إليزابيث كولبرت

ترجمة: بدر بن خميس الظفري

كانت طفولة جدتي في جمهورية فايمار -على الأقل كما وصفتها- مثالية. نشأت في غرونيفالد، وهي منطقة هادئة وارفة الأشجار في برلين؛ حيث كانت تسبح وتتجول بالقوارب في بحيراتها الجميلة العديدة. كان والداها، رغم يهوديتهما، يقيمان حفلات عيد ميلاد فخمة ويحتفلان بأعياد ميلاد بناتهما الثلاث؛ حيث كان يُتوقع منهن إلقاء الشعر. أرسلا الفتيات إلى المخيمات الصيفية والمدارس الخاصة، واعتبرا نفسيهما مندمجين في الطبقة البرجوازية العليا في المدينة. حتى بعد حريق الرايخستاغ، الذي وقع عندما كانت جدتي في العشرين من عمرها، أصرت على أنه لا يزال هناك الكثير من المرح. كانت تحب أن تروي قصة صديقها، الملقب بـ«بوميل»، الذي خلع بذلته الرسمية بعد ليلة رأس سنة ماجنة، وطواها بعناية بجانبه، وغطّ في نوم عميق في الشارع.

قبل ليلة البلور بقليل، في عام 1938، هاجرت جدتي -التي كانت متزوجة آنذاك ولديها ابنة- إلى نيويورك. بعد ولادتي أنا، ابنة تلك الابنة، كانت تقول لي: «كنا من المحظوظين». تمكنت جدتي من إخراج عائلتها المقربة من ألمانيا بفضل عم ثري في شيكاغو. لكن هذا لم يكن ما تعنيه. لقد كانت هي وجدي «محظوظين» لأن الخيار الصعب الوحيد الذي كان عليهما اتخاذه هو الفرار، وهذا الخيار، في الواقع، قد اتُخذ نيابة عنهما. لقد حسم التاريخ العديد من القرارات الصعبة.

على مر السنين، لطالما تذكرت كلمات جدتي. مؤخرا، بينما كنت أقرأ كتاب إيان بورما الجديد، «ابقَ حيّا: برلين، 1939-1945»، الصادر عن دار بنغوين للنشر، تكررت هذه الكلمات مرارا وتكرارا. بورما كاتب نشأ في هولندا. في الصفحات الأولى من كتابه «ابقَ حيّا»، يروي قصة والده، ليو، الذي كانت تجربته، في جوانب كبيرة، صورة طبق الأصل لتجربة جدتي. لم يخرج ليو من برلين هربا من النازيين؛ بل وصل إليها ليعمل لصالحهم.

كان ليو يدرس القانون في هولندا المحتلة عندما طالب الألمان الطلاب الهولنديين بالتوقيع على قسم الولاء. بدلا من الامتثال، اختفى عن الأنظار. ولأسباب لم يتمكن من معرفتها قط، نصحه طالب آخر، كان قد اختفى هو الآخر، بالعودة إلى مسقط رأسه نيميغن. جاء والد ليو لاستقباله في محطة القطار، وسرعان ما حاصرت الشرطة الرجلين. كان على ليو أن يتخذ قرارا صعبا، إما أن يتعاون مع النازيين أو أن يُعتقل هو ووالده. فاختار الخيار الأول وأُرسل إلى معسكر عمل في ليشتنبرغ، وهي منطقة تقع في شرق برلين.

كان ليو من بين الناجين، وإن كان من غير الواضح كيف نجا. في وقت ما، التقى بالسيدة ليناردت، أرملة محامٍ يهودي، التي كانت تسكن في الجانب الآخر من المدينة. كان منزل ليناردت أنيقا ودافئا، ويبدو أن ليو أمضى فيه وقتا طويلا، يرافقها على البيانو. وبحلول نهاية الحرب، انتقل للعيش في منزل ليناردت. في أبريل 1945، طرق جنود روس الباب. وعندما عثروا على مسدس، كان ملكا لأحد المقربين من ليناردت، كاد الروس أن يقتلوا جميع من في المنزل.

يذكر بورما أن فترة وجود ليو في برلين ظلت تطارده حتى وفاته عام 2020. كان يعلم أن بعض معاصريه، الذين ظلوا مختبئين، يعتبرونه «منحرفا أخلاقيّا». فهل كان كذلك؟ هل كان هذا صحيحا، كما يوحي تعبير جدتي، بالنسبة لجميع سكان العاصمة، بمن فيهم العديد من سكان برلين الذين احتقروا النازيين وقضوا سنوات الحرب في محاولة يائسة لتأمين لقمة العيش؟ يكتب بورما: «أردتُ أن أعرف المزيد عن الحياة في المدينة التي طبعت حياة والدي».

في الأول من سبتمبر عام 1939، يوم غزو الألمان لبولندا، ألقى هتلر خطابا في برلين، في دار أوبرا كرول. بُثّ الخطاب عبر الإذاعة، كما نُقل عبر مكبرات الصوت إلى الشوارع. بعد يومين، أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب. ومرة أخرى، انتشر الخبر في أرجاء العاصمة بسرعة. سمع ويليام شيرر، مراسل إذاعة سي بي إس في برلين، الإعلان من مكبرات الصوت في ساحة فيلهلم. كان نحو مائتين وخمسين من سكان برلين يقفون حوله في الساحة المشمسة. أفاد شيرر: «استمعوا بانتباه إلى الإعلان. وعندما انتهى، لم يكن هناك أي همس. بقوا واقفين كما كانوا من قبل».

كانت برلين آنذاك أكبر مدن أوروبا القارية، ويبلغ عدد سكانها قرابة أربعة ملايين ونصف المليون نسمة. وكان من المستحيل معرفة ما يدور في أذهان سكانها، سواء كانوا من عامة الناس أو من غيرهم، مع بداية الحرب العالمية الثانية. فمنذ مرسوم حريق الرايخستاغ عام 1933، أصبحت ألمانيا دولة الحزب الواحد، ولم يكن يُسمح إلا للنازيين بالتعبير عن آرائهم بحرية.

وبعد الحرب، كان من الصعب أيضا الحصول على رواية صادقة لتجارب سكان برلين. فقد انخفض عدد سكان المدينة بمقدار مليون ونصف المليون نسمة، وحوّل قصف الحلفاء العديد من الأحياء إلى ركام. وقلّما رغب أحد في الخوض فيما رآه، أو في مواجهة دوره في الكارثة. وقد وصف الكاتب الألماني هانز ماغنوس إنتسنسبيرغر ردة الفعل الجماعية بأنها «نوع من الجنون الأخلاقي». كتبت الصحفية الأمريكية مارثا غيلهورن، التي سافرت إلى منطقة الراين قبل يوم النصر في أوروبا بقليل، تقريرا شهيرا جاء فيه: «لا أحد نازي. لم يكن أحد كذلك قط. ربما كان هناك بعض النازيين في القرية المجاورة، وفي الواقع، كانت تلك البلدة التي تبعد حوالي عشرين كيلومترا بؤرة حقيقية للنازية. لأكون صريحة معكم، كان هناك الكثير من الشيوعيين هنا. لطالما عُرفنا بأننا شيوعيون جدا. أما اليهود؟ حسنا، لم يكن هناك الكثير منهم في هذا الحي. اثنان، ربما ستة. تم ترحيلهم. أخفيتُ يهوديّا لمدة ستة أسابيع. أخفيتُ يهوديّا لمدة ثمانية أسابيع. (أخفيتُ يهوديّا، أخفى يهوديّا، جميع أبناء الله أخفوا يهودا)».

بعد ثمانين عاما، أصبحت المهمة التي وضعها بورما على عاتقه -وهي معرفة كيف كانت الحياة في برلين زمن الحرب- أصعب بكثير، من نواحٍ واضحة. معظم من عايشوا تلك الفترة، مثل ليو، دفنوا ذكرياتهم معهم. لكن من بعض النواحي، أصبح الأمر أسهل. فمع رحيل ما يُسمى بجيل الجناة، أصبحت ألمانيا كأمة أكثر انفتاحا على ماضيها. ويتجلى هذا بوضوح في برلين؛ حيث يصعب السير بضع خطوات دون مصادفة لافتة أو لوحة تذكارية أو نصب تذكاري يُخلّد ذكرى فظائع وقعت هناك. في العقود القليلة الماضية، نُشرت مذكرات عدد من سكان برلين الذين عاشوا الحرب، إلى جانب مجموعة متنوعة من المذكرات الشخصية ومجموعات الرسائل.

يعتمد بورما بشكل كبير على أعمال مثل «الكتاب الأزرق»، وهو مذكرات كتبها إريك كاستنر خلال الحرب، ولم تُنشر كاملة إلا في عام 2006. (كاستنر، المعروف بقصته للأطفال «إميل والمحققون»، أخفى هذا المجلد بين آلاف الكتب الأخرى التي يملكها، وكإجراء احترازي إضافي، كتب فيه بالاختزال). يظهر كاستنر مرارا وتكرارا في كتاب «ابقَ حيّا» كشبحٍ مضطرب.

وكذلك عازف جيتار نصف يهودي يُدعى كوكو شومان، الذي كتب مذكرات نُشرت بالألمانية عام 1997، صدرت ترجمة إنجليزية لها عام 2016. كان شومان جزءا من مجموعة من المراهقين المُحبّين لموسيقى الجاز، والذين كانوا يُحبّون تحية بعضهم البعض بعبارة «سوينغ هايل!» العفوية. أمضى هو وأصدقاؤه الليلة التي تلت غزو بولندا يستمعون إلى الموسيقى في حانة على شارع كورفورستندام. بعد ثلاث سنوات، كان شومان لا يزال يعزف في نوادي الجاز، رغم حظر موسيقى الجاز، متجاهلا قانون النازيين الذي يُلزم جميع اليهود بارتداء النجمة الصفراء. في إحدى الأمسيات، كان قد أنهى لتوه فقرة موسيقية عندما اقترب منه أحد رجال قوات الأمن الخاصة النازية.

يقول شومان إنه صرخ: «يجب أن تعتقلني! أنا قاصر، ويهودي أيضا!». بدا رجل قوات الأمن الخاصة النازية في البداية مرتبكا، ثم انفجر ضاحكا. من الواضح أن شومان كان يمزح.

يُشبه كتاب «ابقَ حيّا» في تنظيمه اليوميات؛ حيث يُخصص قسم لكل عام من أعوام الحرب. يُمكّن هذا الهيكل بورما من دمج مجموعة واسعة من وجهات النظر؛ فبالإضافة إلى اليوميات والمذكرات والرسائل، يعتمد على الإعلانات ومجلات الموضة ومنشورات الدعاية ومقابلات مع كبار السن من سكان برلين. يُسمح للطلاب والموسيقيين وفتيات النازية وأعضاء المقاومة بالتعبير عن أنفسهم -ليحكموا على سلوكهم، أو يلتزموا الصمت.

بحسب مصادر بورما، استمرت الحياة في عام 1939 على حالها إلى حد كبير بالنسبة لمعظم سكان برلين، وإن كان ذلك مع إضاءة أقل، إذ أُطفئت أضواء الشوارع، وطعام أقل، حيث تم تقنين استهلاك البيرة والحليب واللحوم. وازداد الإقبال على دور السينما في المدينة. عُرضت مسرحية غوته «إيفيجينيا في تاوريس» في مسرح فولكسبيون، وعُرضت أوبرا «توسكا» في دار الأوبرا الشعبية. ينقل بورما عن امرأة تُدعى هيلده كورسيك، كانت تدرس الطب في برلين عندما اندلعت الحرب، قولها في مقابلة تلفزيونية: «لقد استمتعنا كثيرا. لقد كان وقتا رائعا، خاصة في الليل عندما كنا نرقص مع مجموعات صغيرة من الأصدقاء». ويجري بورما نفسه مقابلة مع شخص من برلين يُدعى يورغ سونابيند، كان في المدرسة الابتدائية عندما اندلعت الحرب. يقول سونابيند: «في صغري، لا بد لي من الاعتراف بأنني كنت أحب الزي العسكري. ولكن بخلاف ذلك، كانت الأمور طبيعية تماما».

يكتب بورما: «إنّ تمتع بعض سكان برلين بحياة طبيعية، بل رائعة، بينما يتعرض آخرون للتعذيب في أقبية الجستابو في شارع برينز-ألبريشت، ويُقتلون أو يُجبرون على العمل حتى الموت في ساكسنهاوزن، أمرٌ مُقلق، لكن لا ينبغي أن يُفاجئ أحدا. فالبشر يتأقلمون، ويواصلون حياتهم، وينصرفون عن الأمور التي لا يرغبون في سماعها أو رؤيتها».

سرعان ما أصبح من الصعب على سكان برلين البقاء غافلين تماما. ففي أغسطس 1940، بدأ البريطانيون قصف المدينة؛ وكانت صفارات الإنذار تُدوّي كل ليلة تقريبا. أما النازيون، الذين يبدو أنهم لم يتوقعوا أن تصل الحرب التي أشعلوها إلى عاصمتهم، فقد أمروا متأخرا ببناء ملاجئ ضخمة. بعد الحرب، تحوّل أحد هذه الملاجئ، الذي صمّمه المهندس المعماري المُفضّل لدى هتلر، ألبرت شبير، إلى سجن سوفييتي، ثم إلى مخزن فواكه، ثم إلى قاعة حفلات صاخبة. وهو الآن يضم مجموعة من لوحات وآثار الفن المعاصر.

معظم اليهود الذين بقوا في برلين أو تقطعت بهم السبل هناك، والبالغ عددهم نحو ثمانين ألفا، جُمعوا في البداية في بيوت يهودية. من بينهم كانت هيدويغ إيمس، قريبة بورما من جهة والدته. في عام 1941، عندما بدأت عملية ترحيل يهود المدينة على نطاق واسع، كانت إيمس في أوائل السبعينيات من عمرها. كتبت إيمس في مذكراتها غير المنشورة: «كلما التقيت بأحد معارفي، كان السؤال الأول حتما: هل ستنتحر، أم ستدعهم يرحلونك؟». كانت القطارات المتجهة إلى معسكرات الاعتقال تغادر من الرصيف 17 في محطة غرونيفالد، وهو اليوم موقع نصب تذكاري آخر قاتم. في مذكراتها، تذكر إيمس اثني عشر فردا من عائلتها انتحروا، وفردا واحدا أُعيد إحياؤه بعد محاولة انتحار، لكنه توفي لاحقا في تيريزينشتات. نجت إيمس نفسها من معسكر تيريزينشتات، وهو ما عزته إلى قرارها بارتداء أربع عشرة طبقة من الملابس عند اعتقالها.

في صيف عام 1941، بررت ألمانيا غزوها للاتحاد السوفييتي بأنه ضربة استباقية ضد «اليهود البلاشفة». وفي ربيع العام التالي، ومع انشغال الفيرماخت خارج موسكو، أقام النازيون كرنفالا ساخرا بجوار كاتدرائية برلين، أطلقوا عليه اسم «الجنة السوفييتية». داخل سلسلة من الخيام، كان بإمكان الزوار التحديق في صور زُعم أنها تُظهر معسكرات العمل القسري السوفييتية، والتجول فيما كان يُفترض أنه نسخة طبق الأصل من قرية روسية - قرية يعيش فيها الناس في حفر تحت الأرض. لاقى هذا المشهد المروع إقبالا كبيرا، ففي غضون ستة أسابيع فقط، توافد أكثر من مليون برليني لمشاهدته. ويشير بورما إلى أن صور الدعاية كانت مزيفة. كان العديد من العمال الظاهرين في الصور سجناء في معسكر اعتقال زاكسنهاوزن، شمال المدينة مباشرة، حيث قُتل ما لا يقل عن ثلاثين ألف شخص.

وصلت معركة ستالينغراد، التي تُوصف غالبا بأنها نقطة تحول الحرب، إلى نهايتها الدامية في فبراير 1943. وبلغت الخسائر الألمانية نحو مليون قتيل، وكانت الخسائر السوفييتية أكبر. كتب إريك كاستنر في مذكراته: «أصبح الجو في ألمانيا كئيبا للغاية». ومع اقتراب نهاية الشهر، شرعت السلطات في جمع ما تبقى من يهود برلين، وكان معظمهم يُجبرون على العمل في مصانع الذخيرة. لجأ بعضهم إلى العمل السري. وحافظ ما يُسمى بـ«الغواصين» على حياتهم بالتنقل المستمر، والنوم في أي مكان يعتقدون أنه يمكنهم فيه تجنب اكتشافهم، بما في ذلك حديقة حيوان برلين. في هذه الأثناء، استأنف البريطانيون قصفهم للمدينة، بعد فترة هدوء ركزوا خلالها على تدمير موانئ ألمانيا.

عندما وصل ليو بورما إلى العاصمة في مايو، عُيّن للعمل في شركة كنور للمكابح، وهي شركة كانت تُصنّع، بالإضافة إلى المكابح، الرشاشات الخفيفة. كانت هذه الرشاشات رديئة الصنع لدرجة أن قوات الأمن الخاصة (إس إس) سلمتها إلى حلفائها في أماكن مثل لاتفيا. ولعلّ إتقانه للغة الألمانية أسهم في إعفائه سريعا من العمل اليدوي وإرساله للعمل في قسم الحسابات في شركة كنور. لا بدّ أنه لم يكن يتقاضى أجرا كبيرا؛ ومع ذلك، يكتب بورما أنه «كان قادرا على حضور حفلات موسيقية كلاسيكية في قاعة برلين الفيلهارمونية، ومشاهدة مباريات كرة القدم، والتنزه حول البحيرات العديدة في ضواحي برلين، والذهاب إلى السينما». تناول أول وجبة صينية له في مطعم على شارع كورفورستندام؛ وحضر حفلة رقص في معسكر عمل آخر؛ ونشأت بينه وبين عاملة أوكرانية تُدعى ناديا علاقة عاطفية، أو ربما مجرد مغازلة. كتب ليو في رسالة إلى والديه: «إنها امرأة متزوجة وعفيفة».

كان العمال الهولنديون في كنور يوضعون معا في سكنات في ثكنات باردة. وفي مكان قريب، كانت هناك مساكن أكثر تحصينا للعمال الروس. في نوفمبر، دمرت القنابل المعسكر الروسي. كتب ليو إلى أهله: «لقد كانت الليلة الماضية مخيفة بعض الشيء، لكن لا تقلقوا عليّ كثيرا».

يحب بورما النكات، وقد روى العديد منها التي انتشرت في برلين أثناء هطول القنابل. إحداها كانت كالتالي:

رجل في ملجأ من الغارات الجوية: «أين كنا سنكون لولا قائدنا؟»

صوت هادئ من خلفه: «في الفراش»

نكتة أخرى كانت كالآتي:

انتهى النظام النازي. صدر الحكم. هتلر، وغورينغ، وغوبلز معلقون على المشنقة. غورينغ، الذي يدّعي المعرفة بكل شيء، يلتفت إلى غوبلز للمرة الأخيرة ويقول متأوها: «كما قلت لك دائما: سيُحسم كل شيء في الجو». tttt

عنوان بوروما مستمد من طرفة لغوية يصعب نقل روحها إلى الإنجليزية. فقد أشار الكاتب الألماني كاستنر إلى أن التحية الجديدة في برلين أصبحت: «ابقَ حيًّا». غير أن العبارة الألمانية المستخدمة (übrig bleiben) لا تعني البقاء فحسب، بل تُستخدم عادة للدلالة على ما يتبقى من الأشياء، كقطعة كعك أخيرة أو بعض الفكة.

بحلول عام 1944، كان جزء كبير من برلين عبارة عن حطام. كتبت إحدى عضوات «اتحاد الفتيات الألمانيات»، النسخة النسائية من «شباب هتلر»، في مذكراتها: «أنا خائنة حقيرة... أتمنى السلام، تحديدًا من أجل الجنود. هل هذا هو الموقف اللائق بامرأة بروسية، امرأة ألمانية؟ كلا، كلا بالتأكيد».

كلما زادت المؤشرات على الهزيمة، ازدادت محاولات النازيين شراسة للقضاء على «روح الهزيمة». شكّلوا فرقة عمل خاصة للتجسس على رواد المقاهي، وحتى الملاجئ، ونقل التعليقات السلبية. كان من بين سكان برلين الذين سُمعوا يسخرون من الفوهرر رسام كاريكاتير يُدعى إريك أوسر. خلال فترة جمهورية فايمار، عمل أوسر في صحيفة يسارية، ونتيجة لذلك، منعه النازيون من ممارسة مهنته. تحت اسم مستعار، نشر سلسلة قصص مصورة شهيرة، ثم عمل، ويا للعجب، في صحيفة غوبلز الدعائية «داس رايخ»، يرسم كاريكاتيرات لقادة الحلفاء. اعتُقل أوسر بسبب آرائه المناهضة للنازية، وانتحر شنقًا في زنزانته قبل يوم من بدء محاكمته. أما صديقه الصحفي الذي اعتُقل معه، فقد قُطع رأسه.

في أوائل عام 1945، ومع اقتراب السوفييت من برلين، أُجبر أسرى الحرب على حفر خنادق للدبابات في شوارع المدينة المليئة بالأنقاض. كان يُشار إلى هذه النصب -على الأقل في السر- باسم «لاخسبيرن» أو «الفخاخ الهزلية»، إذ بدا أن فائدتها الوحيدة هي إضحاك السوفييت. واستمرت مطاردة المنهزمين، بوحشية متزايدة. كان رجال قوات الأمن الخاصة والشرطة العسكرية يجوبون الشوارع بحثًا عن الفارين من الخدمة و«الجبناء». وعندما يعثرون على شخص يعتقدون أنه ينطبق عليه الوصف، كانوا يعلقونه على عمود إنارة. كتبت روث أندرياس-فريدريش، وهي صحفية ألمانية كانت عضوة في جماعة مقاومة تُدعى «العم إميل»، في مذكراتها عن رؤيتها لإحدى هذه الجثث. حاول المارة ألا ينظروا إلى الجثة التي كانت تتأرجح في مهب الريح. ولاحظت أندرياس-فريدريش قائلة: «هناك أعمدة إنارة كثيرة في برلين، بالآلاف».

بين الحين والآخر، يُلقي كتاب «ابقَ على قيد الحياة» نظرة خاطفة على حياة سكان برلين الذين واجهوا خيارات صعبة، وهي خيارات شعرت جدتي بأنها محظوظة لأنها تجنبتها. كانت ماري جالوفيتش واحدة من حوالي ألف وخمسمائة يهودي من برلين نجوا من الحرب كـ«غواصين». في عام 1942، كانت تختبئ لدى أحد أقاربها البعيدين عندما وجدت زوج قريبتها واقفًا بجانب سريرها. «تمتم ببعض الكلمات البذيئة المقززة بشكل غير واضح»، كما تذكر جالوفيتش لاحقًا. «يمكنكم تخمين الباقي. لم أستطع إثارة ضجة أو إعادته، لذلك تركته يفعل ما يشاء». في عام 1945، تعرضت جالوفيتش للاغتصاب على يد جنود سوفييت. سمحت لأحد مغتصبيها بأن يصبح «خطيبها»، وبذلك ضمنت حمايته.

أما عمليات التهرب فهي أكثر شيوعًا. «لم نصادف أي يهودي قط»، هكذا قالت دوريت سونابيند، زوجة الرجل الذي كان يعشق الزي العسكري في طفولته، لبوروما - وهي عبارةٌ قد تكون من بنات أفكار مارثا غيلهورن. وكتب قسٌّ لوثري يُدعى كورت راسنبرغر رسالةً مُشجِّعة لابنه: «حتى لو لم تكن نازيًّا... يجب أن تكون وفيًّا للألمان. سيُكافئ الله على الوفاء. حتى وإن كانت الدموع تملأ أعيننا، يجب أن نبقى أوفياء لدمائنا».

ويبدو أن ليو بورما نفسه يسعى لتبرئة ساحته. ربما كانت تجربته تُطارده، لكن في رسائله إلى أهله، التي احتفظ بها والداه، يظهر شابًّا عازمًا على تجنيب عائلته ونفسه الألم. «حتى في هذه الأوقات، لديّ شكوكٌ حول ما إذا كان ينبغي لنا أن نطالب كل هولندي بتعريض نفسه لخطرٍ جسيم»، هكذا قال لأخته عام 1943. «كنتُ أنظر للأمر من منظورٍ مختلف، لكنني لم أعد مُتحمِّسًا إلى هذا الحد». في يوليو 1944، بينما كانت أجزاء كبيرة من المدينة تحترق، أفاد ليو بأنه ذهب لمشاهدة أوبريت مسلية للغاية بعنوان «القفص الذهبي». وكتب أن النكات «كانت جريئة للغاية».

هل كان حرص ليو على حماية نفسه مبررًا؟ وماذا عن حرص العديد من سكان برلين الآخرين الذين اضطروا إلى تقديم تنازلات قاسية للبقاء على قيد الحياة؟ أعترف أنني لست متأكدًا، ولا أعتقد أن بورما متأكد أيضًا. في نهاية الكتاب، يصف بورما مشروعه بأنه «رسالة حب جزئية إلى برلين». وهو يُقر بأن هذا قد يبدو غريبًا؛ فالكتاب، بشكل صريح ومباشر، يتناول برلين في سنوات الحرب، عندما، على حد تعبيره، «خُطِّط لجرائم لا توصف وارتكبت هناك». يوضح بورما أن عاطفته موجهة إلى مدينة الحاضر و«كيف أن آثار أسوأ جرائمها ظاهرة للعيان». في موضع آخر من الصفحات الأخيرة للكتاب، يقدم بورما سردًا مختلفًا لهدفه، أقرب إلى التحذير. يكتب: «يهدد الديماغوجيون الخطرون مجددًا حتى بعضًا من أقدم ديمقراطياتنا». هذا، أو ينبغي أن يكون، ما يجعل الكتاب ذا صلة، وفي هذه الحالة، لا يبدو الحب بل الخزي والرعب هما المشاعر المناسبة. ما سيفعله مؤرخو المستقبل بكل مذكراتنا ومنشوراتنا على المدونات ومقاطع الفيديو على تيك توك، يبقى في علم الغيب، ولكن في هذه الأثناء، وكما كانوا يقولون في برلين، ابقوا معنا!tttt

إليزابيث كولبرت، كاتبة في مجلة ذَا نيويوركر منذ عام 1999، حائزة على جائزة بوليتزر لعام 2015 عن فئة الأعمال غير الروائية العامة. من مؤلفاتها كتاب «الحياة على كوكب غير معروف» (2025).

عن مجلة نيويوركر tttt