القاهرة "د.ب.ا": يُمثل التراث الثقافي، وفي المقدمة منه الحكاية الشعبية، مكوناً من مكونات الهوية الوطنية للشعوب، والذاكرة الحية لكل أمة. ومن هنا كانت أهمية صون هذا التراث وجمعه وتوثيقه.
وفي سياق الاهتمام بجمع الحكايات الشعبية بوصفها إمتاع وهويّة، حيث تُمَتّع القارئ بما تحتوي عليه من تفاصيل وتربطه بهويته، فقد نشط باحثون كُثُر في جمع تلك الحكايات من أفواه الرواة الشعبيين، الذين يملكون مخزوناً حكائياً ضخماً، والحيلولة دون اندثار ذلك المخزون.


وفي هذا الإطار، صدر حديثاً كتاب "الحكاية الشعبية: نصوص ودراسات"، لمؤلفه الباحث المصري الدكتور خالد ابوالليل، حيث جاء الكتاب الصادر عن معهد الشارقة للتراث في مجلدين ضخمين، مشتملا ً على الكثير والكثير من الحكايات الشعبية التي جمعها المؤلف من قرى محافظة الفيوم المصرية، بجانب دراسات غاص من خلالها المؤلف في تلك النصوص الحكائية الشعبية، متوقفاً عندها بالبحث والتحليل.


وأكدت دراسات الكتاب الذي قدّم له الدكتور عبدالعزيز المسلّم، رئيس معهد الشارقة للتراث، على القيمة الكبيرة للرواة الشعبيين الذين يعدون حفظة الموروث والذاكرة الشعبية. وأهمية ما يحملونه من ثروة تراثية ضخمة. وأكد كذلك على ضرورة تدوين ذلك الموروث من الحكايات وتوثيقها وحماية المخزون التراثي الشفاهي قبل أن يضيع بوفاة حملته من الرواة. وشدّد على أن هذا الموروث الشعبي يقف على قدم المساواة مع ما أسماه بـ "التراث الرسمي"، في تثبيت دعائم الهويّة الثقافية للمجتمعات.


مؤلف الكتاب أشار في مقدمة كتابه، إلى أنه من حسن حظ المجتمعات العربية أن تلك الحكايات لا تزال تروى في القرى، ونوّه بإدراك الغرب المُبكّر لقيمة تلك الحكايات والمأثورات، وأهمية جمعها وتدوينها وتوثيقها وتصنيفها قبل اندثارها واندثار رواتها.


وتدلنا مقدمة الكتاب على أن الحكايات الشعبية، وكل أشكال الأدب الشعبي، هي نصوص شفاهية بالأساس، تتبدى قيمتها الإبداعية وتتجلى أثناء أدائها شفوياً، وأن من يقوم بجمعها وتدوينها من الباحثين، يُعاني من مشكلات عدة أثناء تدوين هذه النصوص، وتحويلها من عمل شفاهي إلى عمل مكتوب، من عمل شفاهي حي يعتمد على لغة الجسد قبل لغة الكلام، والتمثيل والتجسيد والآداء قبل الوصف المجرد.
ونتعرّف من الكتاب على أن الرواة الشعبيين حددوا أربعة مصطلحات تندرج تحتها مجموعة الحكايات الشعبية وهي: الحواديت، والمثلات، والسهاري، والأحاديث.


وقد قّسم المؤلف الدكتور خالد ابوالليل، الحواديت إلى اقسام عدة هي: الحواديت الاجتماعية، والحواديت التعليمية، والحواديت السياسية، والحواديت المتنوّعة.
وقسّم المثلات إلى مثلات اجتماعية، ومثلات دينية، وأما السهاري فقد قسّمها إلى مثلات اجتماعية، وأخرى دينية.


ويدلنا الكتاب على أن مصطلح الحكاية الشعبية في التراث العربي الحديث مصطلح غامض كغيره من مصطلحات الأدب الشعبي، وبحسب نصوص الكتاب، فإن مصدر الغموض يرجع إلى سببين جوهريين؛ يرتبط أولهما بانتماء المصطلح إلى دائرة الأدب الشعبي، ويتعلق الآخر ببنية الثقافة العربية الحديثة في عدم بلورتها للمصطلحات لأسباب عدة منها عدم وجود مادة وفيرة تعين الدارس على استنباط النتائج من خلال استقرائه لها. ويقوم على دراستها المتخصصون بغية التوصل إلى مصطلح دقيق يطلق على هذه المادة المجموعة؛ ومن ثم التوصل إلى تعريف مقنع لهذا المصطلح.


ووفقاً للكتاب، فإن التعريف لا يمكن أن يجيء إلا من خلال الاستقراء الدقيق لنصوص الأنواع وصولاً إلى الخصائص النوعية المميزة، والتي يمثل كل واحد منها حداًً من حدود التعريف.
ونقرأ على صفحات الكتاب، أن "الحكاية الشعبية" تركيب لغوي حديث، وأن مصطلح القصة الشعبية، كمصطلح الحكاية الشعبية تركيب لغوي حديث؛ وإن كان الجذر اللغوي "قص" ومنه "القصة" و"القصص" أصيلاً في العربية، ويبدو أنه المصطلح الأقدم في مجال الدراسات الشعبية العربية عن نظيره "الحكاية الشعبية".


وفي إطار تعريف المؤلف لبعض المصطلحات والتصنيفات التي صنّف بها مجموعات الحكايات الشعبية التي تضمنها الكتاب، والتي جمعها المؤلف من قرى محافظة الفيوم المصرية، أشار إلى أن "المثلات" التي تندرج تحتها مجموعة من الحكايات، تختلف في خصائصها عن "الحواديت"، ومنها عدم حرص الرواة بالقدر نفسه الموجود في الحواديت على الافتتاح بالجمل التقليدية، حيث يبدأ الراوي حكايته مباشرة بقوله "كان في واحد أصيل.. كان في واحد عربي"، وظهور الشعر في ثنايا رواية بعض المثلات وغير ذلك من الاختلافات، لكن مؤلف الكتاب يعود ليؤكد على أن المثلات تُشارك الحدوتة في الاحتفاء ببعض التفاصيل.


وأما "السهاري" فقال المؤلف إن هذا اللون الأدبي الشعبي يجمع في خصائصه بين "الحدوتة" و"المثل"، وتناول كذلك القصص التي تندرج تحت مسمى "الأحاديث"، وقال إن هذه القصص تروى بقصد العظة، وأن البعض يروى بغرض ذكر معجزات بعض الأنبياء.
ويحدثنا كتاب "الحكاية الشعبية: نصوص ودراسات"، عن كرامات الأولياء والقديسين، والتي تأتي في سياق ما يُعرف بحكايات وقصص المعتقدات الدينية. وهكذا يستعرض الكتاب أنماطا عدة من الموروث الحكائي الشعبي، ويقدم للقارئ نخبة كبيرة من الحكايات، والمثلات، والسهاري، والأحاديث المتنوعة في موضوعاتها. كما يوضح للقارئ أن ما جاء في الكتاب من مصطلحات مثل "المثلات" و"الأحاديث"، و"السهاري"، وغيرها تتعدّد تعريفاتها واستخداماتها.


وتؤكد فصول وصفحات الكتاب، على أن شفاهية الحكايات الشعبية أدت إلى اختلاف رواياتها، وسمحت لعوامل أخرى كالعامل الاجتماعي، والنفسي والوظيفي والأدائي بعناصره المختلفة بأن تسهم بأدوار متباينة الدرجة في تعدد روايات الحكاية الشعبية الواحدة. وأن هذه الشفاهية أسهمت في جعل موقف الحكي موقفاً أدائياً وإبداعياً في آن واحد.
وأن الحكايات الشعبية التي جمعها المؤلف ونشرها في هذا الكتاب، أكدت على دور الذاكرة الشعبية، وعلى وجود تباين واختلاف بين الروايات المتعددة للحكاية الشعبية الواحدة، حيث تؤدي الشفاهية إلى اختلاف روايات الحكاية الشعبية الواحدة للراوي الواحد.


ويخلص مؤلف الكتاب من ذلك إلى أن راوي الحكاية الشعبية مُبدع لما يرويه، وأن دوره لا يقتصر على سرد رواية محفوظة، وأن ابتكار الراوي يظهر في أمور عدة كالأسلوب، واللغة، والصور، والإيماءات والحركات الجسدية، وأن لكل راوٍ طريقته التي تجعل الحكاية الشعبية الواحدة تبدو وكأنها حكايات متعددة. وأن شفاهية الحكايات الشعبية تمكن الراوي من تحقيق غاياته النفسية، وهنا يتولّد اختلاف الروايات الذي ينبثق من الحافز الخلاق عند الفرد.
بقي أن نُشير إلى أن كتاب "الحكاية الشعبية: نصوص ودراسات"، لمؤلفه الباحث المصري الدكتور خالد ابوالليل، احتوت صفحاته على عدد كبير من الحكايات الشعبية الآتية لنا من الرواة الشعبيين في محافظة الفيوم المصرية، ودراسات موسعة لتلك الحكايات بمختلف انماطها من حكايات وحواديت ومثلات وأحاديث وسهاري. منحت القارئ فرصة للتعرف على الحكاية الشعبية وأنواعها وأوجه التشابه والاختلاف فيما بينها.