فيما كانت الحرب الإسرائيليّة على لبنان تطوي أسبوعها الثالث، دخل عيد الفطر المبارك مدار الأيام، مخترقاً حصار النار والدمار، ومحمّلاً بما تبقّى من أدعية وأمنيات على جناح صلاة اخترقت وجع اللحظات لتصل إلى سماء الرجاء.. وتحت هذه السماء الواسعة، وتحديداً في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبيّة لبيروت، مرّ العيد كغريبٍ يسأل عن البيوت، فلم يجد سوى حجارة تجهد أن تحفظ الذاكرة، وأبواباً صارت رماداً.. بيوتٌ أُغلقت بفعل الغياب أو التدمير، وأصحابها توزّعوا بين مراكز الإيواء ومناطق "اللجوء" الداخلي، فلا أبواب فُتحت لاستقبال الأقارب، ولا ساحات ضجّت بالزيارات والتهاني، ولا ضحكات تردّدت أصداؤها في الأزقّة، ولا أحد سأل عن حلوى العيد، ولا عن طقوسه.. وفي النزوح، عيدٌ قيس بمقدار خوف يتبدّل شكله كلّ ساعة، واختُصر بسؤال "يتيم": متى ينتهي هذا الانتظار الثقيل؟
أما عيد الأمّ، الذي قُيّض له أن يتزامن هذا العام مع عيد الفطر، وفي زمن الحرب، فلم يأتِ على هيئة هدية منتقاة بعناية، بل أتى على شكل حقيبة حُملت على عجل خلف الجدران المهدّدة، وطفل استيقظ من نومه مذعوراً على صوت غارة، وامرأة لا تزال تحصي أبناءها في العتمة خوفاً من يكون أحدهم قد "سُحب" منها في الطريق إلى مجهول النزوح من هنا إلى هناك. والرعب من الموت هنا ليس لثوانٍ، ولا هو موت فجائي "مريح"، ولا هو معارك وقصف وغارات يحيل من يعنيهم الأمر إلى "مقاومين" للبقاء أو هاربين للنجاة، بل رعب صامت ومديد يستحوذ على المستقبل بأسره.. عيدٌ كان بالنسبة لزينب مكّي "عيداً لكلّ أمّ تحضن في ثوبها غبار بيتها المهدوم، وتودع في شقوق كفّيها روائح ابنها المغيّب في الشجر وفي المطر وفي الدخان"، وكان بالنسبة للمسعف محمد جفّال مشهداً مستعاداً من تاريخ 19 من الجاري، وتحديداً من تلك اللحظة التي عثر فيها على والدته رولا "شهيدة على مذبح الوطن"، لم تقوَ على مقاومة صاروخ دمّر منزل العائلة في بلدة البازوريّة، فكان فقدانها "فاجعة"، فذهبتُ إلى قبرها لأعايدها، قرأتُ الفاتحة، بكيتُ قليلاً، وتذكرتُ لحظات لن تعود". أما بالنسبة للحاجّة ناديا الحقاني، فكان "أجمل عيد أمّ.. ولادي كلّلن شهدا"!
ذاكرة.. ونداء
وما بين عيديْن وحرب، أمّ جنوبيّة تجلس على كرسيّ فارغ، في زاوية مركز إيواء في بيروت، بوجهها الذي يشبه خريطة حرب طويلة، تفتقد حضور ابنها الوحيد الذي استشهد في حرب الـ66 يوماً، عام 2024، تتصرّف كأنّه موجود معها.. و"أم علي" ليست مجرد امرأة في السبعين، هي ذاكرة الجنوب تمشي على قدميْن. عاصرت الحروب، رأت البيوت تُهدم وتُبنى من جديد، وعرفت جيداً معنى أن يبقى الإنسان واقفاً رغم كلّ شيء. أما صوتها، فأشبه بنداء خارج من عمق الأرض: "نحنا ما بدنا أعياد ولا شي. بدنا العزّ والكرامة"، و"ناطرين النصر من عند الله".. وفي هذه الكلمات تُختصر حكاية أخريات، لا تبحثن عن سقف فقط، بل عن كرامة تحمي هذا السقف، ولا تطلبن موسماً من الفرح، بل معنىً يستحقّ الفرح.
هنا نازحة من الضاحية الجنوبيّة لبيروت، تفتقد سجاد صلاتها ورائحة البخور في ردهات منزلها، وقد وجدت نفسها اليوم تدير "مملكتها" فوق بساط من رمل، وداخل خيمة مفتوحة على كلّ أشكال المعاناة المستورة، فيما جلّ ما يعنيها هو مغادرة الإطار المحدّد بالأمتار، هو المساحة الممنوحة لها ولعائلتها بالحياة.. وهناك نازحة أخرى يسكن الوجع صوتها، كأنّها تخاف أن تُوقظ الحزن. تراقب من بعيد جارتها في النزوح "أمّ جاد"، التي بدت كأنّها تعيد ترتيب يومها، وتحاول أن تصنع "كعك العيد" من قليل المتاح، وكأنّها ترفض الاستسلام للواقع، وكأنّ الحياة لا تزال ممكنة، وسط عدّاد المأساة الذي سجّل في آخر تحديثاته 1029 شهيداً و2786 جريحاً، وما يزيد عن مليون نازح.. و"النزوح" هنا ليس مجرد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل تجربة اقتلاع عميقة تعيد تعريف معنى البيت والأمان، وحالة جسديّة يوميّة: أقدام متورّمة، ظهور محنيّة، قلوب تُدير الخوف بصمت، وذاكرة مزدحمة بصور النزوح، إلى حدّ افتقاد القدرة على تعداد مراكز الإيواء، بين ملجأ هنا وصفّ مدرسيّ هناك وخيمة هنالك. فـ"عن أيّ عيد أتحدّث اليوم؟"، تسأل منى، النازحة عن بيتها في منطقة كفركلا الجنوبيّة إلى أقصى شمال شرق لبنان، مؤكدة في الوقت عينه أن بلدتها "ليست جغرافيا، بل هي ما يُبنى، ويُهدم، ثم يُعاد بناؤه مجدّداً"، فـ"كفركلا محكومة بأن تقاوم حتى آخر نفس".
وتكرّ سبحة المشاهد المثقلة بهمّ النزوح: مشهد يحتاج إلى إضاءة هنا، وآخر يحتاج إلى زاوية، ثالث يحتاج إلى فضاء، وتحديث جديد في يوم مثقل بالأخبار: ساحات حرب مشرّعة على كلّ الاحتمالات، وأبنية "التحفت" بالسواد والعتمة والحيرة إلى أجل غير مسمّى. أما في الأرض المحروقة، ومن خلف الغبار الذي لم ينجلِ بعد، فلا تزال صورة بيروت من صورة ضاحيتها الجنوبية حتى إشعار آخر، علامةً ورمزاً ودلالةً وتعويذةً، ونصباً في المخيّلة، ودليلاً ملموساً على أنّ كارثة كبرى وقعت هنا، تماماً كما كانت هناك.
عيْن على الميدان.. وعيْن على السماء
وما بين مضامين هذه المشاهد، أناسٌ يرصدون إشارات من هنا ووقائع من هناك، وسط احتمالات تتحدث عن سيناريوهات ومفاجآت، على وقع التصعيد الإسرائيلي الذي انتقل إلى مرحلة تقطيع أوصال لبنان، وفصل جنوب الليطاني عن باقي المناطق من خلال استهداف الجسور، وكان آخرها جسر القاسميّة، الذي كان أول أهداف عدوان يوليو 2006، وآخر أهداف البنى التحتيّة في الحرب الحالية، بذريعة قطع إمداد "حزب الله".. والجسر المرفوع على قناطر رومانية معمّرة منذ القرن الميلادي الرابع، لم يكن مجردَ طريق بين جنوب الليطاني وشماله، بل يربط صيدا بصور، ومنهما يتمدّد شرياناً بفروع تتصل بالنبطية حتى بنت جبيل. وذلك، في موازاة مواجهات ميدانيّة في المنطقة الجنوبية، وخصوصاً منها قرى الحافّة الأمامية، حيث حسابات "حقل" إسرائيل لا تزال ترتطم عند "بيادر" الخيام والعديسة ومارون الراس ويارون والناقورة، ومثلها كفركلا الواقعة بين زمنيْن وأرضيْن.
أما الذين لا يزال يتهدّدهم الموت، على امتداد مساحة لبنان، فيبدون وكأنهم "تكيّفوا" مع شروط البقاء على قيد الحياة، فيتجاوزون شلل الرعب والخوف إلى مرحلة الصراع وتحدّي الموت: البحث عن أماكن آمنة، تدبير المؤن، التعاون والتكافل بين الأفراد والجماعات، جمع المعلومات وتقصّيها، معرفة طرق الهروب، الاحتفاظ بالممتلكات الثمينة والأوراق الشخصية، والتخلّي عن الرفاهيات والكماليات.. أناسٌ باتوا "خبراء" في معرفة الأماكن الشديدة الخطورة أو الأقلّ خطراً أو الآمنة نسبياً، ما يتيح لهم التحرك أو الاختباء وتجنّب الموت، بل والاستمرار في حياة يومية شبه عادية، فيما المعارك الطاحنة تدور هناك، والعيون مصوّبة نحو السماء التي لا تزال "تمطر" الصواريخ حتى إشعار آخر!