غزة - «عُمان»- بهاء طباسي


في قسم الطوارئ بمستشفى الشفاء في مدينة غزة، يستلقي محمود شعث على سرير معدني ضيق تحيط به أجهزة طبية بسيطة، بينما يحدّق طويلًا في سقف الغرفة الذي اسودّت أطرافه بفعل أدخنة القصف والرطوبة. منذ أنحو أسبوعين وهو ينتظر خبرًا قد يغيّر مصيره: اتصال يخبره بأنه معبر رفح، الذي أغلقه الاحتلال بعد العدوان الإسرائيلي على إيران قد أعيد فتحه، وأن دوره للعلاج بالخارج قد حان. بعد أن استقرت رصاصة قرب عموده الفقري خلال حرب الإبادة، تاركة جسده نصف مشلول وأيامه معلّقة بين الألم والانتظار.


على سرير الانتظار
أُصيب محمود خلال القصف العنيف على حي الزيتون، جنوب مدينة غزة، في أغسطس الماضي. في ليلة ظلماء، خرج مع عدد من جيرانه لمحاولة إجلاء عائلة عالقة داخل منزل تضرر بفعل القصف. وبينما كانوا يحاولون العبور عبر شارع شبه مدمر، دوى إطلاق نار كثيف في المنطقة، فسقط محمود أرضًا بعدما اخترقت رصاصة ظهره واستقرت قرب فقراته القطنية.
نُقل على عجل إلى مستشفى الشفاء، حيث أُدخل مباشرة إلى قسم الطوارئ وسط ازدحام غير مسبوق بالجرحى. هناك، أخبره الأطباء بعد سلسلة من الفحوصات أن الإصابة خطيرة؛ فالطلقة أصابت العمود الفقري وألحقت ضررًا بالأعصاب المسؤولة عن الحركة في الجزء السفلي من جسده، تاركة جسده نصف مشلول. قال له أحد الأطباء يومها: «نحتاج إلى تدخل جراحي دقيق غير متوفر هنا».
منذ ذلك اليوم، تحوّل سرير الطوارئ إلى محطة انتظار طويلة. يراقب محمود حركة الأطباء والممرضين من حوله، ويسأل كل صباح إن كان هناك جديد بشأن فتح المعبر. يوضح بصوت خافت لـ«عُمان»: «أخبروني أن العملية التي أحتاجها يجب أن تُجرى في الخارج، وأن تأخيرها قد يهدد قدرتي على الحركة نهائيًا». ثم يتنهد ويضيف: «أنا لا أطلب شيئًا أكثر من فرصة للعلاج... قبل أن يتحول هذا الانتظار إلى حكم دائم بالعجز».
حصار العلاج
تتكرر حكاية محمود في آلاف البيوت والمستشفيات في قطاع غزة، حيث تحوّل السفر للعلاج إلى حلم بعيد المنال مع استمرار إغلاق معبر رفح البري. فبعد اندلاع العدوان الإسرائيلي على إيران وما تبعه من توترات إقليمية، أغلق المعبر في وجه المرضى والجرحى الذين يعتمدون عليه بوصفه البوابة الأساسية للخروج إلى المستشفيات المتخصصة خارج القطاع.
وكان معبر رفح قد فُتح أمام الحالات الإنسانية في فبراير الماضي، ضمن ترتيبات المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، بحيث يسمح لنحو 50 مريضًا وجريحًا بالسفر يوميًا للعلاج في الخارج، لكن سلطات الاحتلال سرعان ما أغلقته، في الأول من مارس الجاري، لدواعٍ أمنية مرتبطة بالحرب الإقليمية، كما ادعت في بيان سابق.
هذا الإغلاق وضع آلاف المرضى أمام معادلة قاسية: البقاء داخل مستشفيات تعاني نقصًا حادًا في الأدوية والمعدات، أو انتظار فرصة سفر قد لا تأتي. ففي ظل الحصار المستمر وتدمير أجزاء واسعة من البنية الصحية خلال الحرب، لم تعد الكثير من العلاجات المتقدمة متوفرة داخل غزة.
ورم ينتظر
في مدينة خان يونس جنوب القطاع، يرقد محمد النجار، البالغ من العمر 58 عامًا، على أريكة خشنة، داخل منزله المُهدم، محاولًا مقاومة الألم الذي يلازمه منذ أشهر. يعاني الرجل من ورم سرطاني خبيث يحتاج إلى علاج متخصص في الخارج، لكن الطريق إلى المستشفى البعيد يمر عبر معبر ما زال مغلقًا.
يقول النجار بصوت مثقل بالتعب خلال حديثه لـ«عُمان»: «فرحنا بفتح معبر رفح قبل شهر رمضان، على أمل الخروج للعلاج، لكن شيئًا لم يتغير». يوضح ما وصفه بـ«لعبة الاحتلال؛ لتعميق المعاناة الإنسانية في غزة»: «منذ اندلاع الحرب، يفتحون المعبر أحيانًا بشكل محدود للغاية، حيث يُسمح لعدد قليل من المسافرين بالمغادرة، وغالبًا ما يكون المرضى في ذيل تلك القوائم، ثم يعاودون غلقه مسرعين».
جرح مفتوح
أما إبراهيم فياض، البالغ من العمر 64 عامًا، فيعيش قصة أخرى من المعاناة الطبية التي تفاقمت بفعل الحرب والحصار. كان يقيم في دير البلح قبل أن يضطر للنزوح إلى مدينة غزة لمتابعة علاجه، بعدما بدأت حالته الصحية تتدهور بشكل متسارع.
يقول فياض لـ«عُمان» إن معاناته بدأت بظهور كتلة في منطقة الشرج، لم يكن يعرف طبيعتها في البداية. تناول أدوية عديدة دون تحسن، إلى أن أجرى تصويرًا بالأشعة المقطعية في مستشفى حيفا، حيث أخبره الأطباء بوجود كتلة تحتاج إلى تدخل جراحي.
إنذار صحي
في وزارة الصحة بغزة، يتابع المسؤولون بقلق تصاعد الأزمة الصحية الناتجة عن استمرار إغلاق المعابر أمام المرضى. ويقول مدير عام نظم المعلومات في الوزارة، الطبيب زاهر الوحيدي، إن آلاف المرضى يعيشون اليوم في دائرة الخطر بسبب عدم قدرتهم على مغادرة القطاع لتلقي العلاج المتخصص.
يوضح الوحيدي في حديثه لـ«عُمان» أن قوائم المرضى الذين حصلوا على تحويلات طبية للعلاج في الخارج تضم أكثر من عشرين ألف شخص، بينهم جرحى ومرضى يعانون أمراضًا خطيرة تحتاج إلى تدخلات طبية غير متوفرة داخل غزة.
ويشير إلى أن بعض هؤلاء المرضى فقدوا حياتهم بالفعل أثناء انتظارهم فرصة السفر، بعدما لم يتمكنوا من الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب. «نحن نسجل وفيات بين مرضى كانوا مدرجين على قوائم التحويلات الطبية»، يقول الوحيدي، «وذلك نتيجة تأخر خروجهم من القطاع».
ويؤكد أن بعض العلاجات الحيوية، مثل العلاج الإشعاعي لمرضى السرطان، غير متوفرة أصلًا داخل القطاع، ما يجعل السفر ضرورة طبية وليس خيارًا. «المستشفيات هنا تحاول إبقاء المرضى على قيد الحياة عبر علاجات مؤقتة»، يقول، «لكنها لا تستطيع تقديم العلاج الكامل الذي تحتاجه هذه الحالات».