هو الآذاريّ الذي وُلد "إلى جانب البئرِ والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات"؛ فجميل هو الاحتفال بالميلاد. فهو الذي رأى النور في الثالث عشر من آذار عام 1941، يدخل الـ85 عاما، ولكن يدخله "بكامل مشمشه"، هذا المشمش الذي لم ينته الجدل فيه وعنه.
"مَنْ أَنا لأقول لكمْ
ما أَقولُ لكمْ؟
وأَنا لم أكُنْ حجرًا صَقَلَتْهُ المياهُ
فأصبح وجهًا
ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ
فأصبح نايًا..."
تلك بداية قصيدته الأكثر عمقا وجوديا وخلودا بما ضمّنها درويش سيرته في شعره، أو سيرة شعره فيه، وهو وقد بلغ أوج الإبداع العالمي، عاد ليتساءل عن هذا كله، كأنّه يدفعنا للتعلّم من الحياة كما تعلّم هو.
"لاعب النرد" كما أراها هي واحدة من أهمّ قصائد الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. ولو لم يقلْ غيرها لكفتْه. ولربما هذا سر وجودها في ديوانه الأخير “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي" الذي نُشر بعد عام على رحيله. والحقيقة أنها من أهم القصائد العالمية.
منذ سنوات وأنا، وربما آخرون مثلي يعيدون قراءة القصيدة، وقد وضعت مخططا لتحليلها، ولأنها بهذا البهاء، فقد احتجت تفرغا للارتقاء بالكتابة عنها، فلعلي أعود وأكتب أخيرا ما تأمّلت في تأمّلات محمود درويش في الحياة واختياراتها الوجودية، وأقدارها وصولا للرحيل. فهل كانت منبئة عن الرحيل الذي كان في صيف 2008، أم لعله اختار أن يؤبّن نفسه، يرثيها، ربما حتى لا يقع الناس في جدل حول تلك الروح التي كانت، ومنذ بدأت بحياة الطفل الذي كانه في نكبة عام 1948، حين رحلت أسرته عن "البروة" إلى لبنان مؤقتا، ثم لتتسلل إلى الوطن بعد عام. لربما يحتاج من يقرأها أن يبدأ بجدارية محمود درويش التي كتبها عام 2000 بعد عملية القلب التي أُجريت له.
دوما تساءلت عن مصادر تكوين الشاعر، والذي كان مفكّرا عميقا؛ فمن يتتبع شعره خصوصا من كان باحثا أو ناقدا، من البداية إلى النهاية، يدرك قدرات الشاعر غير العادية شكلا ومضمونا، حتى ليخيّل لنا في مرحلة ما من دراسته أنه خرّيج أهم الجامعات، وقد حصل على أعلى الألقاب العلميّة.
ولعلنا هنا نقتبس بيت شعر المتنبي المشهور من قصيدته "لِكُلِّ امرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَمَنّى"، الذي يقول فيه:
أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ
وهكذا راح محللو شعره، والذين صنفوا مراحل شعره، من عدة مناظير، إن كانت تبعا للإقامة والمنفى، من حيث التكوين والوعي الثوريّ والإنسانيّ، أو كانت تبعا لأيديولوجيته، وتأثره القومي والوجوديّ، أو من حيث كتابة الشعر نفسه انفعالا وتأثرا بآخرين وصولا إلى امتلاك صوته الفريد، أو من حيث تجربته الذاتية والموضوعية. وما نظنه أن البحث سيستمر فعلا، لذلك اكتسب شعر محمود درويش العالمية والخلود.
لم يتلق الشاعر الكبير الكثير من التعلّم خارج مقاعد مدرسته في دير الأسد في الجليل المحتلّ عام 1948، لكنّه مبكّرا تعلّم القراءة، فأبحر في عوالم المعارف، وواكب ذلك قدراته في قراءة الدنيا، وصولا لقراءة نفسه والناس:
"لا دور لي في حياتي
سوى أَنني،
عندما عَلّمتني تراتيلها،
قلتُ: هل من مزيد؟
وأَوقدتُ قنديلها
ثم حاولتُ تعديلها..."
وهكذا، وما لا يعرفه كثيرون أن درويش كان ناقدا عميقا جدا في رؤيته للأدب والشعر، بل كان متنبئا وجريئا وموضوعيا، وقد ضمّن ذلك دكتور حسام الخطيب في كتابه الفريد "النقد الأدبيّ في الوطن الفلسطيني والشتات" الذي صدر عام 1996، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بل وكان ناقدا مسرحيّا بالقدر الكافي في عقد الستينيات، ولو تابع درويش النقد لكنا إزاء ناقد عربيّ كبير. ولكن ما عرفه كثيرون أن محمود درويش كان كاتبا ومحررا في صحف ومجلات الأرض المحتلة عام 1948 كأصغر كاتب وأصغر محرر، لذلك ليس غريبا أنه ترأس مركز الأبحاث الفلسطيني وهو في أول الثلاثينيات، وكذلك ترأس تحرير مجلات مهمة كشؤون فلسطينية والكرمل. ولا يغيب عن الجميع المقومات التي تطلبها مهنة التحرير من سعة ثقافة ومعرفة ورقيّ لغويّ.
"ويدقُّ خطاه على الرمل ِ
كي يجمع الغيم في حُفْرةٍ. والسراب يناديه
يُغْويه، يخدعه، ثم يرفعه فوق: اقرأ
إذا ما استطعتَ القراءةَ. واكتبْ إذا
ما استطعت الكتابة"
هي إذن مجمل حياته المتنوعة الخصوبة، فلم يكن ليكتب ما كتب فعلا إلّا بعد قراءة واطلاع، لا لما كتبه النقّاد عن شعره، بل معظم صنوف المعرفة، في التاريخ والأنثروبولوجيا، والأديان، والآداب العالمية حيث راح يوظّف تلك المعارف في شعره الذي كاد يتصوّف له، ويركّز عليه، فبادله الشعر حبا بحب ووفاء بوفاء.
ثمة تفاصيل تؤكّد على قراءة الشاعر المركّزة، وقد انعكست معرفته مثلا في الشعر العربيّ، وهو الذي اصطحب معه ديوان المتنبي من بيروت إلى دمشق إلى باريس. وللباحثين في شكل قصيدته اختياراته من تفعيلات البحور ما يلائم المعنى، وهو ما تحدث عنه دكتور طه حسين مبكرا في دراسته لبحور الشعر عند القدماء. لذلك لم يكن درويش ليبدع ما أبدع من شعر عربيّ إلّا بعد رحلته المعرفية والوطنية والإنسانية والذاتية. لقد أخلص درويش، وكتب شعره وهو يقف على أرض صلبة معرفة وشعورا وانتماء وحرية في الفكر والشعر. لقد أصغى شاعرنا للكون، كما أصغى لروح الشعر معا:
"لا دَوْرَ لي في القصيدة
غيرُ امتثالي لإيقاعها:
حركاتِ الأحاسيس حسًّا يعدِّل حسًّا
وحَدْسًا يُنَزِّلُ معنىً"
تلك إذن مصادر تكوين الشاعر، والذي كان حقيقيا فيما قاله، لا لادعاء التواضع:
"مَنْ أَنا لأقول لكمْ ما أَقولُ لكمْ؟"
إنه استفزاز إبداعيّ لنا من هنا إلى آخر الدنيا، لتعميق تأملاتنا، ولتحرير التأملات، لنذهب بها إلى آخر مدى. وإنه استخلاص نبيل فريد مفاجئ صادم، حين يعيد الشاعر الاعتبار للقارئ، كأنه يخبرنا بأنه مؤهل ليتحدث فقط عما تأمله في رحلته هو، وكل ورحلاته التي يمكن لكلّ منا الكتابة عما نكتنز من خبرة. وعلّ ذلك هو ما قصده تماما إبداعيا في سياق سرديته لبلاده وعنها:
"مَن يكتب حكايته يَرِث أرضَ الكلام، ويملك المعنى تمامًا"، كما نقتبسه من ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدا" الذي صدر عام 1995.
لولا علامة الاستفهام في جملة الافتتاح "مَنْ أَنا لأقول لكمْ ما أَقولُ لكمْ؟"، لقلنا إن "مَنْ"، بمعنى الذي، لا اسم استفهام، لاتساق المعنى مع تواضعه العميق، ذلك التواضع الكونيّ لشاعر كبير، لكن لربما أراد بصيغة الاستفهام تحفيزنا للفعل والحضور بأنفسنا إبداعيا وفكريا ونضاليا ووطنيا وقوميا وإنسانيا.