هل يأمر الله فعلا بالحروب؟ وهل جاءت الشّرائع لخلق ثنائيّات غيبيّة يتصارع البشر حولها، وإذا كان السّؤال الفلسفيّ الجدليّ المستمر: هل الأصل الكائن البشريّ كائن حيوانيّ انطبع على الصّراع كحيوان الغابة، والبقاء للأقوى، أم أنّ الكائن البشريّ ترقى إلى القدرة على التّعايش مع الآخر، وتطبّع بذلك وفق رقيّه من الإنسان غير العاقل إلى الإنسان العاقل، أو من البشريّة إلى الإنسانيّة؟ الأمر ذاته في الأديان، خصوصا الإبراهيميّة (اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام)؛ حيث غالب الصّراع في العالم اليوم يمارس باسمها، قلّ ما نجد ما يمارس باسم أديان أخرى إلّا ما تحاول خلقه السّياسة، ولا يشكّل ظاهرة أفقيّة واضحة، كما ظهر مؤخرا عند حزب بهاراتيا جاناتا في الهند في الفيديّة (الهندوس)، والّذي تزعمه حاليا رئيس الوزراء الهنديّ موديّ، والّذي يلقى معارضة من الاتّجاهات (الفيديّة) ذاتها، والّتي تنادي بالتّرقي في السّلم والتّعايش مع الآخر، الأمر ذاته عند البوذيّة لا نجد تلك الحدّة مع المختلف، فهو يتعارض مع النيرفانا القائمة على التّرقي، ومنه التّرقي في حبّ الخير لأي نسمة بشريّة، وإن حاولت من السّياسات البوذيّة خلقها إلّا أنّها ما تتصادم مع المبادئ البوذيّة ذاتها.

لمّا تقرأ سفر يشوع وهو أول سفر من الأسفار التّأريخيّة في التّناخ (العهد القديم) نجد هذا النّصّ (وقتَلوا بحَدِّ السَّيفِ إكراما للرّبِّ جميعَ ما في المدينةِ مِنْ رِجالٍ ونِساءٍ وأطفالٍ وشُيوخٍ، حتّى البقَر والغنَم والحَمير) [6: 21]، (وغنم بنو إسرائيل لأنفسهم كلّ بهائم تلك المدن وغنائمها، وأمّا النّاس فضربوهم جميعا بحدّ السّيف حتّى أفنوهم، لم يُبقوا نسمة) [11: 14]. مثل هذا النّصّ خلق جدلا عند اللّاهوتيّين المسيحيّين بين المبالغة في تأويله، أو الإقرار بتأريخيّته أي رقيّ الاجتماع البشريّ، فهو يتعارض مع وصايا الإنجيل ذاته.

بيد أنّ المتأمل في اليمينيّة الصّهيونيّة المعاصرة نجدها تمارس مضامين مثل هذه النّصوص؛ فثيودور هرتزل (ت: 1904م) الّذي أكّد في الابتداء «إنّ العقيدة تجمعنا، والمعرفة تمنحنا الحريّة، ولذلك سنمنع أيّ اتّجاهات ثيوقراطيّة تتصدّر قيادتنا من جانب الكهنوت، سوف نحصر كهنتنا داخل حدود المعابد»، لكن مع تنامي وتمدّد اليمين المتطرّف أصبح الآخر المختلف عنهم لا قيمة وجوديّة له، فضلا أن تكون له قيمة إنسانيّة. نجد مصاديق هذا في الدّماء الّتي يبيحونها بكلّ سهولة منذ أكثر من ثمانين عاما خلت، لا يقتصر عند الاغتيالات والإعدامات، بل عند حركة الإبادة بشكل أبشع ممّا صوره سفر يشوع، وبشكل متكرّر، وأمام دعم ومرأى من العالم.

حاولت المذاهب المسيحيّة التّقليديّة تمثلا في الأرثذوكس والكاثوليك ضبط التّقليد في التّعامل مع العهد القديم، وبعيدا عن الحروب السّابقة والّتي مارسها الكاثوليك مثلا باسم الصّليب، وهي أقرب إلى التّوسع التّبشيريّ والاقتصاديّ منه الخلاصيّ، إلّا أنّ البروتستانتيّة الكالفينيّة خصوصا، وإن بدأت بتفسيرات المحبّة بين البشر، وانفكّت عن التّقليد الأرثذوكسيّ (التّقليديّ)، بيد أنّها مع مرور الأيام خرج منها ظاهريّون في التّعامل مع النّصّ المقدّس، ومنهم من تبنى شيئا من الشّريعة اليهوديّة القديمة كالأدفنتست السّبتيين، وانبثق منهم شهود يهوه.

ارتبط الإنجيليّون المتعصّبون الجدد بالسّياسات الأمريكيّة تمثلا في حزبها الجمهوريّ خصوصا، ومن هؤلاء ولدت فكرة التّعجيل بالدّولة اليهوديّة تعجيلا بالمجيء الثّاني للمسيح، وهذا لا يتحقّق إلّا بعودة اليهود، وهو مبشّر بقيام المعركة الفاصلة أي هرمجدّون، وقبلها كما في سفر الرّؤيا من العهد الجديد (فإنّهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكلّ المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كلّ شيء) [14: 16]، (فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعى بالعبرانيّة هَرْمَجِدُّون) «14: 16». وربطت بعض الحركات الإسلاميّة لاهوتيّا هذا بما جاء في مقدّمة سورة الإسراء «4-6»: «وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا». ؛ فالمجيء الأول ربط بالسّبيّ البابليّ، أو بتدمير الهيكل سنة 70 على يد الرّومان، وما يحدث اليوم في فلسطين هو نبوءة بالمجيء الثّاني، واستندوا إلى رواية: «لا تقوم السّاعة حتّى يقاتل المسلمون اليهود، فيختبئ اليهوديّ وراء الحجر والشّجر، فيقول الحجر أو الشّجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهوديّ خلفي فتعال فاقتله».

كما ارتبط هذا بنظريّة عودة المخلّص (المسيح أو المهديّ). هذه العودة لا تكون طبيعيّة، بل مرتبطة بالفساد وكثرة الحروب والدّماء؛ «ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا»، فهي في نظري قائمة على المواجهة مع المسيح الدّجال والسّفيانيّ الخارج من الشّام في بعض الرّوايات، حتّى علق في بعض الخطابات اللّاهوتيّة أنّ كثرة المهرج والمرج، والفساد في الأرض، وانتشار القتل والفوضى؛ هو معجّل بظهور المخلّص، أيّا كانت صورته في عموم الأديان الإبراهيميّة.

لا أريد ربط الحرب الأخيرة (الأمريكيّة الإسرائيليّة – الإيرانيّة) بحرفيّة هذا التّشكّل الغيبيّ، لكنّها أيضا في رؤيتها وخطابها لا تخرج عنه؛ فبنيامين نتنياهو اعتبر الحرب الأخيرة هي حرب على العماليق، (فا‏ذهَب الآنَ وا‏ضرِبْ بَني عماليقَ، وأهلِكْ‌ جميعَ ما لهُم ولا تَعفُ عَنهُم، بلِ ا‏قتُل الرِّجالَ والنِّساءَ والأطفالَ والرُّضَّعَ والبقَرَ والغنَمَ والجِمالَ والحميرَ» [صموئيل الأول 15: 3]. الأمر ذاته مع ترامب رغم أنّه حذر من استخدام المصطلحات الدّينيّة لتعارض ذلك مع السيّاسات الأمريكيّة، لكن الصّورة شبه واضحة في بعض التّعابير المستخدمة.

وأمّا في السّياسة الإيرانيّة فالمرشد هو النّائب (النّيابة الكبرى) عن الإمام المعصوم (أي المهديّ)، وينوب عنه في إقامة الحجّة، وسياسة الرّعيّة، والإمام الحجّة هو اختيار الله وخليفته في الأرض، وهو حيّ يرزق، ينوب عنه الفقيه حاليا حتّى موعد ظهوره، وحسب نظريّة ولاية الفقيه أنّ المرشد الأعلى لإيران هو النّائب عن الحجّة، وتجب طاعته والانضمام تحت ولايته، ولهذا جاء في مفتتح أول خطاب للمرشد الثّالث مجتبى خامنئيّ: «السّلام عليك يا داعي الله وربّانيَّ آياته، السّلام عليك يا باب الله وديّان دينه، السّلام عليك يا خليفة الله وناصر حقّه، السّلام عليك يا حجّة الله ودليل إرادته؛ السّلام عليك أيّها المقدَّم المأمول؛ السّلام عليك بجوامع السّلام؛ السّلام عليك يا مولاي صاحب الزّمان»، وعزّاه ابتداء باستشهاد أبيه أي عليّ خامنئيّ. الحرب الأخيرة – بلا شكّ – لها دواعي عالميّة وإقليميّة ودفاعيّة؛ فالعالميّة تتمثل في السّياسة الأمريكيّة. فهناك ظهور واضح لدول شرقيّة منافسة للإمبرياليّة الأمريكيّة، وعلى رأسها الصّين؛ فأمريكا تدرك قدرات إيران وموقعها من حيث القوة، لكنّها في الحقيقة لا يهمّها إيران بقدر ما هي وسيلة لخلق حرب عالميّة تجرّ إليها العالم والمنطقة ككلّ لتحافظ على قطبها الواحد، وحتّى لا ينهض الشّرق مرّة أخرى ويتكرّر كما كان في الاتّحاد السّوفييتيّ من جديد. وإسرائيل تريد أن تتمدّد إقليميّا بشكل جغرافيّ، أو بشكل مؤثّر في اقتصادها وسياساتها، ولها تأثيرها العالميّ أيضا، وإيران في هذه الحرب معتدى عليها، ولكنّها اشتغلت في تجربتها السّابقة بالخارج أكثر من الدّاخل، وصنعت لها مليشيّات جعلت المنطقة ككلّ تتخوف من سياستها، وتنفتح عليها بشكل محدود، كما أنّها صنعت لها في الحرب الأخيرة أكثر من جبهة، وهذا يصعب لثمه لسنوات طويلة قادمة. يراد لمنطقة الخليج من الاتّجاهات الثّلاثة المتصارعة أن تدخل في هذه الحرب لتتمدّد شراراتها، وسبق أن تحدّثت عن هذا في مقالة معنيّة بهذا مع بداية الحرب، ما أريده هنا علينا أن نحذر من إدخال التّأريخ والغيب في حروب بشريّة، يوقدونها لغايات سياسيّة، كما علينا أن نبتعد عن الثّنائيّات الدّينيّة والمذهبيّة، أو حتّى العرقيّة؛ لأنّ الضّحيّة إذا تمدّدت مثل هذه الحروب هو الإنسان ذاته، بعيدا عن عرقة ودينه ومذهبه، فلنتعامل مع مثل هذه الحروب وفق واقعها الظّرفيّ والجغرافيّ، ووفق دائرة التّعقل، وليس صناعة ثنائيّات صراعيّة مغلقة.

بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»