تكمن أهمية كتاب المقام والأثر للكاتب عز الدين بوركه، في تسليطه ضوءا كاشفا على موضوع أخذ في تشكله وتكونه تدرجات تاريخية طويلة لكي ينزاح من الهامش إلى الضوء، حتى صار حاليا جزءا من الفن واللوحة المرسومة، بعد أن كان مجرد خلفية بعيدة لا تشكل سوى فضاء سببيا للولادة التدريجية للوحة الفنية، والمقصود هنا المرسم أو فضاء خلوة الفنان، ليتحول بالتالي هذا الفضاء المحيط باللوحة و الرحم الأساس لتشكلها الجنيني ثم ولادتها ومشاهدتها في أضواء صالات العرض والتأمل العام، يتحول مع الوقت من مركن سري ومطبخ متوار إلى موضوع للرسم واللوحات. فضاء الإنتاج الأولي للوحة بعفويته وامتلاء حيزه بالأصباغ الفائضة والقوارير المركونة كيفما اتفق، صار مع الوقت لوحات بحد ذاتها تلفت النظر وتستدعي التأمل. كما أنها تجيب على سؤال الجمهور المتمثل في كيفية إنجاز اللوحة من قبل الفنان وتحت أي سقف أو فضاء، وهل لهذا المرسم من تواجد في اللوحة أم أنه مجرد مكان وحيز هلامي لا يمكن أن يضيف الكثير؟ هذه الأسئلة هي التي دعت الباحث بوركة لكي ينجز بحثه المتميز بلغة بليغة وأقسام وافية، إلى جانب ترصعه بلوحات نادرة، أيضا مجهوده لم يخل من مرجعيات عربية وأجنبية كما تكشف عنه البيوغرافيا الملحقة بالدراسة التي صدرت هذا العام 2026 عن دار خطوط وظلال الأردنية. الدراسة قدمها الفنان العراقي كريم سعدون الذي قال عنها: «تعد هذه الدراسة ملهمة في التعرف على المسعى الحقيقي للحركة التشكيلية ولإعادة النظر في المنطلقات التي وجدت في متن الكتابات النقدية أو التي شكلت متنا مؤرخا لها، ولتكن عتبة معرفية لتناول الورشة والتعرف على نشأتها الحديثة. ونحن نفتقد إلى دراسات جادة من هذا النوع التي تتناول ورشة الرسم». بدأت الدراسة بالورشة في التاريخ العربي الفني، حيث يرى الباحث أن الورشة ليست فقط موضعا ثابتا تنجز فيه الأعمال وفق مخطط مسبق، وإنما هي بنية متحولة تبنى ويفكر فيها بحسب ضروريات التجربة الفنية، وما تفرضه العلاقة الحية بين الفنان ومادته وأدواته، وقد تتبع الباحث بدايات الاهتمام بالمرسم في التاريخ البشري الذي كان للعالم العربي والإسلامي نصيب فيه، حيث نجد في التاريخ العربي الإسلامي أن ورش الرسم كانت داخل بلاطات السلاطين والإمارات بمثابة مواقع إنتاج بصري محوري للفنون الكتابية وخصوصا في فن المنمنمات التي تدمج بين التشكيل الفني وكتابة الكتب المخطوطة. ويستحضر الكاتب في هذا السياق الواسطي في القرن الرابع الهجري والأدوات التي يستخدمها في نمنماته، كما يستحضر لوحة الفنان العثماني تاليكي زاده برفقة الفنان نقاش حسن وهما يعتكفان على لوحة الشاهنامة المقدمة للسلطان العثماني محمد الثالث في القرن السادس عشر الميلادي. كما يمكن أن تكون الورشة حديقة وليست بالضرورة معملا، كما نجد ذلك مع لوحة بها فنان يخط خطوطا في كتاب وهو يوثق بأمر من الخليفة العثماني تاريخا لفترة حكمه، سنجد هنا أيضا أن الخط يمتزج مع الصورة، حيث يصير الخط بدوره فنا له قواعد لا تقل تعقيدا وصرامة عن قواعد رسم اللوحة. في القرون اللاحقة يتعرج البحث إلى الورش الجماعية في الحياة الأوروبية في القرون الوسطى، حيث يجتمع الفنانون في ورشة جماعية كل يرسم لوحته، وقد استعرضت الدراسة مجموعة من هذه اللوحات. تميز البحث أيضا بأنه يعرج ببطء على مختلف مراحل وتقلبات العلاقة بين اللوحة والمرسم، وهو في كل مرة يجد شاهدا على ما يذكر ما يدل على أن الدراسة بذلت جهدا في الحصول على لوحات نادرة بغرض توثيقها في كتاب يتتبع تطور هذه العلاقة البنائية بين اللوحة وفضائها المادي. يرى الباحث أن ضمن أهمية الفنان الهولندي فان جوخ هو النقلة التي أحدثها في الفن باهتمامه الشديد بورشته أو مرسمه، ولم تكن ورشة الفنان العالمي الأشهر سوى غرفة صفراء، وهي ما تبرز كثيرا في مختلف لوحاته كخلفية لها «حيث يتطابق المكان مع الذات، وتغدو أبسط العناصر حوامل لمعنى تشكيلي كامل».
الورشة بوصفها عملا فنيا:
يرى الباحث أنه مع تقدم الزمن بدأت الورشة تتحول إلى عمل فني، حيث بدأ بعض الفنانين يكرسون جهدهم في رسم فضاءات عملهم واستعراضها على هيئة لوحات فنية، لتحول الورشة إلى فضاء تأملي مثلها مثل اللوحة المرسومة، بل هي لوحة ولكن موضوعها واضح ومحدد، إنها بيت الفنان ومركنه وحيز خلوته. وقد تعددت الورش المرسومة بين حيز مغلق محدد المعالم في غرفة أو صالة ذات نوافذ، أو مكان مفتوح مثل مشهد بحري أو مكان في غابة كما عند النفان غوغان المولع بالغابات. بل صار بعض الفنانين يقصدون مناطق مختلفة في العالم، هناك أيضا لوحة «الفنان في مرسمه» للفنان الفرنسي هوبرت روبرت، الذي صار يرسم نفسه وهو منشغل بالرسم في فضاء تقليدي واسع الأبعاد، سنجد أيضا الفنان هنري ماتيس يرسم لوحة ويطلق عليها عنوانا دالا» الورشة الحمراء» ليكون كامل موضوع لوحته هو المرسم الذي يعمل فيه. الدراسة تزخر أيضا بعشرات الأسماء في هذا السياق المتمثل في اعتبار مكان الخلوة أو الورشة موضوعا للإبداع، وقد خصص الفصل الأخير من الدراسة لاستعراض عدد مهم من اللوحات شكلت انعطافا في تاريخ الفن في سياق علاقة الفنان بورشته أو بمعمله، حيث كان الباحث في تضاعيف دراسته يشير إلى هذه اللوحات ويستغرق في تفسير أهم جوانبها وأبعادها الجمالية، فالكاتب عزالدين عرف متخصصا في مجال النظرية التشكيلية ولديه أكثر من كتاب مهم في هذا السياق، كما فاز مؤخرا بالمركز الأول بجائزة الشارقة للأبحاث المتعلقة بالفن التشكيلي والصورة. والتنظير في الفن مطلب مهم عربيا ولا نجد حاليا من يزاوله إلا قلة من النقاد والمتخصصين، فهذا النوع من التنظير اللماح والمجتهد يظل رافدا مهما للفن التشكيلي، يوضح للمتابع مختلف زوايا اشتغالات الفن، وطبيعة تراكم الرؤية التشكيلية في العالم عبر العصور، فالفن مثل الموسيقى عابر للهويات وإنساني الطابع علاوة على قيمته الجمالية التي تجمع القلوب وأذهان التأمل من مختلف ربوع البسيطة.
ألبوم الصور واللوحات
خصص الباحث في نهاية دراسته مسردا ثريا للوحات الفنية التي سجلت علاقتها بالمرسم مثل لوحة بعنوان» ورشة المنمنمات التركية» وبرز فيها ثلاثة خطاطين بملابسهم التقليدية وعمائمهم البيضاء، مستندين على مرافع ومنشغلين بالعمل، ثم لوحة أخرى فارسية قديمة بعنوان «مجلس الكاتب والنقاش» وبها خمسة أشخاص خلفهم فتاتين واقفتين بملابس تقليدية وهم يستمعون إلى المعلم وهو يشرح الدرس.
وهناك أيضا رسالة نادرة بعثها فان جوخ إلى غوغان وهو يشرح له ظروفه حيث رسم في النصف العلوي من الرسالة غرفته الضيقة التي يعيش فيها وقد أبرز كل التفاصيل الصغيرة التي تترصع بها الغرفة الرتيبة من سرير صغير وطاولة وهناك أيضا ثلاثة لوحات ملعقة في السقف. نجد أيضا صورة بعنوان «الفنان في مرسمه» لرامبرانت وهو واقف يتأمل من بعيد لوحته بعد أن رسمها، ويتضح في اللوحة فضاء المرسم وأبعاده التقليدية. من اللوحات الملفتة أيضا للفنان جيريت دو بعنوان «فنان في مرسم» نرى فيها مزجا للمتناقضات مثل وجود آلة عود مركونة إلى جانب حاجياته الخاصة وبعض المقتنيات التي تعكس أفكارا سوداوية مثل تجسيم لجمجمة. هناك أيضا لوحة لأدوارد مانيه تمثل قارب وسط النهر حيث استخدمه الفنان كمرسم عائم. تتدرج الدراسة في عرض المقتنيات من الصور إلى أن نصل إلى طفرة الحداثة الفنية مع مجموعة من الفنانين المعاصرين، مثل لوحات الفنان الياباني كايكاي كيكي صاحب شركة فنية يابانية تعرف بإنتاج أعمال فنية بأسلوب «السوبر فلات» حيث يدمج بين الثفافة اليابانية وفن البوب الحديث.tttt