالسين في غرفة المكتب بمنزل توماس مان المملوك حاليا للحكومة الألمانية وتديره مركزا للإقامة. كانت آخر مرة زاره فيه رودين في الثامن والعشرين من ديسمبر سنة 1949، أي في تاريخ الزيارة الفعلي. (ولا لوم على قسم التحقق من المعلومات في مجلتنا، فقد نشرت القصة باعتبارها عملا خياليا وليس سيريا). عندما نشرت قصة «الحج» حار رودين في الحرية الكبيرة التي منحتها سونتاج لنفسها فيها، وبخاصة حذف الصديق الثالث الذي حضر معهم اللقاء وهو جين ماروم. وبرغم ذلك رأى رودين القصة مبهجة، فقد وصفته في نهاية المطاف بـ«الهادئ، الفاتن، البعيد كل البعد عن الغباء»، وذلك ثناء لا يعلوه ثناء في معجم سونتاج. تذكرت جيني ابنة رودي التي رافقته في العودة إلى سان ريمو درايف إحساسها بالفخر: «قرأتها فقلت لنفسي: هذا هو أبي». وسألتْ أباها «ألم تصفك بأدونيس أو بشيء من هذا القبيل؟» فقال رودين في حياء «بل بالساحر». 

بذلت سونتاج جهدا مدهشا لتتفهم ذلك اللقاء بادي البساطة بتوماس مان. فأشارت إليه أولا في يومياتها في فقرة تبدأ بقولها «استجوبت أنا وميريل وجين الرب هذا المساء». ثم في وقت ما من مطلع الخمسينيات، ألفت قصة خيالية بعنوان «في بيت توماس مان». ويمكن العثور على فقرة اليوميات والقصة في أرشيف سونتاج المحفوظ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس. وقد حصلت على نسخ منهما، وحاولت أن أستوضح بعض التناقضات من خلال رودين. فمثلا، تثبت النسخ الثلاث جميعا أن الزوار وصلوا مبكرا فجلسوا في سيارة بالخارج، يتدربون. فهل استمر ذلك أربع عشرة دقيقة (كما في قصة «في بيت توماس مان») أم خمسا وعشرين دقيقة (اليوميات) أم ساعتين (الحج)؟ فكر رودين في أن ما يبدو له صحيحا هو نصف الساعة. وفي ابتسامة تحوط أضاف: «أنا بصدق غير متأكد إن كنت أتذكر بعض الأمور من خلال قراءتي لما كتبته سوزان». 

تشير المذكرات إلى أن نيكو، كلب توماس مان البودل الضخم العنيف، نبح في المراهقين الخائفين إذ اقتربوا من باب البيت الأمامي. رحبت بهم كاتيا مان، زوجة الكاتب، وقادتهم إلى غرفة المكتب. لا يبدو مكتب مان الآن كما كان عليه آنذاك، فأغلب كتبه وأثاثه محفوظة في أرشيف توماس مان بزيورخ، لكنه يحتوي على مائة وستة وأربعين مجلدا بأعمال جوته كما كانت معروضة سنة 1949. قال رودين: «عندي إحساس بأننا كنا جالسين هناك» وأشار إلى موضع كانت فيه أريكة منقوشة بالزهور. «كان هو جالسا إلى المكتب، والكتب جميعا من ورائه. حاولنا أن نقرأ الكعوب، لكنها كانت بعيدة للغاية». 

من بين الثلاثة، كان رودين هو الأكثر تمرسا بالتعامل مع الشخصيات ذات الحيثية. فقد سبق له العمل في التمثيل، وظهر في عدد من أفلام هوليود. فهو الذي بادر باستجواب مان. وترد في يوميات سونتاج ملاحظات أدلى بها الكاتب حول «الجبل السحري» («ألم تشعر أنها كتبت على نحو إنساني، لا يخلو من تفاؤلية؟»)، وعن «دكتور فاوستوس» («تضع إحدى قدميها في القرن السادس عشر») وعن مترجمته الدؤوبة هيلين لو بورتر («كان ناشري، ألفريد نوبف، يؤمن إيمانا عميقا بقدرة السيدة لو على ترجمتي»). غامر رودين بطرح اسم جيمس جويس، وهو من كتابه المفضلين. اعترف مان بأنه لا يتقن الإنجليزية بما يسمح له بتذوق جويس. ومع ذلك قال إنه «يعتقد أن بينه وبين جويس تماثلا - من حيث موضع الأسطورة في أعمالهما».   

لا يتقاطع الحوار الذي تطرحه سونتاج في «الحج» كثيرا مع ما تثبته اليوميات. ولا يعرف رودين كيف تسنى لها أن تتذكره كله. غير أنه يؤكد أن الحديث تناول همنجواي. وتنقل سونتاج عن مان قوله «إنني أفترض أنكم تحبون همنجواي. وهو في انطباعي أكثر الكتاب تمثيلا لأمريكا». فوجئ الصغار فغمغموا بأنهم لم يقرأوا له قط. فقال توماس «حسن، فمن الكتّاب الذين يعجبونكم؟». ذكروا جويس وكافكا وتولستوي ورومان رولاند وجاك لندن. فجاء أطرف ما في الحوار: «قال: لا بد أنكم شباب في غاية الجدية». 

أجرى بنيامين موزر حوارا مع رودين لكتابه «سونتاج: حياتها وأعمالها»، وهو السيرة التي أصدرها للكاتبة في عام 2019، ورسم في إيجاز خلفية رودين في الكتاب. لكن هذا الرجل العذب العميق يستحق سردا أكبر. ولد في مدينة كنساس سنة 1930. كانت والدته ووالده من مهاجري أوربا الشرقية اليهود، من المجر وبيلاروسيا على الترتيب. ولفترة، عزف والد رودين الكمنجة ومارس الغناء في عروض الفودفيل في شيكاغو، وكان عم ميريل ويدعى جيل رودين عازف ساكسفون في فرق بقيادة بين بولاك وبوب كروسبي شقيق بينج. وعندما أظهر رودين موهبة موسيقية ومسرحية قررت العائلة الانتقال إلى لوس أنجلوس دعما لمسيرته الفنية. 

بعث جيل رودين ابن أخيه إلى ورشة راينهارت، وهي مدرسة للفنون الأدائية يديرها المهاجر النمساوي والمخرج العظيم ماكس راينهارت الذي كان يقيم في لوس أنجلوس. كان راينهارت قد أخرج للسينما مسرحية «حلم منتصف ليلة صيف» في تناول رائع شهد الظهور السينمائي الأول لأوليفيا دي هافيلاند وميكي روني في أدائه البارز لشخصية باك، لكن مشاريعه اللاحقة لم تحقق النجاح المأمول، ومضت الورشة تكافح من أجل البقاء. ومع ذلك حقق رودين نجاحا كبيرا في ظل رعاية راينهارت الرقيقة وزوجته هيلين ثيميج. وحينما عرض رودين سنة 1941 أمسية مشاهد من شكسبير أشادت صحيفة «أوفباو» المهجرية بأدائه لدور باك معتبرة أنه تجاوز روني. بعد وفاة راينهارت في نيويورك سنة 1943 أقيمت أمسية تذكارية له في لوس أنجلوس. وكان توماس مان من جملة المتحدثين، وكذلك دي هافيلاتد، وإدوارد جي روبنسن، ومارلين ديتريتش، ورودين البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما الذي ألقى قصيدة في تكريم أستاذه. 

بدأ رودين يحظى بأدوار في أفلام هوليودية. فلعب دور صبي هولندي لاجئ مصدوم نفسيا في فيلم سنة 1942 بعنوان «عازف الناي» فحظي بحكم توماس مان عليه في يومياته بأنه فيلم «رائع». وظهر رودين أيضا في «أغنية برانديت» و«يحيا الفاتح العظيم» وأعمال مناهضة للنازية من قبيل «وفاة أدولف هتلر الغريبة» و»العرق الأسمى». ومن أبقى أدواره دور في فيلم قصير لميرفن ليروي بعنوان «البيت الذي أقيم فيه»، وكان دعوة إلى التسامح صدر في عام 1945 وحظي بتكريم فخري من جوائز أوسكار. ويلعب فيه فرانك سيناترا شخصيته الحقيقية. بعد تسجيل أغنية «لو أنك محض حلم» في الاستديو، يخرج سيناترا ليدخن سيجارة فيكتشف عصبة من الصبية يضربون ولدا يهوديا. يلعب رودين دور أحد الصبية المتنمرين. ويدور الحوار التالي: 

سيناترا: لا بد أنكم حفنة من الذئاب النازية التي قرأت عنها. 

طفل: سيدي، هل أنت مختل؟ 

سيناترا: لست بالمختل، إنما أنا أمريكي. 

رودين: حسن، فما ظنك فينا؟ 

سيناترا: نازيون 

يصحح سيناترا للأطفال خطأهم ويغني لهم الأغنية التي يحمل الفيلم عنوانها وهي من تأليف الثائرين اليساريين أبيل ميروبول وإيرل روبنسون: «الصغار في الفناء/الوجوه التي أراها/جميع الأعراق والأديان/هذه هي أمريكا التي أعرفها». ويحسن سيناترا الغناء، لكن بول روبسن فاقه في غنائها. 

اعتزل رودين التمثيل في أواخر سنوات مراهقته، مؤثرا أن يغرق نفسه في الكتب والموسيقى. ورأت عمة له كانت تقيم في بيت يقابل بيت آل سونتاج في فالي أن سوزان قد تكون صديقة ذكية مناسبة له. كان الاثنان يشتركان لا في ولعهما بكل ما هو حداثي وحسب ـ وكان الاثنان دأوبين على حضور أمسيات السطح التي كان سترافينسكي ثابتا فيها ـ لكنهما اشتركا أيضا في الميل المثلي. وقد استكشفا معا المشهد المثلي في لوس أنجلوس فكانا يتسكعان في نادي فلامنجو بغرب هوليوود، وتروبيكال فيليدج في سانتا مونيكا. ويمكن العثور في أرشيف سونتاج على قاموس فاتن من خمس صفحات لعامية المثليين يحوي تعريفات لكلمات من قبيل «ثنائي الميول»، و«المتحول»، و»المسترجلة»، و«سلسلة الأقحوان»، و«الحافة»، و»69». وقد حدث مرة أن حضرت سونتاج ورودين وماروم ـ الذي لم يكن مثليا لكنه كان مغامرا ـ ما اعتبراه «حفلة جنس جماعي» انتهت إلى نتائج محرجة غير إيروتيكية. وحدث ذلك في مثل الوقت الذي زاروا فيه توماس مان. ومما زاد اللقاء غرابة أن توماس مان نفسه كتب قصصا حول ثيمات مثلية. وفي قصة سونتاج الأولى عن الزيارة عبارة فاتنة: «كنا عشاقا لتوماس مان، لا لبعضنا بعضا». 

افترقت سوزان ورودين في أوائل الخمسينيات، وهما طالبان في جامعة شيكاغو. (أنهت سونتاج دراستها الثانوية وهي في الخامسة عشرة، وزارت هي ورودين بيت توماس مان وهي في إجازة جامعية). وكان من مصادر توتر العلاقة زواج سونتاج المفاجئ سنة 1951 بفيليب رايف، وكان من معلميها في جامعة شيكاغو. قال لي رودين: «كنا نحن الاثنان نخفي ميولنا الجنسية، فأضاف ذلك إلى التوتر». وكان ذلك العقد بالطبع جحيما على أي مثليّ. فقد تزوج رودين أيضا في عام 1961 بالطبيبة النفسية جي شواب وأنجبا أربعة أطفال. وانخرط في العمل الأكاديمي أستاذا للفلسفة والأجدب في مؤسسات عديدة، وأدار أيضا بيتا لفن السينما في رابيدس بميشيجن. ثم رجع لاحقا إلى جنوب كاليفورنيا ليصبح عميدا لكلية ويكإند الجامعية بجامعة ماونت سان ماري. وفي عيد ميلاده الثمانين، استأجرت له ابنته وأبناؤه مسرح سايلنت موفي في لوس أنجلوس وأقاموا فيه مهرجان ميريل رودين. 

في عام 1990، بعد ثلاثة أعوام من نشر قصة «الحج»، التقى رودين وسونتاج مرة أخرى في سان فرانسيسكو. تلاشات الاختلافات القديمة، وتناغم الاثنان تماما. غير أن ميريل أخبرها أن ماروم غضب لحذفه من الصورة. زعمت سونتاج أنها نسيت أمره، لكن اختفاءه يبدو مفهوما على نحو أوضح من زاوية دواعي الكتابة. ففكرة «الحج» قوامها أن شابين أمريكيين جامحين يجترئان على اقتحام حرم مقدس للثقافة الأوروبية. ويظهر رودين وهو يجري مكالمة «عابثة» بينما تفر سوزان من الغرفة في ذعر. والواقع أن ماروم هو الذي أجرى المكالمة، ولم تكن بالنسبة له رمية بغير رام. فقد ولد في ألمانيا وقدم إلى الولايات المتحدة مع أبويه المهاجرين سنة 1939. وليس ذلك فحسب، فقد كانت له صلة بأسرة مان: إذ كانت عمته الطبيبة النفسية أولجا ماروم تعرف كاتيا مان في ميونخ. وأصبح ماروم فيما بعد مساعد مخرج في هوليود فعمل في أفلام من قبيل «الخريج و«وليد روزماري» وفي اثنتين وثلاثين حلقة من «هالك المذهل». وتوفي في عام 2021. 

انتشر أبناء الجالية المهجرية الناطقة بالألمانية في ثقافة مدينة لوس أنجلوس في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. وكان منهم عازف الكيبورد والمنتج الموسيقي جاستن راينهارت، الذي عمل في عدد من ألبومات الهيب هوب الكلاسيكية المبكرة، ومنها «ذا كرونيك»لـ د. دري. وهو ابن حفيد ماكس راينهارت، وقد دعوته إلى بيت توماس مان لمقابلة آخر من بقي على قيد الحياة ممن تعاونوا مع راينهارت. ونظر الاثنان إلى شيء حصل عليه رودين من هيلين ثيميج قبل ثلاثة وثمانين عاما: وهو عبارة عن ساعة ميقاتية، ولمزيد من الدقة هو ساعة جاليت الميقاتية لليخوت وكان المخرج يستعملها في ضبط توقيت المشاهد. لم تعد الساعة تعمل، لكنها تبقى شيئا جميلا، تتناغم مع اللازمنية القائمة في غرفة مكتب توماس مان. 

من أين بالضبط نشأ إحساس سونتاج بـ«الخزي» بشأن لقاء توماس مان، إن كانت قصتها شبه الخيالية تمثيلا حقيقيا لإحساسها الواقعي؟ لا تطرح اليوميات ـ وهي أول السجلات ـ إشارات كثيرة لتلك المشاعر. بل إنها تبدو فيها مذهولة من الأمر كله، فلا تسجل فقط أقوال توماس مان وإنما تكتب بالتفصيل ما كان يرتديه («سترة لونها بيج، ربطة عنق نبيذية، حذاء أبيض») وطريقة كلامه («البطيئة الدقيقة»). وتشير ملاحظة هامشية في اليوميات إلى أن توماس مان اعتذر عن «إجاباته غير الشافية» موعزا ذلك إلى «تواضع معرفته بالإنجليزية». ولكن في أعلى إحدى الصفحات حكما أشد صراحة: «كلام الكاتب يسيء بتفاهته إلى كتبه». وهذا مكتوب بحبر مختلف عن بقية الصفحة، ويبدو منظره وكأنه أضيف لاحقا. 

قصة «في بيت توماس مان» غير المنشورة لا تبالي نسبيا هي الأخرى بـ«الحكم الجامعة» التي قالها توماس مان. بل هي في الواقع لا تكاد تنقل عنه أصلا، إنما هي بالكامل عن الترتيب اللاهث للميعاد. لكن فيها ملاحظة دالة عن ديناميات المشهد. إذ تنزعج سونتاج حينما تدرك لدى وصولها إلى المنزل أن توماس مان كان ينتظرهم. كان «بالغ التيقظ، شديد التوتر». كانت تتوقع أن يبدو الرجل العظيم منزعجا من ذلك التطفل لكنه «يمنُّ علينا بلحظات قلائل من وقته» فيقول «نعم، نعم، يا أولاد، ما الذي تحبون أن تعرفوه؟». وإذا به بدلا من ذلك وقد بدا «غير خالٍ من بعض التوتر هو نفسه». كاتيا مان أيضا كانت متوترة. «كان الأمر رهيبا، بل أكثر من رهيب». فشل توماس مان في لعب دور العبقري المهيب، كان رجلا عاديا أكثر مما ينبغي. 

من المرجح للغاية أن توماس مان كان قلقا من ظن أولئك المراهقين الأذكياء فيه. ولعل ذكرهم لجويس جدد فيه الخوف من تخلفه عن صدارة الحداثة الأدبية. والحق أن تقدير سونتاج لتوماس مان سرعان ما تضاءل. ففي يونيو سنة 1950 كتبت في يومياتها: «يؤسفني القول إن الجبل السحري بدأت تبدو لي متهافتة. لعلها، في نهاية المطاف، ليست الرواية العظمى». وفي سنوات تالية، استهانت سونتاج بتوماس مان، وباتت تثني أكثر على بروست وكافكا وبيكيت. وفي «ضد التأويل»، انتقدت افتقار توماس مان إلى القوة المحضة: «قد يشعر كاتب في بعض الأحيان بعدم الارتياح لقوة فنه العارية، فيحاول أن يدرج في العمل نفسه ـ وإن على استحياء، وبلمسة من السخرية الجيدة ـ تأويله الواضح الصريح. وتوماس مان مثال لهذا الكاتب المفرط في التعاون». وكثير من قراء متاهة أعمال توماس مان سيجدون أن هذه الصيغة مربكة، لكن لعل فيها صدى لسلوكه في ذلك اليوم في باسيفيك باليسيدز. 

ولعل عدم ارتياح توماس مان كانت له جذور أعمق. ففي يومياته الخاصة بالثامن والعشرين من ديسمبر سنة 1949، يرد لقاؤه بسونتاج ومن معها عابرا: «في العصر، لقاء مع ثلاثة طلبة من شيكاغو عن الجبل السحري». كانت أمور أخرى تؤرقه «بالأمس أنهيت كتابة مقالتي الحماسية (بمناسبة مجلة)». وكتب أن نشر هذه المقالة «يقتضي تفكيرا كثيرا، لأنه قد يؤدي إلى سقوطي هنا». فقد كانت الغاية من كتابة تلك المقالة ـ المكتوبة عن مجلة إكستمبور السويسرية الفصلية ـ أن تكون إدانة مدوية لهستيريا مناهضة الشيوعية على غرار «أتهم» لزولا. وقد هوجم توماس مان نفسه لميول وتعاطفات حمراء. ذكّره ذلك النقد اللاذع بألمانيا في سنوات ما قبل 1933. وفي مقالة «بمناسبة مجلة» التي ربما كانت مكتوبة للنشر في أوفباو، أبدى مان رثاءه لما تشهده أمريكا من «انحدار أخلاقي صادم» وأدان «التعتيم الفاشي» في وسائل الإعلام، واستنكر دعم شاه إيران. ولم تنشر المقالة قط. في عام 1952، مضى مان إلى المنفى من جديد، ليقضي سنواته الأخيرة في سويسرا. وحينما مات كلبه نيكو، خلفه كلب آخر اسمه أولجر، تيمنا بأولجر هيس [السياسي الأمريكي الذي تم اتهامه بالتجسس لصالح الشيوعيين]. 

لو كان توماس مان قد كشف لزواره عن مصاعبه الشخصية الكبيرة، وهو أمر بعيد الاحتمال، هل كانت سونتاج لتحسن الظن به؟ ليس بالضرورة. فهي في «الحج»، تبدي استعلاء واضحا على عمل الكاتب بالسياسة: «كانت لتوماس مان مكانة العراف في أمريكا المحافظة على عهد روزفلت، فهو الذي يعرب عن شر ألمانيا الهتلرية المطلق ونصر الديمقراطيات القادم. ولم تنل الهجرة من ذائقته أو موهبته فتجعله شخصية ممثلة». سونتاج على النقيض كانت في طريقها إلى نوع من الاستطيقية الإيروتيكية. ففي مقالتها «ملاحظات على كامب» المنشورة سنة 1964 وصفت الحساسية المثلية التي درستها مع ميريل رودين بأنها «منفصلة، وغير مسيسة، أو هي على الأقل منافية للسياسة». ثم عادت فعدلت مواقفها بعد ذلك من الفن السياسي، لكن توماس مان لم يسترد قط هالته القديمة لديها في عالم العظماء. 

ليس من المستحيل أن نتخيل أن ما كان يحتمل أن يقوله توماس مان لو عرضت عليه أزمة إحساس سونتاج بالخزي. فطالما تأمل مشكلة الفنان صاحب الكاريزما، والمخاطر الخفية الكامنة في الولع الاستطيقي. ويظهر هذا الأمر في رواية سونتاج المفضلة آنذاك أي «الجبل السحري»، كما يطغى على «دكتور فاوستوس»، وهي حكاية عبقري في أمة جن جنونها. ربما كان توماس مان ليذهب إلى أنه لا توجد فقط فضيلة أخلاقية، وإنما فضيلة فنية أيضا، في أن يكون المرء تافها ومملا. فهذا وقاء من الولع. لأن عبادة العظمة تفضي في أفضل الحالات إلى خيبة الأمل، وفي أسوئها إلى الجنون الذي أطلقه هتلر الفاجنري. وكل حج إنما يحيط به الشك: فكان توماس مان يزدري ضريح فاجنر في بايرويت على هذا الأساس، وكتب أنه «بالنسبة للشباب فقط، يبدو الإعجاب والتقديس شيئا واحدا». 

 أليكس روس ناقد موسيقي أمريكي بارز يشغل منذ عام 1996 منصب ناقد الموسيقى في مجلة ذا نيويوركر، حيث يكتب أساسًا عن الموسيقى الكلاسيكية من الأوبرا إلى التجارب الطليعية المعاصرة، كما يساهم بمقالات في الأدب والتاريخ والفنون البصرية والسينما والبيئة. 

 عن مجلة نيويوركر