يُعدّ مسلسل مولانا، قصة لبنى مشلح، وسيناريو وحوار كفاح زيني وباسل الفاعور ويوسف شرقاوي، وإخراج سامر البرقاوي، من أبرز أعمال الدراما الرمضانية ذات الطابع المأساوي. غير أن السؤال الذي يطرحه هذا العمل يتجاوز حكاية القرية وأحداثها إلى سؤال أعمق: هل تتطور أحداث المسلسل وفق منطق البناء الدرامي، أم وفق هيبة الممثل القادر على أسر المتفرج؟
لا يقدّم العمل نهايات سعيدة للشخصيات ولا حبكة تقليدية مريحة. بل يشتغل على محو الحدود بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والخرافة، وبين الروحانية والشعوذة. ومن هنا يبرز سؤال الإيمان ذاته: فمن سيؤمن بوجود شخصية سليم العادل/جابر، التي يجسّدها تيم حسن، بما تحمله من مستويات غريبة ومدّعية للقداسة؟ ومع ذلك لا يستطيع المتابع أن يكذّب وجود القوة الغاشمة التي تمثلها السلطة العسكرية في شخصية العقيد كفاح، أداء فارس الحلو، بل يجد نفسه متعاطفًا أيضًا مع شخصية مُشمش التي يؤديها وسيم قزق، ومع غيرها من الشخصيات التي تحقق حضورها في فضاء قرية العادلية.
يبدو المسلسل، في صورته العامة، خليطًا من شخصيات مستلبة ومستعبدة ومقهورة، تحكمها اعتقاداتها النفسية والدينية وتدفعها إلى سلوكيات متباينة. وفي هذا العالم تتراوح لغة العمل بين الخطاب الرمزي العالي الذي يصدر عن سليم العادل، واللغة اليومية البسيطة لشخصيات القرية، فتتشكل طبقات لغوية تعكس طبقات السلطة والخوف والإيمان.
وسط هذا العالم، يصعب تجاهل شخصية جورية التي تؤديها منى واصف باقتدار واضح. فهذه الشخصية لا تبدو مجرد امرأة عجوز في القرية، بل تمثل ذاكرة المكان وصوته الحكيم، إذ تحمل ميراث سليم العادل وعائلته وتراقب تحولات العادلية بعين الخبير. ومن خلال تنويع درجات الصوت والإيماءات الجسدية وحضورها الهادئ، تذكّرنا جورية بشخصيات النساء الحكيمات في التراجيديا الإغريقية، اللواتي يجسدن المرجعية الأخلاقية في المجتمع، مثل وصيفة ميديا المسنّة في مسرحية ميديا (431 ق.م) للشاعر التراجيدي اليوناني يوربيدوس. غير أن الفارق هنا أن جورية تعيش في قرية حدودية تخضع لقبضة العسكر، بينما كانت ميديا وربّات الشعر يتحركن في عالم مدينة متحضرة.
يتضافر في العمل خطان متوازيان: خط السلطة العسكرية التي تتمثل في ثكنة العادلية، وخط الحياة اليومية للقرية بما تحمله من روحانيات وماديات. وفي تقاطع هذين الخطين تنشأ شبكة من الطاعة والخوف والاستسلام، حيث يخضع أهل القرية لخطاب مولانا الرمزي، في الوقت الذي يترددون فيه بين الرغبة في المقاومة والخوف من بطش العسكر. داخل هذا التوتر تنبني عوالم الحكاية.
في المستوى الأول من القراءة، يمكن النظر إلى حكاية جابر/سليم العادل بوصفها نتاجًا لتشابك قوى اجتماعية وسياسية متعددة. فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل الذات فاعل، أم حصيلة مفاعيل؟ إذا سلّمنا بالسيناريو ونسج الأحداث، فإن شخصية جابر تبدو حصيلة مفاعيل متراكمة استطاعت أن تجعل المتفرج يتذوق المأساة رغم الصدمات والمفارقات الساخرة التي تتوالى في الحكاية؛ من ركوب القطار إلى سيارة الأجرة، وصولًا إلى الحمار الذي يتسبب في الحادث الذي يقلب حياة جابر رأسًا على عقب، فيتحول إلى حامل لعناصر المأساة داخل قرية العادلية.
في مقابل هذا المسار، يظهر العقل الناقد في شخصيتين هما رئيس المخفر أبو خلدون، أداء علاء الزعبي، والطبيبة جمانة، أداء آليانا سعد. ومن خلال هاتين الشخصيتين يبرز التناقض بين العلم والخرافة، بين صوت العقل وصوت الإيمان الشعبي. غير أن هذا الصوت العقلاني يظل ضعيفًا أمام شبكة السلطة والخوف. فالعسكر يراقبون جمانة في خلوة مع حبيبها العسكري، ويضغط عليها العقيد كفاح لإجهاض المرأة التي نام معها. وبين حماية الحبيب وعلاج الأب المريض، تتشابك دوافعها الداخلية، فيتراجع صوت العلم والطب أمام ضغط الخرافة. ويمكن قراءة هذا البناء الدرامي في ضوء ما يسميه ميشيل فوكو بـ«المراقبة والمعاقبة»، حيث تتحول السلطة إلى شبكة من الرقابة والعقاب تنتشر في تفاصيل الحياة اليومية.
في هذا السياق تتجلى مأساة جابر بوصفها صراعًا داخليًا بين الخير والشر. فالرغبة في الانتقام من الذين عذبوه في السجن تبدو أقوى من ذلك الخير الذي يحاول أن يحتمي به داخل العادلية. كما أن لثغته في الكلام ليست تفصيلًا عابرًا، بل علامة جسدية على أثر التعذيب، تذكّر بالثقب في كاحلي أوديب الذي حمل في جسده علامة قدره المأساوي.
لكن سؤال القداسة يظل قائمًا: هل تنبع قداسة سليم العادل من إيمان الناس به، أم من قدرة الممثل على التقمص والإيحاء؟ فالشخص المقدس، كالساحر أو رجل الدين، يمتلك لغة رمزية تلامس لغة المجنون، كما يشير فوكو. ومع ذلك يبقى جابر إنسانًا مضطهدًا وسجينًا سابقًا وقاتلًا، أي شخصية تقف على الحد الفاصل بين القداسة والوهم.
في هذا الإطار تنجح نور علي في تجسيد شخصية أخت سليم العادل أمام أهل القرية، لكنها تخسر الرهان أمام المتفرج بوصفها حبيبة. فاعترافها وعقدها اتفاقًا نفعيًا مع جابر ينجح شعبيًا ومع السلطة معًا، وهنا يظهر عنصر مهم في البناء الدرامي هو المال.
ومن خلال تتبع مسار الأحداث يتضح تحالف ثلاثة عناصر مركزية: المال والعسكر والدين. وهو تحالف مألوف في بنى السلطة في المجتمعات العربية، حيث تتساند القوة العسكرية مع الشرعية الرمزية للدين والنفوذ الاقتصادي لإنتاج منظومة الهيمنة.
إن عمق الحبكة الرئيسة، وما ساندها من حبكات ثانوية صغرى رفعت من تعقّد مستوى المعالجة وأصاب بعضها الملل والتكرار، إلا أن العمل بلا جدال، مثل واضح على كتابة ذات كثافة تُعرّي واقعنا العربي السياسي وتفضح خمول الذهن المستسلم للماورئيات والدجل.
في المستوى الثاني من القراءة، يبرز أداء ممثلين لافتين هما فارس الحلو ووسيم قزق. فقد غاب الحلو عن دمشق أربعة عشر عامًا في ظروف سياسية قاسية، لكنه يعود هنا ليقدم شخصية رجل أمن قاسي التكوين، مستعينًا بذاكرة انفعالية وخبرة أدائية واضحة. وتتجلى قدرته في الانتقال السلس بين الكوميديا والتراجيديا؛ فمن شاهده في شخصية إسماعيل في مسلسل أبو الهنا يصعب عليه أن يصدق تحوله هنا إلى شخصية متسلطة جافة.
ولا تكمن قوة هذا الأداء في القسوة الظاهرة فقط، بل في القدرة على جعل الشر يبدو عقلانيًا داخل منطق السلطة، بحيث يتحول العقيد كفاح إلى شخصية تحمل ملامح إنسانية مقلقة بدل أن تكون نموذجًا نمطيًا لرجل الأمن. كما يمنح حضور الحلو الجسدي والصوتي الشخصية سلطة رمزية تفرض إيقاعها حتى في لحظات السكون.
في هذا السياق، أستعين باقتباس للمسرحي قاسم محمد، حيث كتب قائلا في مقالة بعنوان: (رؤوس أقلام في فن الممثل- مجلة الأقلام- العدد 12- 1974م) «إن ممثلا بدون انطباعات متجددة، مجددة، وبدون مراقبات باحثة ودراسة دائمة، ستصبح أجهزته وحواسه وبالتالي وسائل تعبيره عاجزة تماما عن القيام بوظائفها الفنية والتقنية، وستبقى وحيدة الجانب... نمطية فاقدة تنوعها».
ينجح وسيم قزق في تقديم شخصية مُشمش بوصفها شخصية بسيطة ظاهريًا، لكنها تخفي طبقات من الحذر والدهاء. إذ يبدو الرجل في البداية هامشيًا، قبل أن يكشف تدريجيًا عن توتر داخلي يربك توقعات المتفرج.
وهنا تتضح حقيقة أساسية في فن التمثيل: فالممثل لا يصنع حضوره بالموهبة وحدها، بل بالجهاز الثقافي والمعرفي الذي يطوره عبر القراءة والملاحظة والتجربة. ولذلك يبقى فن الممثل من أصعب الفنون؛ لأنه يتطلب ممثلًا باحثًا، كما يتطلب ناقدًا باحثًا وقارئًا ناقدًا.
آمنة الربيع باحثة أكاديمية متخصصة فـي شؤون المسرح