طاهر علوان -


لا تزال أفلام السيرة الذاتية تشكل أحد الأنواع الفيلمية الجذابة لصانعي الأفلام والجمهور العريض، لكن ذلك ليس مقياسا مطلقا من منطلق أن واحدة من أعقد المعالجات الفيلمية هي معالجة الوقائع التي عاشتها الشخصية ومرّت وشكّلت محطات ومنعطفات مهمة في حياتها فضلا عن كيفية تبلور الشخصية سلوكيا وأخلاقيا وثقافيا ونفسيا وكلها معطيات خلافية، إذ ليس من السهل الركون إلى وجهة نظر محددة في تقديم سيرة الشخصية من منطلق السؤال الأزلي المطروح والذي خلاصته: إلى أي حد أو إلى أي مدى حافظ الفيلم على مصداقية سيرة الشخصية؟
ولعل الكاتب التشيكي الشهير فرانز كافكا ( 1883-1924) الذي عاش حياة قصيرة لكنه شكل في ما أنجزه منعطفا كبيرا ومهما على صعيد الرواية والإبداع الأدبي ولا يزال يشغل اهتمام النقاد ومراكز الأبحاث والدراسات وتعقد الندوات والمؤتمرات للبحث في منجزه فضلا عن مجمل أعماله التي ترجمت إلى عشرات اللغات ومنها العربية كما انتجت حول حياته وسيرته الذاتية وأعماله عدة أفلام ربما يكون من أهمها فيلم المحاكمة للمخرج الكبير اورسون ويلز – 1962 وفيلم المخرج الكبير مايكل هانكه بعنوان القلعة -1997 ثم رواية المحاكمة مجددا التي قدمها للسينما الكاتب الكبير هارولد بنتر - في كتابة السيناريو وأخرجها المخرج الكبير كيل مكلوخان وأفلام أخرى كثيرة وصولا الى هذا الفيلم المهم الذي يعرض الآن للمخرجة البولونية المتميزة انجيزيسكا هولاند.
في هذا الفيلم نحن أمام بناء سردي ومعالجة إخراجية مختلفة تماما عما سبق من الأفلام التي تناولت سيرة كافكا ( يؤدي الدور الممثل ايدان ويس)، هنا ثمة براعة ومهارات إخراجية جديرة بالأهمية، فهي قد تجاوزت الإشكاليات النمطية التي تواجه إعداد أية سيرة ذاتية وربما كان ملصق الفيلم هو الأكثر تعبيرا عن معالجته المتميزة.
تعتمد المخرجة مسارات سردية متشابكة شديدة الكثافة والغزارة والتنوع وهي ربما بسبب هذا التنوع من المعالجة قد تستفز بعض المشاهدين بسبب الانتقالات الحادة بين الأزمنة والذكريات والمحطات المهمة بل إنها ذهبت بعيدا إلى تصوير السياح في زمننا هذا وهم يتجولون في متحف كافكا الشهير في براج.
ما بين الطفولة والصبا وما بين الحب والحرب والعائلة والاغتراب والمرض والصداقة والكراهية والعزلة والإذلال والخوف تتوزع سيرة كافكا في هذا الفيلم فهو في حساسيته البالغة قد تأثر بكل هذه المنعطفات وقد وظفت المخرجة الصورة وجمالياتها بفضل مدير التصوير توماس لومزوك الذي قدم تنوعا صوريا مهما معبراً عن أدق مشاعر الشخصية وهو يتنقل عبر محطاتها فضلا عن عنايته الفائقة في تقديم مشاهد ولقطات تواكب تلك المنعطفات الاستثنائية في حياة كافكا.
يمكن القول إن هذا الفيلم تأملي يستكشف هشاشة الهوية والذاكرة والروابط الإنسانية في أجواء مشحونة ومضطربة، حيث قدم كافكا وهو محاط بالتوتر والقلق وحيث عرفت المخرجة هولاند أصلا بقدرتها على المزج ما بين العمق النفسي وبين الدقة التاريخية والاجتماعية في الكشف عن الشخصية وتحولاتها لاسيما وان حياة كافكا كانت كثيرة التحولات والاضطرابات.
لقد واكبت الكاميرا حساسية كافكا، وتميزه بالذكاء ودقة الملاحظة، فضلا عن حالة القلق المستمرة التي رافقته خاصة أن ما كان يتمناه هو أن يفخر به والده ( أدى الدورالممثل بيار كورث). لكن هذا المسعى كان، في أحسن الأحوال، مرا وحلوا في آنٍ واحد. فهو من جهة لم ينجح تماما في ذلك، وسلبه هذا الشعور الثقة التي كان يحتاجها ليُنمّي موهبته الكتابية ويُطوّرها، لكنه عبر عن مشاعر موازية تتمثل في عشقه لتحرير ذاته وتفرّده وخروجه من طوق السياقات الاجتماعية السائدة.
وكما ذكرنا من قبل فإن استمرارية السيرة الذاتية بسلاسة ومحاولة الحفاظ على اكبر قدر من المصداقية لم يكن هو محرك المخرجة ولا هدفها الأساس في هذا الفيلم، بحيث إنها لم تركز على الحبكة بقدر ما ركزت على الأجواء المحيطة بالشخصية والعمق الداخلي، حيث إن القصة كانت تتكشف بوتيرة مدروسة وبنمو متصاعد، تدعو المشاهد إلى الغوص في الحياة الداخلية لكافكا، الرجل الذي ظل طويلا وهو يُصارع مشاعر الاغتراب، المادي والوجودي وحالة من عدم الانتماء والبحث عن الذات وبذلك تجنبت المخرجة الإفراط في شرح يوميات شخصيته ومواكبتها، تاركةً إياها تتبلور من خلال الصمت والإيماءات والتفاعلات العابرة. هذا الغموض هو إحدى أبرز نقاط قوة الفيلم، إذ يُشجع الجمهور على التفاعل مع مشاعر كافكا وولادة إبداعه.
وعلى صعيد الاهتمام بالفيلم، فقد كتب عنه الكثير من النقد حتى الآن وهنا يمكننا التوقف عند ما كتبه الناقد اليكس سوذي في موقع ذات شيلف: " نعم، إن هذا الفيلم هو سيرة ذاتية تتبع كافكا منذ طفولته وحتى وفاته، ولكنه أيضًا -أحيانًا في المشهد نفسه أو حتى اللقطة نفسها- يُرينا ما يعنيه كافكا في الحاضر. فبينما يسير فرانز في طريق أو يسبح في نهر، نرى مجموعة سياحية حديثة من عام 2025 تمر عبر كادر اللقطة والمشهد، تلتقط الصور لمجرد الاحتفاظ بتذكار للمكان الذي وقف فيه المبدع العظيم أو تواجد فيه.
أن هذا الفيلم أكثر حيويةً من مجرد كونه فيلم سيرة ذاتية، إذ تتدفق الذكريات قادمة من الماضي إلى الحاضر، وتطغى عليه، ثم تتلاشى بالسرعة نفسها، تاركةً كافكا في حالةٍ غريبةٍ من الغموض، وهذا ما يحوّله إلى شخصيةٍ غريبة اجتماعيا، ولكنه في الوقت نفسه يُغذي أكثر أعماله الروائية ابتكارا".
أما الناقد آبي فريدتانزر، فقد كتب في موقع أواردزباز " لقد حقق فرانز كافكا شهرة عالمية واسعة في القرن الذي تلا وفاته، ولكن، كما هو الحال مع العديد من الكتاب غزيري الإنتاج عبر التاريخ، فليس من المستغرب أنه لم يحظَ بالتقدير اللائق في عصره. هنا نحن مع فيلم غير تقليدي يتناول حياته القصيرة والمثيرة للاهتمام، فيلم لا يلتزم بالأساليب السردية التقليدية، وقد اختارت المخرجة عنوانًا يشير إلى اسمه الأول فقط، مستكشفةً الجانب الإنساني الذي قد يجهله الجمهور، وهو يحاول مشاركة عبقريته الفكرية مع عالم لم يكن مهتما في كثير من الأحيان بالاستماع إليه.
إن مدة الفيلم تزيد قليلاً عن ساعتين، بحيث إنه يبدو طويلاً، وقد يعود ذلك إلى عدم تقديمه بتسلسل سردي دقيق. فهناك لحظات يُسمع فيها فجأةً تنبيه صوتي يعرض لغاتٍ مختلفة لسماع رسالةٍ حول متحف كافكا، كما تُعرض أيضاً جولات سياحية في الزمن الحاضر. إن إقحام هذه المشاهد المعاصرة في قصة حياة كافكا يبدو نشازاً، إذ تأتي في لحظاتٍ غير متوقعة، وكأنها تُشير إلى أن هناك الكثير مما لم يتسع له الوقت لتغطيته، وبالتالي فإن هذا العرض الموجز لنطاق حياته يُنقل بشكلٍ أفضل من خلال نظرة على إرثه بعد وفاته. إنها أداة إبداعية بلا شك، لكنها لا تُؤتي ثمارها بالطريقة التي ربما أرادتها المخرجة".
انه في نهاية المطاف فيلم غني بالمعلومات ومثير للتفكير ومشبع من الناحية البصرية، ومُحزن بنفس القدر من فرط معاناة كافكا ونهايته المأساوية بمرض السل ومن المحزن معرفة أن الكثير من أفراد عائلته ودائرته المقربة قد لقوا حتفهم في نفس الفترة التي توفي فيها بسبب المرض. يطرح هذا الفيلم العديد من التساؤلات التي لا يجيب عنها، إذ يركز بشكل أكبر على شخصيته أكثر من أفكاره وإرثه الأدبي فضلا عن تقديمه بطريقة غير تقليدية.
................
إخراج: انجيزيسكا هولاند
سيناريو: ماريك ايبستين
تمثيل: إيدان ويس، بيتر كورث، آرون فريز، أنا سيزاروفيسكا، جوزيف تروجان، مايكل كيرن
تصوير: توماس لومزوك
مونتاج: بافيل هارديشكا