محمد بن عامر العيسري / باحث في التراث العماني

كتاب «الاستقامة»، لأبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي (ق4هـ)، ناقش فيه مسألة الولاية والبراءة في خضم الجدل الذي دار حول قضية عزل الإمام الصلت بن مالك (237-273هـ). ورغم أن نُسخ الكتاب المخطوطة متعددة وافرة، فضلًا عن نشرتَيه اللتين صدرتا من قبل عن وزارة التراث القومي والثقافة (سابقًا) استوقفتني نسخة نفيسة متقنة النسخ بخط بديع، حبّرها الفقيه العالم سلطان بن محمد بن صلت البطاشي (ق13هـ)، وقد فرغ من نسخها يوم 29 رمضان سنة 1250هـ في الموضع المسمى المتوني من جزيرة زنجبار، وهي من محفوظات خزانة الشيخ المؤرخ سيف بن حمود البطاشي، وقد أشرتُ إليها في بحث قدمتُه في الندوة التي أحياها المنتدى الأدبي احتفاءً بالمؤرخ البطاشي. وقد أبدع العلامة سلطان بن محمد البطاشي في تحبير هذه النسخة وتحميرها بخط نسخي رائق، بالمداد الأسود لمتن الكتاب عامة مع التمييز بالمداد الأحمر وببنط عريض للعنوانات ورؤوس المسائل وترتيب الأبواب. وقد صدّر الكتاب بتقريظ نثري ونظمي جاء فيه: «هذا السفر العظيم، والكتاب المبارك الكريم هو كتاب الاستقامة. تصنيف الشيخ العالم العلامة، والحبر البحر الفهامة، الفقيه النبيه الرباني أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي العُماني. هذا وإنه لقد سماه، باسم مطابق مسمّاه، لأن الاستقامة هي الطريق المتوسط بين الإفراط والتفريط......» وجاء فيه أيضًا: «وقد قلت في ذلك شعرًا:

ألا إن هذا السفر قد طابق اسمه

مساه من سماه لله فهمه

هو العيلم البحر الغطمطم ماله

مدى الدهر قعر يبلغ الناس علمه

ألا فالتقط من سيفه در لفظه

فسيف أوالٍ دره ذا يذمه وقد ضبط الفقيه الناسخ نص تقريظه بعلامات الشكل، وعلّق بمداد أحمر ببنط صغير على بعض عباراته شارحًا معانيها وألفاظها. ومن ذلك شرحه لاسم (أوال) في قوله: «فسيف أوال دره لا يذمه» إذ قال: «أوال: كسحاب، جزيرة كبيرة بالبحرين عندها مغاص اللؤلؤ». ثم استطرد في تقريظه للكتاب بقوله: «هذا وإن هذا الكتاب، لا شك فيه ولا ارتياب، إنه في الأصل صحيح المعاني، محكم الأصول والمباني، المؤسسة على مقتضى القرآن العظيم والسبع المثاني، لأن ما بعد التنزيل، من العلم تفسير له تأويل، لكن بعض النسخ لا يخلو من التصحيف والتحريف، على غير ما أراده صاحب التأليف والتصنيف، فما وجد فيه من ذلك فهو محمول على المُصَحَّف والمُحَرَّف، لا على المؤلِّف والمصنِّف. ولله در من قال في المعنى شعرًا:

أخا العلم لا تعجل بعيب مصنف

ولم تتيقن زلة منه تعرف

فكم أفسد الراوي كلامًا بعقله

وكم حرّف المنقول قوم وصحفوا

وكم ناسخ أضحى لمعنى مغيرًا

وجاء بشيء لم يُرده المصنف.

وخلافًا لما عليه النساخ والمتملكون من نقل تقاريظ غيرهم للكتب مجردة من المقدمات والخواتيم، نجد الفقيه البطاشي قد نقل في آخر الكتاب تقريظين صدّرهما بمقدمة نثرية أبان فيها عن عناية السابقين بالكتاب ومدحهم له، وقد جاء فيها: «وبعد فهذا كتاب استقامة الشيخ الحبر الشهير، والعالم الرباني النحرير، أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي الإباضي العُماني. وقد قرأه من شاء الله من العلماء الأحبار، والصادقين المحقين الأخيار، فمدحوه ببيوت شعر، فأضفناها إليه فجاء ما أحسنه من سفر». ثم نقل التقريظين، وأولهما غير منسوب، والآخر لأبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي (ت:1237هـ).