عندما نتحدث عن السرد الأدبي في ثقافتنا العربية نستشهد عادة بكتاب «ألف ليلة وليلة» ومقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني كدليل على أننا عرفنا هذا النوع من الأدب قبل مئات السنين، ولكن نادرًا ما يتحدث أحد عن السرد لدى عرب ما قبل الإسلام، هل كان موجودًا في ثقافة سيطر عليها الشعر، كما هو معلوم؟ وما أهم مظاهره؟ وهل هناك قاصون أو روائيون في الزمن الذي تعورف عليه بأنه «زمن الجاهلية»؟ من هنا تأتي أهمية كتاب الباحث والناقد الأردني محمد عبيد الله «أساطير الأولين: الجنس الأدبي الضائع في السرد العربي القديم» (دار أزمنة، عمّان، 2013).
في هذا الكتاب الصغير يحاول عبيد الله تسليط الضوء على ما يعدها مرحلة مبكرة من السرد العربي سبقت عصر التدوين، مستعينًا بالإشارات القليلة التي حفظتها المصادر العربية، وفي مقدمتها القرآن الكريم، مستعيدًا صورة ما يُمكن عَدُّه جنسًا حكائيًّا عرفه عرب ما قبل الإسلام وأطلقوا عليه اسم «أساطير الأولين»، منطلقًا من ملحوظة أن هذه العبارة «أساطير الأولين» وردت في القرآن الكريم تسع مرات، في سياقات مختلفة، منها تصوير موقف المشركين في مكة من النبي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي جاء به. وقد ظلت هذه العبارة في تفاسير القرآن الكريم مرتبطة بذلك السياق الجدلي وحده، دون أن تُدرَس باعتبارها مصطلحًا ثقافيًّا يشير إلى ظاهرة سردية معروفة في البيئة العربية القديمة. ومن هنا يطرح الكتاب أسئلة مهمة من قبيل: ما طبيعة «أساطير الأولين» في وعي عرب ما قبل الإسلام؟ «وهل هي جنس أدبي شائع، شأنها في ذلك شأن الشعر الذي رموا النبي صلى الله عليه وسلم به في بعض الأحيان، أم أنها أحاديث وأباطيل لا نظام لها؟ أم هي نوع من أنواع السرد عرفه العرب ومارسوه في تلك الحقبة المبكرة؟».
يحاول الباحث الإجابة عن هذه الأسئلة عبر منهج يقوم على تتبع المصطلح في ثلاثة مجالات رئيسية: الإشارات القرآنية التي حفظت لنا ذكره، والدلالة المعجمية لكلمة «أسطورة»، ثم السياقات العربية التي وردت فيها أخبار هذا اللون الحكائي خارج القرآن والمعاجم. ومن خلال جمع هذه الشواهد المتفرقة يعيد عبيد الله بناء صورة ما يعتبره جنسًا سرديًّا قديمًا لم تصل نصوصه إلينا، لكنه ترك آثارًا واضحة في الذاكرة الثقافية العربية. يقول المؤلف: إن المشركين لم ينشغلوا بالجدل حول صدق الأخبار التي يتضمنها القرآن أو بطلانها، وإنما ركزوا على مصدرها. فقد كان المجتمع المكي يعرف نوعًا من الأخبار والحكايات التي تتناول قصص الماضين وأبطال الأمم السابقة، وكانوا يطلقون عليها اسم «أساطير الأولين». وعندما سمعوا القصص القرآني ظنوا أنه ينتمي إلى ذلك الجنس الحكائي نفسه، ورأوا أن ما يرويه النبي يدخل في نطاق المرويات البشرية المتداولة بينهم. وهكذا نشأ الخلاف حول مصدر القصص: مصدر سماوي كما يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم، ومصدر بشري في نظر خصومه.
ويتوقف الكتاب عند الشكل الفني لأساطير الأولين، فيرى أنها تحمل ملامح واضحة للسرد القصصي. فهي أخبار وحكايات تتضمن شخصيات وأبطالًا ينتمون إلى الماضي، وتتناقلها المجالس على أنها مادة للمتعة والمعرفة في الوقت نفسه. ويبدو أن الراوي والمتلقي كانا يتعاملان معها ضمن إطار حكائي يسمح بقدر من الخيال والمبالغة، على نحو يشبه ما نجده في كثير من التقاليد الشفوية في الثقافات القديمة. ومن هنا تظهر «أساطير الأولين» باعتبارها شكلًا من أشكال القص الشعبي الذي كان رائجًا في المجتمع العربي قبل الإسلام. ويأخذ عبيد الله مثالًا عليها شخصية النضر بن الحارث، الذي تذكر المصادر أنه كان من أبرز رواة القصص في مكة. وتشير الأخبار إلى أنه كان يسافر إلى الحيرة وبلاد فارس، ويعود منها بحكايات عن ملوك الفرس وأبطالهم مثل رستم وإسفنديار، ثم يرويها لقريش في مجالس السمر. كما تفيد بعض الروايات أنه كان يشتري هذه الأخبار ويكتبها في صحف أو ينسخها ليقرأها على الناس، الأمر الذي يدل على ولع واضح بالسرد وحرص على جمع مواده، ويقول بعض مفسري القرآن إنه هو من نزلت فيه الآية الكريمة: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم». وسواء كان هو أو غيره، فإن هذه الأخبار تكشف عن جانب مهم من الحياة الثقافية في الجزيرة العربية قبل الإسلام. فقد عرفت تلك البيئة تداول الأخبار والقصص وشراء الصحف والكتب، وعرفت كذلك مجالس يجتمع فيها الناس للاستماع إلى الروايات والحكايات. ويستنتج الباحث من ذلك أن القَصص كان يحظى بمكانة معتبرة في الثقافة العربية المبكرة، حتى إن بعض الرواة كانوا يبذلون المال للحصول على الأخبار والروايات التي تجذب اهتمام الجمهور.
ويتصل حضور السرد في تلك المرحلة بقضية أخرى يناقشها الكتاب، هي قضية التحدي المرتبطة بالبيان القرآني. فقد اشتهر العرب ببلاغتهم وقدرتهم على القول، فجاء القرآن متحديًا هذه القدرة في ميدان البيان. وفي هذا السياق يصبح السرد أحد العناصر التي تدخل في إطار هذا التحدي، لأن القصص القرآني يحمل بنية فنية ومعنوية تتجاوز ما كان معروفًا في الحكايات المتداولة آنذاك. ونحن نعرف طبعًا أن العرب لم يستطيعوا مجاراة هذا التحدي، رغم ما عُرف عنهم من مهارة في القول والبيان. ويتناول الكتاب أيضًا الأسئلة التي قيل إن النضر بن الحارث وجهها إلى النبي، وهي أسئلة تتصل بقصص الماضين، وقد جاء الرد عليها في سورة الكهف من خلال قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين. ويرى محمد عبيد الله أن هذه الوقائع تعكس حضور السرد في قلب الجدل الفكري الذي شهدته مكة في تلك المرحلة، حيث أصبحت الحكاية واحدة من أدوات النقاش والاحتجاج.
ويصل الكتاب في خاتمته إلى مصير النضر بن الحارث، الذي شارك قريشًا حربها ضد المسلمين في معركة بدر، وأسره المسلمون بعد انتصارهم في المعركة، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله. وقد حفظت المصادر خبر موته مقرونًا بمرثية نسبت إلى امرأة اسمها قتيلة أو ليلى، قيل إنها ابنته، وقيل كذلك إنها أخته، الأمر الذي جعل اسمه يبقى حاضرًا في كتب الأدب والتاريخ. غير أن المفارقة تكمن في أن أخبار حياته بقيت، بينما اختفت النصوص القصصية التي كان يرويها. ومن هنا يطرح المؤلف سؤالًا مهمًّا: هل كان لمصير النضر أثر في مصير السرد الذي مَثَّلَه؟ أي أنه مات حاملًا معه مخزونًا من الحكايات والأساطير، التي كان يعرفها ويقصها على أصحابه. ولأنه من أعداء الإسلام لم يهتم المؤرخون بعد ذلك ولا نقاد الأدب بما ضاع معه من روايات، ولا بما مثّله من صوت سردي مبكر، فغلبت صورة الخصم العَقَدي على قيمته الحكائية في الذاكرة الثقافية العربية.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني