كتبت - مريم البلوشي
انقضت ليالي شهر رمضان المبارك تاركة وراءها أنشطة مؤثرة امتزجت فيها الأجواء الدينية بالروح الرياضية، فإضافة إلى كون هذه الليالي مفعمة بالطقوس الإيمانية والتجمعات العائلية، أصبحت كذلك فضاءات نابضة بالحياة استقطبت مختلف الفئات العمرية من النساء للمشاركة في فعاليات رياضية متنوعة، فقد شهد الشهر الفضيل إقامة عدد من البطولات والمبادرات النسائية التي عكست تنامي حضور المرأة في المشهد الرياضي، من بينها البطولة الرمضانية الخامسة لكرة السلة النسائية للهيئات والمؤسسات، ودوري كرة اليد للنساء بنادي قريات، وبرنامج "وقت الريشة" للنساء، إلى جانب فعالية هوكي الجليد للفتيات، وفعالية "خطوة رياضية" للنساء، التي أسهمت مجتمعة في رسم صورة مشرقة للحراك الرياضي النسائي في سلطنة عمان.
ومع إسدال الستار على هذه الفعاليات، نعود بالذاكرة لنبحث مع عدد من المنظمات واللاعبات أثر هذه التجارب عليهن، وكيف أسهمت في تعزيز ثقافة الرياضة النسائية، وإيجاد بيئة صحية وتفاعلية خلال الشهر الفضيل الذي يشهد بطبيعته حراكًا اجتماعيًا واسعًا، خاصة في فتراته المسائية.
كرة السلة... تنظيم يواكب الطموح وتفاعل يعكس الشغف
شكلت البطولة الرمضانية الخامسة لكرة السلة النسائية للهيئات والمؤسسات محطة بارزة ضمن الفعاليات الرياضية التي أقيمت خلال الشهر الفضيل؛ حيث جاءت امتدادا لجهود الاتحاد العماني لكرة السلة في دعم الرياضة النسائية وتعزيز حضورها على الساحة المحلية، وفي هذا السياق، أوضحت هبة الناعبي، عضو مجلس إدارة الاتحاد العماني لكرة السلة ورئيسة اللجنة النسائية، أن فكرة تنظيم البطولة خلال شهر رمضان جاءت انطلاقًا من رؤية تهدف إلى استثمار الأجواء الاجتماعية التي يتميز بها هذا الشهر؛ حيث تزداد فرص اللقاء والتفاعل بين أفراد المجتمع، ما يسهم في استقطاب أكبر عدد ممكن من المشاركات.
وأشارت إلى أن الهدف الأساسي من البطولة تمثل في إيجاد بيئة رياضية واجتماعية متكاملة تجمع اللاعبات، وتمنحهن مساحة آمنة للتعبير عن قدراتهن، إلى جانب تعزيز مفهوم الرياضة كأسلوب حياة صحي، وأضافت: إن البطولة لم تقتصر على الجانب التنافسي فحسب، بل أسهمت أيضًا في بناء جسور التواصل بين اللاعبات من مختلف الجهات، وهو ما يعزز من الروابط الاجتماعية، ويوفر بيئة داعمة للرياضة النسائية.
وفيما يتعلق بمستوى المشاركة، أكدت هبة أن البطولة شهدت تفاعلًا ملحوظًا من قبل اللاعبات؛ حيث برزت روح الحماس والتنافس الشريف بين الفرق، وهو ما يعكس مدى تطور كرة السلة النسائية في سلطنة عمان، كما لفتت إلى أن أجواء رمضان لعبت دورا مهما في زيادة الإقبال؛ إذ تُعد الفترة المسائية بعد الإفطار وقتا مناسبا لممارسة الأنشطة الرياضية، ما ساهم في رفع نسبة الحضور سواء من اللاعبات أو الجمهور.
أما عن التحديات، فقد أوضحت أن تنظيم البطولة خلال شهر رمضان يتطلب تنسيقا دقيقا، خاصة فيما يتعلق بمواعيد المباريات التي يجب أن تتناسب مع أوقات الإفطار وصلاة التراويح، إلى جانب مراعاة الجوانب البدنية للاعبات، ومع ذلك، أكدت أن التعاون بين اللجنة المنظمة والفرق المشاركة ساهم في تجاوز هذه التحديات، وتحقيق نجاح ملموس للبطولة.
وفي ختام حديثها، أعربت هبة عن تطلعها إلى تطوير البطولة في النسخ القادمة، من خلال توسيع قاعدة المشاركة، وإدخال فعاليات مصاحبة تسهم في صقل مهارات اللاعبات، مثل الورش التدريبية.
تجربة تعكس روح التحدي والإصرار
من جانبها، عبرت لاعبة كرة السلة ريم الشيراوي عن سعادتها الكبيرة بالمشاركة في البطولة، مؤكدة أن التجربة كانت مميزة بكل تفاصيلها، خاصة أنها جاءت في أجواء شهر رمضان التي تحمل طابعا خاصا يختلف عن بقية البطولات، وأوضحت أن هذه الأجواء أسهمت في إيجاد مزيج جميل بين روح التحدي والتنافس من جهة، وروح الألفة والتعاون بين اللاعبات من جهة أخرى، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على مستوى المباريات.
وأضافت: إن التنظيم الجيد للبطولة كان له دور بارز في نجاحها؛ حيث وفّر بيئة مناسبة ومريحة للاعبات، وساهم في منحهن فرصة الاحتكاك بفرق مختلفة، الأمر الذي يساعد على تطوير المهارات الفنية، واكتساب خبرات جديدة، كما أشارت إلى أن أجواء المنافسة كانت حماسية؛ حيث حرصت جميع الفرق على تقديم أفضل ما لديها، مع الالتزام بالروح الرياضية والاحترام المتبادل داخل الملعب.
وفيما يتعلق بالتحديات، بيّنت ريم أن اللعب خلال شهر رمضان يتطلب جهدا إضافيا، خاصة من حيث التحمل البدني وإدارة الطاقة، إلا أن تنظيم الوقت والحصول على الراحة الكافية يساعدان بشكل كبير في تجاوز هذه الصعوبات، واختتمت حديثها بالتأكيد على أهمية هذه البطولات في إبراز قدرات اللاعبات وتشجيع الفتيات على ممارسة كرة السلة.
الريشة الطائرة... مبادرات تعزز الثقافة الرياضية
وفي إطار دعم الرياضات الفردية، وتعزيز حضور المرأة في الأنشطة المجتمعية، برز برنامج "وقت الريشة" الذي أطلقته اللجنة العمانية لألعاب المضرب خلال شهر رمضان، ليقدّم نموذجا مميزا للمبادرات الرياضية الهادفة التي تستهدف المرأة بمختلف فئاتها، وفي هذا السياق، أوضحت رقية العميري، عضو مجلس إدارة اللجنة، أن إطلاق البرنامج جاء ضمن رؤية تسعى إلى تمكين المرأة رياضيًا ومجتمعيًا، وتعزيز ثقافة الرياضة النسائية في شهر رمضان، ونشر ثقافة ممارسة رياضة الريشة الطائرة كأسلوب حياة صحي ومستدام، يتماشى مع التوجهات الحديثة لتعزيز جودة الحياة وزيادة المشاركة في الأنشطة الرياضية.
وأضافت: إن البرنامج شهد إقبالا لافتا من المشاركات؛ حيث استقطب فئات عمرية متنوعة، شملت الموظفات وربات البيوت وطالبات المدارس والجامعات، وهو ما يعكس تنامي الوعي لدى المرأة العمانية بأهمية النشاط البدني ودوره في تحسين الصحة العامة، وأشارت إلى أن اللجنة العمانية لألعاب المضرب حرصت على توفير بيئة تدريبية ملائمة وآمنة، من خلال الإشراف المباشر لمدربات معتمدات، الأمر الذي أسهم في رفع مستوى الأداء الفني للمشاركات، ومنحهن فرصة حقيقية لتعلم أساسيات اللعبة بشكل صحيح وتطوير مهاراتهن بشكل تدريجي.
وأكدت رقية أن التفاعل الإيجابي الذي شهده البرنامج يعكس نجاحه في تحقيق أهدافه؛ حيث جمع بين متعة التعلم وروح التنافس الودي، ما أسهم في تعزيز انتشار اللعبة بين النساء، وتشجيعهن على الاستمرار في ممارستها، إلى جانب بناء مجتمع رياضي نسائي أكثر تفاعلا، كما أعربت عن تطلع اللجنة إلى توسيع نطاق هذه المبادرات مستقبلا، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الرياضة النسائية واستدامتها في المجتمع.
شغف متجدد وطموح مستمر
من جانبها، عبرت اللاعبة مزنة الحراصي عن إعجابها الكبير بتجربتها في برنامج "وقت الريشة"، مؤكدة أنها كانت تجربة مميزة ومليئة بالحماس والتفاعل بين جميع المشاركات، وأوضحت أن الأجواء التنافسية التي سادت البرنامج كان لها دور كبير في تشجيع اللاعبات على تطوير مهاراتهن والسعي لتقديم أداء أفضل خلال الحصص التدريبية، كما أشارت إلى أن توقيت الفعاليات خلال شهر رمضان كان مناسبا جدا، ولم يشكل الصيام أي عائق أمام مشاركتهن، بل على العكس أسهم في تعزيز الالتزام والحماس، وأضافت: إن البرنامج ترك أثرا إيجابيا واضحا؛ حيث زاد من حبها للعبة، وعزز رغبتها في الاستمرار وتطوير مستواها، متمنية تكرار مثل هذه المبادرات.
كرة اليد.. منافسة تعكس تطور اللعبة
وفي نادي قريات، شهد دوري كرة اليد للنساء مشاركة مميزة من الفرق النسائية؛ حيث عكس هذا الدوري الجهود المبذولة لتعزيز الرياضة النسائية على مستوى الأندية، وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة خالصة البلوشي، رئيسة اللجنة النسائية بنادي قريات، أن تنظيم البطولة جاء بهدف تعزيز مشاركة المرأة في الأنشطة الرياضية، ونشر ثقافة أهمية الرياضة في المجتمع.
وأضافت: إن البطولة وفرت منصة للاعبات لإبراز مهاراتهن وتطوير مستواهن، إلى جانب تعزيز روح الفريق والتعاون بينهن، وأشارت إلى أن مستوى المنافسة كان جيدا؛ حيث أظهرت اللاعبات مهارات فنية وروحا تنافسية عالية، وهو ما يعكس تطور كرة اليد النسائية.
وأكدت أن الطموح يتجه نحو تطوير كرة اليد النسائية من خلال تنظيم بطولات مستمرة، واكتشاف المواهب، وتوفير برامج تدريبية تسهم في رفع مستوى اللاعبات.
أثر يتجاوز حدود الملعب
أما لاعبة كرة اليد فوزية الشهيمي، فقد أكدت أن مشاركتها في البطولة كانت تجربة مميزة، جمعت بين أجواء الشهر الفضيل وروح التحدي، وأوضحت أن المنافسة بين الفرق كانت قوية، مع الحفاظ على الروح الرياضية، وهو ما يعكس تطور الوعي الرياضي لدى اللاعبات.
وأضافت: إن الصيام شكّل تحديا من حيث الجهد البدني، إلا أن الإصرار وتنظيم الأداء داخل الملعب ساعدا في تجاوز هذه الصعوبات، كما أشارت إلى أن البطولة عززت الثقة بالنفس وروح الفريق، وشجعت المزيد من الفتيات على المشاركة في الأنشطة الرياضية.
فعاليات مجتمعية.. بوابة لتعزيز المشاركة
إلى جانب البطولات التنافسية، شهد شهر رمضان تنظيم عدد من الفعاليات المجتمعية المميزة التي استهدفت النساء والفتيات، وكان من أبرزها فعالية هوكي الجليد للفتيات وفعالية "خطوة رياضية" للنساء، وقد صممت هذه الفعاليات لتوفير بيئة محفزة تشجع على ممارسة النشاط البدني ضمن أجواء جماعية ممتعة، بحيث تجمع بين الترفيه والفائدة الصحية، مع التركيز على تعزيز الروح الاجتماعية والتعاون بين المشاركات، وأسهمت هذه المبادرات بشكل واضح في استقطاب شريحة واسعة من النساء والفتيات من مختلف الأعمار والخلفيات؛ حيث وفرت فرصا للتفاعل والتعلم، بالإضافة إلى اكتساب مهارات جديدة في الرياضات المختلفة، ويعكس الاهتمام الكبير بهذه الفعاليات دورها الحيوي في نشر ثقافة ممارسة الرياضة، وزيادة الوعي بأهمية النشاط البدني لصحة الجسم والعقل، كما تشجع هذه المبادرات على استمرار المشاركة النسائية في البرامج الرياضية، مما يسهم في بناء مجتمع رياضي متكامل ومستدام، يعزز من تواجد المرأة في المشهد الرياضي المحلي.
نحو مستقبل أكثر إشراقا
وفي الختام، يتضح أن الأنشطة الرياضية النسائية التي شهدها شهر رمضان لم تكن مجرد فعاليات مؤقتة، بل شكلت تجربة متكاملة أسهمت في تعزيز حضور المرأة في الرياضة، وتشجيعها على تبني نمط حياة صحي، كما عكست هذه المبادرات وعيا متزايدا بأهمية الرياضة كجزء من الحياة اليومية، خاصة في ظل التوجهات الوطنية نحو تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف المجالات.
وتؤكد آراء المنظمات واللاعبات أن هذه التجارب تركت أثرا إيجابيا يمتد إلى ما بعد الشهر الفضيل، سواء على مستوى تطوير المهارات، أو تعزيز الثقة بالنفس، أو بناء علاقات اجتماعية جديدة، ومع استمرار هذه الجهود، يبقى الأمل في أن تتحول هذه المبادرات إلى برامج مستدامة تسهم في ترسيخ ثقافة الرياضة النسائية، وتفتح آفاقا أوسع أمام المرأة للمشاركة والتميز في مختلف الألعاب الرياضية.