يهل علينا عيد الفطر المبارك هذا العام فيما تبدو المنطقة كأنها تسير على حافة طويلة من الخوف والقلق؛ أصوات الحرب أعلى من أصوات العقل، وصور النار تكاد تطغى على ما عداها، والناس موزّعون بين خوف على الأوطان، وخوف على ألا يبقى للإنسان متّسع للرحمة وسط هذا الخراب المتناثر على امتداد الجغرافيا. ومع ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى زرع قوة خفية في أعياد المسلمين تذكرهم بأن التاريخ لا يُكتب بالقوة وحدها، وأن الروح الإنسانية تملك دائما طاقة خفية على ترميم ما تكسّره القسوة.
العيد، في جوهره، هو لحظة عودة إلى الأصل النبيل في الإنسان؛ إلى الصفاء الذي يصنعه الصوم في الداخل، وإلى التخفف من الغضب، وإلى الإحساس بأن القيم الكبرى لا تفقد معناها مهما اشتدت حولها العواصف. بعد شهر كامل من التهذيب والمجاهدة والانضباط، يصل العيد كأنه المكافأة الرمزية على انتصار الإنسان على شيء من نفسه، وعلى قدرته على أن يقدّم الرحمة على القسوة، والتسامح على الضغينة، والمودة على التباعد.
ثمة الكثير من الروابط التي يمكن أن نجدها في معنى العيد الذي يأتي بعد شهر من الصوم ومجاهدة النفس وما يحدث في منطقتنا من حروب ودمار وتفشٍ للظلم وغياب العقل. فحين تتسع دوائر الحرب، تصبح الحاجة إلى المعاني المؤسسة للحياة أكبر من أي وقت آخر.
يذكرنا العيد بأن المجتمعات لا تُبنى بالسلاح وحده، وأن الأمن الحقيقي يبدأ من قدرة البشر على حماية ما تبقى فيهم من إنسانية، وعلى مقاومة التوحش الذي تحاول الحروب أن تفرضه باعتباره اللغة الوحيدة الممكنة.
في العيد تتصافح الأيدي التي باعدت بينها الأيام، وتُفتح الأبواب التي أثقلتها الخصومات، وتتحرك الذاكرة نحو أجمل ما في الناس. وهذه المعاني لا تخص البيوت والعائلات وحدها؛ إنها تصلح أيضا لأن تكون فكرة عامة للحياة السياسية والأخلاقية في هذه المنطقة. فالإقليم الذي أنهكته الصراعات يحتاج، أكثر من حاجته إلى خطاب التعبئة، إلى خطاب يرد الاعتبار للإنسان، ويعيد للسلام مكانته بوصفه شرطا لازدهار الأمم لا مجرد هدنة بين حربين. يحتاج إلى عقل يرى أن التسويات الشجاعة قد تصنع منجزا أبقى من المكاسب الخاطفة، وأن الكرامة الوطنية لا تتعارض مع الحكمة.
ولعل أجمل ما في العيد أنه لا يعد الناس بمعجزة سياسية تهبط فجأة من السماء، لكنه يوقظ فيهم شيئا أكثر رسوخا: الثقة بأن الغد لا يشبه اليوم على الدوام، وأن أشد اللحظات اختناقا تحمل في داخلها بذرة انفراجها. هكذا تتحرك الحياة منذ القدم؛ يشتد الظلام ثم تتقدم نحوه نقطة ضوء صغيرة، تتسع رويدا رويدا حتى تغيّر المشهد كله. والعيد هو هذه النقطة المضيئة في وجدان الأمة؛ نافذة يطل منها المعنى على واقع مثقل، فيمنحه شيئا من السكينة، وشيئا من القدرة على الاحتمال، وشيئا من الإيمان بأن ما انكسر يمكن أن يلتئم.
وفي صباح العيد، حين يخرج الناس إلى الصلاة بقلوب أخف، وثياب أنقى، ووجوه تلمع فيها آثار الصوم والدعاء، يبدو المشهد كله كأنه رسالة بليغة تقول إن هذه الأمة، على كثرة جراحها، لا تزال قادرة على أن تجد طريقها إلى الفرح، وأن تحفظ مكانا للنور وسط هذا الركام. وهذا وحده سبب كافٍ لأن نتمسك بالأمل؛ فالغد، مهما أثقلته الحروب اليوم، يبقى قابلا لأن يكون أكثر عدلا وهدوءا واتساعا للإنسان. والعيد يجيء كل عام ليذكرنا بهذه الحقيقة، ويطلب منا أن نكون جديرين بها.