(1)

رحل شهر رمضان بكل فضائله، غاب وسيعود كما يعود الراحلون كل عام، ولكن من سيشهده مرة أخرى؟..ومن سيصومه السنة القادمة؟..من سيغيب عن الآخر؟..ومن سيفرح به حين يأتي محملا بالخيرات، والآمال؟..نحن الذين قضينا أيامه بفرح، وودعناه بحزن، وكأنه أخرجنا من دائرة السوء، إلى دائرة الطهر، استطعنا فيه أن نوقف عجلة هوى النفس، وأن نعيد تشكيل ذواتنا من جديد، وأن نرتفع درجات إلى سمو الملائكة، ولكنه حين يرحل تعود أشياؤنا كلها إلى مكانها، ولا يبقى في تلك الحالة الشعورية العليا سوى القليل من الذين يحملون في دواخلهم بذور الخير، وسراج النور.

(2)

وجاء العيد لكي يعيد البهجة إلى نفوسنا، ويشعل جذوة الأمل، ولكي نشاهد من بعيد تلك الفراشات الصغيرة المحملة بالجمال، وهي تجوب المكان، تطير في فضاء القلوب، وترمي كرات السعادة في النفوس، أولئك الأطفال الذين يجسّدون معنى العيد أكثر منا، ويبسطون يد السعادة علينا، ويعيشون فرحتهم الأولى، التي تحاول المدنية أن تسرقها منهم، وتشكلهم من جديد على طريقتها، على شكل روبوتات، وألعاب إلكترونية، وأشياء غريبة، وقد تنجح ذات يوم، إذا وقف الآباء متفرجين على هذا العبث بطفولة أبنائهم، وظلت الأمهات ينظرن إلى بناتهن الصغيرات وهنّ يطوين صفحة البراءة، لكي يتفاخرن بالموضة، والماكياج، ويتناسين ـ كما هما الولدان ـ، أن العيد يكمن في بساطته، واجتماع العائلة، والتواصل مع الأرحام، ومشاركة المجتمع فرحته.

(3)

كان العيد في الماضي حركة، ونشاطا، ومشاركة من جميع أفراد القرية، يجتمعون، ويتسامرن، ويضحكون، ويسردون الذكريات والحكايات، أما اليوم فأصبح مجرد ملابس جديدة، وذبائح، ونقودا كثيرة، وملاهي متعددة، وهواتف مشتتة للأذهان، ورغم أن بعض القرى العُمانية لا تزال تحافظ على ديمومة واستمرارية اللقاءات، والعادات، والتقاليد المجتمعية المشتركة بين أفرادها، إلا أن الأغلبية قد زحفت عليهم المدنية، ولم يعودوا إلى تلك السمات الاجتماعية العُمانية الأصيلة المتوارثة، وأصبح كل واحد (مكتفٍ ببيته)، لا يعرف حتى جاره، ولا يشاهده إلا مصادفة، لذلك يجب أن نقف قليلا أمام مرآة الزمن، وأن نعيد رسم خرائط حياتنا، وتواصلنا، وأن نجعل من العيد فرصة استثنائية لاسترجاع ما فاتنا من مظاهر رائعة بدأت في الاندثار، والتراجع.

(4)

يبقى الشعر هو (بطل) المناسبات الاحتفالية، والفنون الشعبية المغناة، ويبقى هو الشعلة التي تلتف حولها كل الموروثات، ولذلك يبقى لكل شاعر مكانه، ومكانته، ومشاركاته في المجتمع، ويبقى للشعر هيبته، وموقعه الذي لا ينافسه فيها أحد، ويبقى للقصيدة ألقها الذي يعيد فرحة المشهد، وجمال الأعياد.

وكل عام وأنتم الفرح لمن حولكم.

مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني