العُمانية : صدر للكاتبة العُمانية والمختصة في أدب الطفل واليافعين، فاطمة بنت سعيد الزعابي، رواية جديدة بعنوان «ثلاثون ثانية»؛ وذلك عن دار مكتبة الثعلب الأحمر للنشر والترجمة.
رواية «ثلاثون ثانية» تنتمي إلى الأعمال السردية التي تستثمر الموضوع دون أن تقع في فخ الطرح الاستهلاكي أو المباشر، فالنص، منذ عتبته الأولى، يعلن اشتغاله على زمن دقيق ومكثف، «ثلاثون ثانية»، وهو زمن يبدو عابرًا في عالم الواقع، لكنه في العالم الرقمي قد يتحول إلى مساحة حاسمة لإنتاج الصورة، وتشكيل الانطباع، وإعادة تعريف المكانة الاجتماعية والنفسية للفرد.
تتحرك الرواية داخل هذا التوتر بين ضآلة الزمن وعمق الأثر، لتبني عالمها حول شخصية سارة، الموهوبة في الكتابة، والتي تدخل، عبر المصادفة، إلى فضاء فريق إعلامي مشهور، بما يحمله من أساليب الظهور ووعود الاعتراف والانتماء، غير أن البنية العميقة للنص لا تجعل من هذا الدخول مجرد انتقال حدثي، بل تبنيه كونه عبورًا نفسيًّا من الهامش إلى دائرة الضوء، ومن الحلم البسيط إلى اختبار الوعي.
ما يميز الرواية هو أنها لا تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي كونها مجرد خلفية معاصرة، بل كونها بنية فاعلة في تشكيل العلاقات والتصورات والرغبات، إنها ليست ديكورًا للحدث، وإنما جزء من منطقه الداخلي؛ إذ إن الظهور هنا ليس مجرد فعل إعلامي، بل ممارسة رمزية لصياغة الذات في عين الآخرين، ومن هذا المنظور، تغدو الشهرة في الرواية سؤالًا وجوديًّا أكثر منها مكسبًا اجتماعيًّا.
تكشف الرواية عبر أحداثها، عن فجوة مؤلمة بين الصورة العامة والواقع الخفي، فكلما اقتربت البطلة من العالم الذي جذبها، انكشف لها الوجه الآخر للمعادلة من هشاشة نفسية، وضغوط غير مرئية، وتناقضات بين ما يقدم للعلن والحقيقة، وهنا تكتسب الرواية بعدها النقدي، فهي لا تدين الظاهرة من الخارج، بل تترك التجربة نفسها تكشف وتفضح أوهامها، وتختبر أثرها في الإنسان.
أما على مستوى الدلالة، فإن عنوان الرواية يختزن بؤرة المعنى كلها، «الثلاثون ثانية» لا تشير فقط إلى المدة الزمنية، بل إلى منطق العصر نفسه الاختزال، والسرعة، والقيمة وفق قابلية الظهور لا عمق التجربة، ومن خلال هذا الرمز، تقدم الرواية مفارقتها الأساسية وهي كيف يمكن للحظة قصيرة أن تعيد ترتيب الداخل الإنساني كله.
في الغلاف يظهر الهاتف المحمول في المركز باعتباره وسيطًا بصريًّا ورمزيًّا بين الذات والعالم، في حين توحي اليد الممسكة به بدرجة من التعلق، كما توجد الظلال الداكنة والخطوط المبعثرة في الخلفية انطباعًا بصريًّا بالاضطراب والتشظي، وهو ما ينسجم مع الجو النفسي للنص ومع فكرته القائمة على التوتر بين البريق والاختناق.
«ثلاثون ثانية» رواية تفتح أفقًا مهمًّا في الكتابة الموجهة لليافعين، عبر معالجة قضية رقمية شديدة الالتصاق بواقعهم، ولكن من منظور أدبي يوقظ الأسئلة بدل أن يقدم الإجابات الجاهزة.