في الثالث عشر من أغسطس عام 1961 أُقيم سور برلين ليصبح أحد أبرز رموز الحرب الباردة، وجسّد في صورته الخرسانية وأسلاكه الشائكة الانقسام السياسي الذي حكم العالم لعدة عقود. ظل الجدار قائمًا حتى التاسع من نوفمبر 1989 حين انهار في لحظة تاريخية غيّرت خريطة النظام الدولي.

من الضروري استحضار هذا الرمز ونحن نتابع التطورات التي يشهدها العالم اليوم، وفي مقدمتها الحرب الصهيو-أمريكية الجارية على إيران، والتي تعيدنا إلى طرح سؤال قديم بصيغة جديدة، وهو: هل تتشكل في السياسة الدولية ملامح مرحلة تشبه، ولو جزئيًا، تلك التي عرفها العالم خلال الحرب الباردة؟

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كنت طالبًا في جامعة القاهرة، وكانت السياسة الدولية بالنسبة لنا موضوعًا حاضرًا في النقاشات اليومية وفي المقررات الدراسية التي كان يتناوب على تدريسها لنا أساتذة الإعلام والعلوم السياسية والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا السياسية. أذكر أن أحد أساتذتنا الكبار كان يقول لنا: إن فهم السياسة الدولية يبدأ من فهم خريطة العالم، ثم فهم التاريخ الذي شكل هذه الخريطة وهو المعنى نفسه تقريبا الذي أكد عليه الكاتب الأمريكي روبرت كابلان في كتابه «انتقام الجغرافيا» الصادر في عام 2012، وأصدر المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسة ملخصا له في سلسلة «سياسات عربية» في العام 2013.

لم تكن أخبار العالم تمر علينا دون أن نشبعها فحصا وتحليلا ونقدا، وكنا نتابع الأحداث بقدر كبير -وربما مبالغ فيه- من الشغف والاهتمام. كل نشرة أخبار تقريبًا كانت تحمل خبرًا عن أزمة جديدة، أو مفاوضات بين واشنطن وموسكو، أو حديثًا متكررًا عن سباق التسلح النووي.

في تلك السنوات كان اسم سور برلين يتكرر كثيرًا في الأخبار والكتب السياسية التي كنا نقرأها. لم يكن بالنسبة لنا مجرد جدار يقسم مدينة ألمانية ويفصل بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكان رمزا لشكل العالم. كان الجدار يؤكد واقعا سياسيا أكبر بكثير من مدينة برلين نفسها، وعالم تحكمه حالة استقطاب دولي واضحة تدعمها شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

عندما أقيم السور، وقسم ألمانيا إلى دولتين هما ألمانيا الشرقية، وألمانيا الغربية كان مستوى الصراع الدولي مرتفعًا ويكاد يصل إلى ذروته. ومع مرور الوقت أصبح الجدار شاهدا على طبيعة النظام الدولي في تلك المرحلة، وكان وجوده يعني أن السياسة العالمية تتحرك داخل بيئة ثنائية واضحة المعالم.

في التاسع من نوفمبر 1989 سقط السور بطريقة لم يكن يتوقعها أحد. في هذا اليوم أعلنت حكومة ألمانيا الشرقية بشكل مفاجئ تخفيف قيود السفر المفروضة على مواطنيها، فتجمع على الفور آلاف الألمان الشرقيين عند المعابر الحدودية، وفُتحت الحواجز وبدأ الناس عبور الجدار، ثم بدأوا في هدمه. في تلك الأيام بدا المشهد وكأن العالم يدخل عصرا جديدا وأن مرحلة كاملة من التاريخ الدولي قد انتهت. ومع تفكك الاتحاد السوفييتي بعد ذلك بعامين بدأ الحديث عن نظام عالمي جديد يلغي القطبية الثنائية، ويمنح الولايات المتحدة الأمريكية وصف القوة العظمى الوحيدة في العالم. وخلال التسعينيات تراجعت فكرة الانقسام الدولي مع التبشير بنهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية الغربية، وقيام نظام دولي تتراجع فيه احتمالات المواجهة المباشرة أو بالوكالة بين القوى الكبرى.

خلال العقود الثلاثة التي تلت نهاية الحرب الباردة لم يبق المشهد الدولي على حاله. فقد أدى الصعود الاقتصادي الكبير للصين واستعادة روسيا لبعض من حضورها المؤثر في عدد من الملفات الدولية، مثل قضايا الأمن والطاقة إلى تشكل إرهاصات نظام دولي جديد مختلف عما كان عليه في أعقاب نهاية الحرب الباردة.

في هذا السياق الأوسع تكتسب الحرب الصهيو-أمريكية الحالية على إيران أهمية خاصة؛ فالأحداث المرتبطة بهذه الحرب لا يمكن فهمها باعتبارها صراعًا إقليميًا محدودًا، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مطلع هذا الأسبوع وقوله: «إن روسيا والصين تدعمان إيران سياسيًا، بل وفي مجالات أخرى أيضًا، وإن التعاون العسكري بين طهران وموسكو «ليس سرًا». وأشارت تقارير إعلامية نشرتها صحيفة «نيويورك بوست» إلى تأكيد عراقجي «أن الصين وروسيا تقدمان لإيران أشكالًا من الدعم العسكري في دفاعها المشروع عن نفسها».

الواقع أن مثل هذه التصريحات تكشف أن الحرب أصبحت مرتبطة بشبكة أوسع من الحسابات الدولية المعقدة. وتزداد أهمية هذا الارتباط إذا أخذنا في الاعتبار الموقع الجغرافي والسياسي للمنطقة التي ما زالت تحتفظ بموقع محوري في معادلات الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية. ولهذا فإن أي صراع كبير في المنطقة غالبًا ما تتجاوز آثاره حدود الدول المعنية مباشرة.

إيران نفسها تقع في قلب هذا المشهد الجيوسياسي؛ فهي جزء من منطقة تضم واحدا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، كما تقع بالقرب من ممرات بحرية حساسة مثل مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. ويقول عنها «كابلان» في الكتاب السابق الإشارة إليه: «إنها محور الشرق الأوسط كما أنَّ الشرق الأوسط هو محور أفريقيا وآسيا».

الحرب الجارية لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من التحولات التي يشهدها النظام الدولي منذ أكثر من عقد. فالأزمات الاقتصادية العالمية، والتوترات التجارية المتصاعدة بين القوى الكبرى أشعلت الصراع بينها في عدد من المجالات الاستراتيجية. ومع تصاعد هذا الصراع -خصوصًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة- أصبح الاقتصاد أحد عناصر القوة في السياسة الدولية. في الوقت ذاته لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل صار جزءًا من البيئة التي تتشكل فيها صورة هذه الصراعات.

هذه التطورات توحي بأن النظام الدولي يمر بمرحلة تغير واضحة في موازين القوة بين عدد من الدول الكبرى. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية كثيرًا ما تتحول الأزمات الإقليمية إلى نقاط تكشف اتجاهات التحول في السياسة العالمية. وربما تمثل الحرب الجارية حول إيران واحدة من هذه اللحظات، وهو ما دفع بعض المحللين إلى الحديث عن ملامح اصطفاف دولي جديد، وذلك في ضوء التقارب بين روسيا والصين وإيران. وقد وصف بعض الباحثين هذا التقارب بأنه شكل من «المحاور الجيوسياسية» التي تتشكل تدريجيًا في مواجهة الغرب، وهو ما يعيد إلى الأذهان – ولو بصورة مختلفة – بعض ملامح الاستقطاب الدولي الذي ميّز مرحلة الحرب الباردة. عند هذه النقطة تحديدًا تظهر استعارة «سور إيران»؛ ليس جدارًا من الخرسانة كما كان في برلين، بل خطًا جيوسياسيًا تتقاطع عنده مصالح القوى الكبرى وتوازناتها.

إن استحضار صورة سور برلين اليوم لا يتعلق بالحنين إلى الماضي بقدر ما يعكس محاولة لفهم طبيعة التحولات الجارية في السياسة الدولية. صحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه، لكن العالم بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها، وسوف يشهد تغيرات عميقة في توزيع القوة الاقتصادية والتكنولوجية والاستراتيجية. في مثل هذه اللحظات التاريخية كثيرًا ما تتحول الحروب والأزمات الإقليمية إلى إشارات لملامح نظام دولي جديد، والحرب الجارية حول إيران قد تكون واحدة من هذه الإشارات؛ كونها تكشف عن شبكة واسعة من الحسابات الدولية التي تمتد من أسواق الطاقة إلى التنافس التكنولوجي وموازين القوة الاستراتيجية.

لهذا يبقى السؤال مطروحًا: هل نشهد بداية مرحلة جديدة من الاصطفاف الدولي؟ ربما لا يظهر جدار من الخرسانة على الحدود الغربية لإيران يفصل بين الشرق والغرب، كما حدث في برلين قبل أكثر من 65 عاما، لكن خطوط التماس والانقسام في السياسة الدولية قد تعود للظهور في أماكن أخرى من العالم، وربما يكون أحدها هذه المرة في محيط إيران.

أ. د. حسني محمد نصر أكاديمي فـي قسم الإعلام  بجامعة السلطان قابوس