العُمانية: احتفت سلطنة عُمان اليوم مع دول العالم بمناسبة يوم الأم الذي يُصادف الـ 21 من مارس من كل عام؛ تقديرا لدورها المحوري في بناء الأسرة والمجتمع، وما تحظى به من دعم متواصل وتكريم مستمر لمكانتها في مختلف مجالات الحياة.
وتُشير أبرار بنت ناصر الحضرمية عضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية ومختصّة في المجال الاجتماعي والتربوي لوكالة الأنباء العُمانية إلى أنّ الأم ليست فقط الحاضنة الأولى للقيم والتقاليد بل شريكة فاعلة في مسيرة التنمية الوطنية، وحظيت هذه المكانة بتقدير سامٍ من القيادة العُمانية التي أولت المرأة اهتماما خاصا، إيمانا بأهمية دورها في بناء الإنسان والمجتمع.
وأضافت: إنّ هذا التقدير لم يكن مجرد كلمات، بل تُرجم من خلال سياسات عملية هدفت إلى تمكين المرأة تعليميًّا ووظيفيًّا، لتصبح الأم العُمانية بحق ركيزة المجتمع وصانعة الأجيال.
وقالت: إنّ الأم العُمانية استطاعت أن توازن بين مسؤولياتها الأسرية ومهامها العملية، فهي موظفة في المؤسسات الحكومية والخاصة، ومعلمة في المدارس والجامعات، وطبيبة ومهندسة وإدارية، تسهم في تطوير قطاعات الدولة المختلفة، وهذا الدور الوطني يعكس صورة المرأة العُمانية التي لم تنغلق على حدود البيت، بل خرجت لتشارك في بناء الوطن، دون أن تتخلى عن مسؤولياتها الأسرية التي تعد أساسا في الحفاظ على النسيج الاجتماعي.
وأكّدت أنّ المرأة العُمانية قطعت شوطا كبيرا في التقدم والرقي بمنأى عن الترهات التي قد تُسيء إلى مكانتها أو تقدم صورا مغلوطة عنها، فكانت مثالا للاتزان والوعي، وحظيت بالرعاية الكبيرة والمستمرة من لدن صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم -حفظهُ اللهُ ورعاهُ- تقديرًا لقيمتها وإيمانًا بعطائها الملموس والإيجابي، خصوصًا داخل الأسرة وما تحمله من إسهامات في الإدارة المنزلية والإبداع في شتى المجالات.
وأشارت إلى أنّ هذا الاهتمام السامي انعكس في صورة المرأة العُمانية كعنصر فاعل في التنمية؛ حيث أصبحت رائدة علميا وعمليا، وأسهمت في الارتقاء برفعة عُمان في مختلف المجالات.
وبيّنت أنّ اهتمام الدولة بالمرأة شمل مجال الصحة؛ حيث تخصص دائرة الشؤون الصحية في وزارة الصحة قسمًا خاصًا للمرأة يسمى "قسم صحة الأم والطفل"، يُعنى بتقديم الخدمات الصحية وحلّ المشكلات التي قد تعيق الرعاية الصحية لهما.
وأفادت بأنه لم تكتفِ المرأة العُمانية بأن تكون متلقية للرعاية، بل عزمت على أن تقدمها للآخرين، فبرزت كطبيبة وممرضة تسهم في خدمة المجتمع. وفي مجال التعليم، لم ترضَ أن تبقى تحت ظلال الجهل، بل شرعت في طلب العلم داخل سلطنة عُمان وخارجها، لتعود بخبراتٍ ومعارف جديدة تساند بها بناء الأمة وتقدمها.
وذكرت أنه في مجال العمل، تسهم المرأة العُمانية اليوم جنبا إلى جنب مع الرجل في بناء الوطن، وقد تقلدت مناصب عديدة اكتسبتها بجدارة، كما مُنحت حق التصويت والترشح لعضوية مجلس الشورى منذ عام 2000م. وتقديرا لجهودها الجبارة ودورها في بناء المجتمع، خُصص يوم 17 أكتوبر من كل عام يوما للمرأة العُمانية، يُحتفى فيه بمنجزاتها وإسهاماتها، وتعقد فيه الندوات والمؤتمرات التي تُعنى بشؤونها وتمكينها.
وأكّدت أنّ الأم العُمانية تمثّل ركيزة للنسيج الاجتماعي، فهي التي تحافظ على العادات والتقاليد الأصيلة وتنقلها إلى الأجيال الجديدة، وتغرس في أبنائها قيم التعاون والتكافل، وتوازن بين الانفتاح على العصر والتمسك بالهُوية الوطنية، وهذا الدور جعلها صمام أمان يحمي المجتمع من التفكك، ويضمن استمرارية الروابط الأسرية والاجتماعية؛ لتظل الأسرة العُمانية متماسكة وقادرة على مواجهة تحدّيات العصر.
ولفتت إلى أنّ أهم ما يميّز الأم العُمانية هو دورها في صناعة الأجيال؛ فهي لا تقتصر على تربية الأبناء ورعايتهم، بل تصنع مواطنين قادرين على حمل رسالة النهضة العُمانية ومواصلة مسيرتها.
وحول دور الأم في صون أركان الأسرة المسلمة، كونها هي القائمة على ترسيخ المبادئ الإسلامية والتربية على القيم الدينية، توضّح ليلى بنت سلطان الربيعية، مرشدة وواعظة دينية لوكالة الأنباء العُمانية، أنّ الأم في الإسلام ليست فقط مربية، بل هي صانعة إنسان، وبالتالي صانعة مجتمع، فإذا صلحت الأم صلحت الأسر وصلُح المجتمع، فهي القلب النابض والمحور الذي تدور حوله معاني الاستقرار والتماسك.
وقالت: إنّ الأم تُعدُّ الحاضنة الأولى التي تشكّل وعي الأبناء، وتغرس في نفوسهم بذور الإيمان، ومن خلال القدوة الحسنة وربط سلوكهم اليومي بتعاليم الدين والتوجيه الحسن، سيساعد ذلك في تعزيز مراقبة الله في نفوسهم وبناء شخصية واعية تتمسك بهويتها الدينية والثقافية.
وأشارت إلى أنه في ظل التحدّيات المعاصرة كالانفتاح التقني، والتغيرات الجذرية الاجتماعية، تدرك الأم أهمية الرقابة الواعية على استخدام الأجهزة، وتوفير البدائل المناسبة، فتوازن بين المتابعة الحكيمة ومنح الثقة، وتغرس في أبنائها رقابة ذاتية تُحصّنهم من الانجراف خلف المؤثرات السلبية؛ كما تسهم بدورها المجتمعي كقدوة فاعلة تُجسّد القيم التي تدعو إليها؛ لتبقى بصمتها ممتدة في بناء جيل واعٍ، ومجتمعٍ راسخٍ في هويته.
وباعتبار أنّ التربية الدينية تمثل المرتكز الأساسي في بناء الشخصية، فإنّ هذا الدور يتسع ليشمل أبعادا وطنية أعمق، وفي هذا السياق، تُبيّن أمل بنت عبدالله بن حميد الجامعية، مختصّة ومدرّبة تربوية لوكالة الأنباء العُمانية، أنّ الأم العُمانية تمثّل الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، فهي ليست مجرد راعية للأسرة، بل شريك أصيل وفاعل في التنمية الوطنية، وتتجلى إسهاماتها في غرس قيم المواطنة الصالحة والولاء الراسخ في نفوس الأبناء، بما يسهم في تنشئة جيلٍ واعٍ ومحب لوطنه بصدق.
وأضافت: إنّ الأم، سواءً كانت عاملة تسهم في بناء الاقتصاد الوطني، أو متفرغة لأسرتها تُعنى ببناء العقول والقيم، يظل دورها التربوي محوريا؛ فهي المعلم الأول الذي يغرس الهوية العُمانية الأصيلة، ويوجه الأبناء نحو التميز والإبداع.
وأكّدت أنّ الاستثمار الحقيقي يبدأ من وعي الأم، فمن خلالها تنهض الأوطان، وبجهودها تُصنع الأجيال القادرة على حمل راية المستقبل بكفاءة واقتدار.
ولا يقتصر هذا العطاء الوطني على جانب دون آخر، بل يتجلّى في أبهى صوره الإنسانية من خلال نماذج واقعية في مختلف الميادين. وفي هذا الإطار، توضّح نجية بنت سالم القطيطية، مديرة مدرسة الرسوخ للتعليم الأساسي بمحافظة شمال الباطنة، لوكالة الأنباء العُمانية، أنّ كونها أمًّا ينعكس على أسلوب إدارتها للمدرسة بطريقة إنسانية وتربوية متوازنة؛ إذ تنظر إلى الطلبة بوصفهم أبناءً، لكلٍّ منهم احتياجاته وظروفه ومشاعره، لا مجرد أرقام أو نتائج، الأمر الذي يسهم في بناء بيئة تعليمية آمنة وداعمة يشعر فيها الطالب بالاحتواء قبل التوجيه.
وبيّنت أنّ القرارات التربوية تكتسب عمقا وحكمة أكبر عندما يُنظر إلى الطلبة بعين الأم قبل عين المديرة، لما تضيفه هذه النظرة من رحمة وتفهّم، دون الإخلال بالحزم والانضباط. فالأم تدرك متى تحتوي ومتى تُوجّه، وكذلك القائدة التربوية الناجحة توازن بين اللين والحزم بما يخدم مصلحة الطالب.
ووجّهت رسالة لكل أمّ عُمانية عاملة، مؤكدةً أنها ليست فقط أمًّا، بل صانعة أجيال وبانية وطن، وأن ما تبذله من جهد في التوفيق بين العمل والأسرة يمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الأبناء والوطن.
وأضافت أن ما قد تواجهه الأم من إرهاق أو تحديات لا يقلل من قيمة عطائها، إذ يظل أثرها حاضرًا في كل خُلقٍ تغرسه وكل قيمةٍ تُرسخها، مشددةً على أهمية تقدير الأم لذاتها كما تقدّم العطاء للآخرين.
وتقديرًا لهذا الدور المتعاظم، وضمانًا لاستدامته، يبرز الإطار القانوني العُماني الضمانات التي كفلها المشرّع لدعم الأم العاملة وتمكينها من التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية والتزاماتها المهنية. وفي هذا الصدد، أوضحت المحامية ريما بنت عصام الربيعية لوكالة الأنباء العُمانية أنّ المادة (15) من النظام الأساسي للدولة تنص على أنّ الأسرة أساس المجتمع، وأنّ الدولة تحرص على تماسكها وتكفل رعاية الطفولة.
وأضافت: إنّ هذا التوجّه انعكس على قانون العمل، الذي وفر بيئة آمنة للأم تضمن استقرارها الوظيفي وحصولها على الرعاية الصحية اللازمة؛ حيث حظرت المادة (12) إنهاء خدمة العاملة بسبب الحمل أو الولادة أو الرضاعة، كما نظّمت المادة (75) ضوابط تشغيل النساء في ساعات العمل الليلية والأعمال الشاقة أو الخطرة أو الضارة صحيًا، بما يضمن حمايتهن من الإجهاد البدني.
وفي سياق متصل، أشارت إلى أنّ المادة (84) منحت إجازة وضع مدتها (98) يومًا، في حين أقرت المادة (76) منح العاملة المرضعة ساعة يومية مدفوعة الأجر لرعاية طفلها لمدة عام بعد انتهاء إجازة الوضع، مع إتاحة إجازة بدون أجر لرعاية الطفل لمدة تصل إلى عام وفقًا للمادة (83). كما جاء قانون الحماية الاجتماعية بنظام "تأمين إجازات الأمومة"؛ حيث نصت المادة (129) على تكفل صندوق الحماية الاجتماعية بصرف بدل مالي للأم خلال إجازة الأمومة، بما يعزز من تكافؤ الفرص في سوق العمل.
وبيّنت أنّ هذا التحول يمثّل ضمانة مهمة؛ إذ يُسهم في تخفيف الأعباء المالية عن أصحاب العمل، ويحدّ من التحديات التي قد تعيق توظيف النساء، ويجعل الكفاءة المعيار الأساسي للتوظيف دون تمييز، مع ضمان استقرار المنشآت واستدامة حقوق الأمومة وشمولها بالتأمينات.
ويأتي هذا الاحتفاء السنوي ليؤكد أنّ الأم العُمانية ستبقى في قلب خطط التنمية الشاملة، ومحركًا أساسيًا لتحقيق أهداف الرؤية الوطنية، مستندةً إلى إرث قيمي أصيل، ودعم تشريعي متطور يضمن لها الريادة والتمكين في مختلف الميادين.