العُمانية : يحتفي العالم في الحادي والعشرين من مارس من كل عام باليوم العالمي للشعر، الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تأكيدًا على مكانة الشعر بوصفه أحد أقدم أشكال التعبير الإنساني وأكثرها قدرة على تجسيد القيم والمشاعر، ومد جسور التواصل بين الثقافات والشعوب.

ويأتي هذا الاحتفاء في ظل تحولات متسارعة يشهدها العالم، أعادت تشكيل أنماط التلقي والتعبير، دون أن يفقد الشعر حضوره وتأثيره، إذ يظل حاضنًا للهُوية الثقافية ومرآة لوجدان الإنسان، ومجالًا رحبًا للتعبير عن قضاياه وتطلعاته.

وأكدت الشاعرة السيدة وفاء بنت هلال البوسعيدي أن الشعر ما زال يمثل إحدى أبرز أدوات التعبير عن القيم الإنسانية، مشيرة إلى أنه «يكثف التجارب الإنسانية المعقدة ويقدمها بأسلوب يلامس القلوب»، لافتة إلى أن الشعر ظل نافذة لطرح قضايا الإنسان مثل الهُوية والاغتراب والعدالة، وجسرًا يتجاوز الاختلافات ويخاطب الجوهر الإنساني المشترك.

وأضافت أن الشعر يسهم في تعزيز الهُوية الثقافية وبنائها، كونه «يمنح القيم بعدًا شعوريًا يرسخها في الوجدان»، موضحة أن الشعر في سلطنة عُمان يُعد امتدادًا حيًا للتراث، حاضرًا في الذاكرة الشفوية والمناسبات الاجتماعية، ويعكس القيم والعادات، مما يعزز ارتباط الفرد بجذوره الثقافية.

وحول واقع الشعر في ظل التحولات الرقمية، أوضحت أن المشهد الشعري يشهد تباينًا، حيث أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي انتشارًا أوسع وأسرع، لكنها في المقابل غيرت أنماط التلقي، وأدت إلى ظهور نصوص تتسم بالتكثيف والاختزال، مبينة أن بعض هذه النصوص يحمل عمقًا شعريًا، فيما يفقد بعضها الآخر جزءًا من مساحات الشعر الحيوية، مؤكدة أن الشعر «لم يتراجع بل تغير حضوره وتعددت مساراته».

وعن تجربتها الشخصية، أشارت إلى أن بداياتها مع الشعر بدأت من القراءة في سن مبكرة، في بيئة أُعطيت فيها الكلمة أهمية خاصة، وكان لوالدها دو بارز في تنمية وعيها اللغوي، مما أسهم في تشكيل حساسية مبكرة تجاه الكلمة، قبل أن تتطور تجربتها لتلامس قضايا الهُوية والإنسان والذاكرة.

وبينت أن من أبرز التحديات التي تواجه الشعراء اليوم تسارع إيقاع التلقي وضغط الاختزال، إلى جانب صعوبة الحفاظ على الصوت الشعري الخاص في ظل كثافة المحتوى، مضيفة أن التحديات تمتد أيضًا إلى كيفية التعبير عن المآسي الإنسانية المعاصرة دون الوقوع في المباشرة أو العجز أمام فداحتها.

وفيما يتعلق بعلاقة الجمهور بالشعر، أوضحت أن انتشار المنصات الرقمية أسهم في زيادة حضوره، إلا أن طبيعة التلقي والذائقة تبقى مرتبطة بعوامل متعددة، منها الخلفية الثقافية وتجربة المتلقي.

وأكدت أن الاحتفاء باليوم العالمي للشعر يمثل «تذكيرًا بدوره في منح معنى للتجربة الإنسانية وحفظ الذاكرة من التلاشي»، موجهة رسالة للشباب بضرورة القراءة أولًا، والوفاء للصوت الداخلي، والتحلي بالصبر، مشيرة إلى أن «الصوت الشعري يتشكل مع الوقت وليس في لحظة».

وقال الشاعر طلال الصلتي: إن الحديث عن الشعر هو في جوهره حديث عن الإنسان في كل زمان ومكان، مشيرًا إلى أن الشعر ظل عبر العصور وسيلة للتعبير عن القيم النبيلة كالصدق والأمانة والعزة، وسعيًا لبثها في النفوس وترسيخها من خلال نماذج حياتية مؤثرة.

وأوضح أن الشعر رغم التحولات التي أثرت على أنماط التلقي، لا يزال متوهجًا في وجدان الناس لما يمتاز به من قدرة على الوصول العميق إلى الجانب العاطفي والنفسي، مؤكدًا أن تأثيره الحقيقي يتجاوز الطرح الفكري الظاهري إلى التأثير الداخلي العميق.

وبين أن الشعر يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الهُوية الثقافية، إذ يعبر عن القيم الإنسانية باستخدام رموز البيئة وعناصرها بما يحافظ على خصوصية كل مجتمع ويجعل من الشعر ركيزة أساسية للهُوية تنقل القيم من الماضي إلى الحاضر بأسلوب حي ومتجدد.

وأشار إلى أن الشعر لا يزال صامدًا في ظل التحولات الرقمية بل أصبح وصوله إلى المتلقي أسهل من أي وقت مضى غير أن هذه السرعة أفرزت تحديات تتعلق بجودة النصوص نتيجة الميل إلى النشر الفوري مقارنة بما كان عليه الحال سابقًا من نضج وتخمير للنصوص قبل نشرها.

وعن تجربته، أوضح أن علاقته بالشعر بدأت منذ الطفولة عبر القراءة، قبل أن تتبلور تجربته الكتابية خلال المرحلة الجامعية، لافتًا إلى أن موضوعاته تميل إلى الطابع الذاتي والوجداني مع تناول بعض القضايا بأسلوب يحافظ على فنية النص.

وأضاف أن من أبرز التحديات التي تواجه الشعراء اليوم تحقيق التوازن بين جودة النص الشعري والمحافظة على التواصل المستمر مع الجمهور في ظل التزاحم الكبير في المشهد الشعري.

ووجه رسالة إلى الشباب المهتمين بكتابة الشعر، دعا فيها إلى أهمية القراءة والاطلاع على تجارب الآخرين، مؤكدًا أن «الكاتب الجيد هو القارئ الجيد»، وأن الشاعر ينبغي أن يسعى إلى إنتاج نص يتجاوز حدود الزمان والمكان ويقترب من الخلود.

ورأى الشاعر يونس بن مرهون البوسعيدي أن الشعر المعاصر يمر بمرحلة مفصلية، مشيرًا إلى أن قدرته على التعبير عن القيم الإنسانية لم تعد بالفاعلية المرجوة، في ظل انقسامه بين اتجاهات حداثية قد تبدو بعيدة عن المتلقي، وأخرى تقليدية تعيد إنتاج نماذج سابقة.

وأوضح أن المشهد الشعري يواجه تحديات متزايدة مع انتشار المنصات الرقمية، التي أتاحت مساحة واسعة للنشر، لكنها في المقابل أسهمت في بروز أنماط وصفها بـ«الاستهلاكية»، في ظل تنافس المحتوى الشعري مع أشكال إعلامية أخرى كالمقاطع المرئية والبودكاست، مما أثر على مكانة الشعر لدى الجمهور.

وفيما يتعلق بدور الشعر في تعزيز الهُوية الثقافية، أشار إلى أن الشعر العُماني بحاجة إلى إبراز خصوصيته بشكل أعمق، لافتًا إلى أن اللغة الفصيحة بطبيعتها تتسم بالعمومية، مما قد يحد من قدرتها على التعبير المباشر عن الخصوصية المحلية، مؤكدًا أن هذا الدور يظل خيارًا إبداعيًا وليس التزامًا.

وبين أن التحولات الرقمية أسهمت في انتشار الشعر، لكنها في الوقت ذاته وضعت جودة النصوص أمام تحدٍ حقيقي، نتيجة سرعة النشر وتباين مستويات التلقي، إلى جانب تأثير بعض المسابقات الشعرية التي قد تعزز أنماطًا سطحية على حساب العمق الفني.

وأضاف أن من أبرز التحديات التي تواجه الشاعر اليوم الحفاظ على جوهر التجربة الشعرية، موضحًا أن كتابة الشعر تتجاوز مجرد الصياغة اللغوية إلى مسؤولية فكرية وإنسانية عميقة.

وأشار إلى أن علاقة الجمهور بالشعر تشهد تغيرًا ملحوظًا، في ظل تعدد المنصات وتفاوت مستويات المحتوى، مما يتطلب وعيًا نقديًا لدى المتلقي للتمييز بين النصوص الإبداعية والأخرى السطحية.

وحول دور الشعر في بناء الوعي، لفت إلى أن الشعر يمتلك طاقة كامنة للتأثير، إلا أن تفعيله يرتبط بقدرة الشاعر على استعادة حضوره ودوره في المشهد الثقافي.

وأشار الشاعر أحمد بن محمد الشعيلي إلى أن الشعر ظل عبر العصور صوتًا صادقًا للوجدان الإنساني، يتميز بقدرته على التعبير عن القيم بعمق وصدق، لافتًا إلى أنه يجمع بين التقاط التفاصيل العابرة والإمساك بجوهر الحقيقة، حتى في ظل ما يشهده العالم من تناقضات وتعقيدات.

وأوضح أن الشعر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحقيقة بوصفها قيمة إنسانية عليا، مؤكدًا أن فقدانها يُفقد الإنسان جوهره، وأن الشعر بكونه ترجمانًا للوجدان وبريدًا للحقيقة، يضطلع بدور محوري في الدعوة إلى القيم والدفاع عنها مستفيدًا من طاقته المجازية التي تمكنه من التعبير عما قد يصعب قوله بصورة مباشرة.

وفيما يتعلق بالهُوية الثقافية، بين أن مفهوم الهُوية يتسم بالاتساع والمرونة، ويتجلى في مكونات متعددة تشمل اللغة والدين والعادات ومنظومة القيم، موضحًا أن الشعر كان ولا يزال من أبرز الوسائل التي تعبر عن هذه المكونات سواء في سياقات الفخر أو الرثاء أو غيرها، بما يعكس ارتباط الشاعر ببيئته وانتمائه الثقافي.

وأضاف أن البيئة العُمانية بما تحمله من عناصر جغرافية وثقافية تظل حاضرة في النص الشعري، حيث تتجلى في الصور والتعبيرات، فتمنح الشعر خصوصيته وتضفي عليه طابعًا يعكس روح المكان والإنسان.

وحول واقع الشعر في ظل التحولات الرقمية، أشار إلى أن هذه التحولات أسهمت في تسريع وصول الشعر إلى الجمهور، لكنها في الوقت ذاته جعلته أكثر عرضة للتسطيح، مبينًا أن التحدي يكمن في الحفاظ على جوهر التجربة الشعرية بعيدًا عن النزعة الاستهلاكية والسعي وراء التفاعل السريع.

ولفت إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الشعراء تسارع إيقاع الحياة وضيق الوقت، مما يقلص مساحات التأمل والكتابة، إلى جانب ما يشهده العالم من اضطرابات ومتغيرات تستدعي حضورًا أعمق للشعر.

وأشار إلى أن علاقة الجمهور بالشعر تأثرت بتراجع مستويات القراءة وتفاوت الوعي الفني، مما أدى إلى تداخل معايير الجودة، مؤكدًا أن الشعر يظل قادرًا على التأثير متى ما لامس وجدان المتلقي بصدق.

وبيّن أن الشعر يمكن أن يسهم في بناء الوعي المجتمعي وتعزيز القيم من خلال تأثيره العميق في النفس، حيث يعمل على ترسيخ المفاهيم في الوجدان قبل العقل، مشيرا أن صدق الشاعر هو الأساس في قدرته على إيصال هذه القيم.

ووجه رسالة إلى الشباب دعاهم فيها إلى القراءة والتمهل في الكتابة، والسعي إلى الأصالة، مؤكدًا أن النص الشعري الحقيقي هو ما يبقى ويتجاوز حدود الزمن، وأن الحفاظ على الهُوية والصوت الذاتي أهم من السعي وراء الانتشار السريع.

ويظل الشعر، رغم التحولات التي يشهدها العالم، حاضرًا بوصفه أحد أهم أشكال التعبير الإنساني، محافظًا على دوره في تجسيد القيم وتعزيز الهُوية الثقافية، ومواكبًا لمختلف المتغيرات بأساليب تعبر عن عمق التجربة الإنسانية واستمراريتها.