د. معمر بن علي التوبي
حضرتُ قبل فترة اجتماعا بحضور عميد كلية هندسة في جامعة أمريكية مرموقة كان في زيارة إلى سلطنة عُمان، وكان الحديث يتناول في بعض أجزائه موضوع استعمالات الذكاء الاصطناعي والتجربة الأمريكية في الجامعات مع هذه التداخلات الرقمية أبرزها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية مثل «شات جي بي تي»، واستعرض الدكتور الأمريكي تجربته الشخصية مع الذكاء الاصطناعي في البيئة الأكاديمية وفي نطاق عمله الإداري والتعليمي؛ حيث أشار إلى أن هناك جانبا إيجابيا ومهما للذكاء الاصطناعي في العملية الأكاديمية لا يمكن تجاهله، وأنه لا بد أن نتجاوز القلق والمخاوف المتعلقة باستعمال الطلاب له، وأكد أنه أصبح جزءا لا يتجزأ من المنظومة التعليمية الحالية والمستقبلية، وأن حاله كحال الأنظمة البحثية التقنية السابقة مثل «جوجل» التي واجهت في بداياتها تحديات في الوسط الأكاديمي خاصة فيما يتعلق بالحقوق الأدبية والفكرية، وتحديات الانتحال والغش وما شابه ذلك، ثم جرى تجاوز تلك الأزمة عبر حلول متعددة.
تناولنا معه جانبا آخر؛ فناقشنا تحديات أكبر تتعلق بما يمكن تسميته «التلوث الدماغي» الذي قد يصيب الطالب نتيجة الاستعمال أو الاعتماد المفرط على هذه الأنظمة والتطبيقات الذكية بما في ذلك نماذج التوليد النصي الذي اشتركنا في وجهة النظر القائلة إن هذه النماذج يمكن أن تقود إلى أزمة حقيقية، وتتمثل في جعل الطالب أقل قدرة في المهارات الكتابية؛ فيفقد بسببها بعض مهاراته التحليلية والتفكيرية، وقد يفسد بنيته الذهنية ونظام تفاعله الدماغي نتيجة الخمول الذي يمكن أن يصيب الخلايا العصبية الدماغية.
في المقابل، ما زال الدكتور الأمريكي مائلا إلى الجوانب الإيجابية لهذه النماذج -حال استعمالها السليم والمفيد-؛ فعرض تجاربه الشخصية مثل استعماله لهذه النماذج لأجل تلخيص بعض التقارير والتعامل مع رسائل البريد الإلكتروني الطويلة والرد عليها توفيرا للوقت، وتجربة ابنه الذي يدرس في الكلية نفسها؛ حيث ذكر أن ابنه -وهو طالب هندسة- اعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقوية مستواه في مادة الرياضيات، وعبر مناقشاته مع ابنه ومتابعته لمهاراته في الرياضيات، لاحظ تقدما ملحوظا وكبيرا في فهمه للمادة، وازدادت قدراته فيها بشكل واضح، وهنا نحن نتحدث عن دور إيجابي لا يمكن إنكاره؛ إذ كان الأسلوب الذي اتبعه الابن مع هذه النماذج في سبيل تطوير قدراته في الرياضيات أسلوب الحوار والشرح وليس الاعتماد المطلق المفتقد للجهد البشري.
لكن في جانب آخر، ينبغي أن ندرك أن الأمر مرهون بطريقة استعمالنا لهذه الأنظمة؛ فثمة ظواهر سلبية بدأت تظهر نتيجة سوء الاستعمال سواء من قبل الطلاب أو غيرهم. من أبرزها الاعتماد المفرط في كتابة النصوص وتوليد الأفكار؛ فيؤدي إلى تعطيل جزئي -وربما شبه كامل- لقدرات الدماغ البشري، وعندها قد نصل إلى مرحلة من الشلل الذهني في التفكير والتحليل؛ فيفقد الدماغ بعض المهارات التي يفترض أن يحافظ عليها عبر الممارسة المستمرة.
لكن ما نحتاج أن نركز على مناقشته وفهمه هو الجانب السلبي الذي بدأنا نلحظ بوادره وانتشاره بشكل واسع ومقلق، ويتمثل في احتمال أن تنشأ أجيال قادمة تفقد العديد من المهارات من بينها مهارات الكتابة، والقدرة التعبيرية، والمهارات التحليلية والتفكيرية. من أجل ذلك، سنستعرض دراسة مهمة للغاية تناولت هذا الجانب ببعض من التفصيل في التحليل، ولعلها تعزز فهمنا بالتحديات المصاحبة والآلية التي نحتاج أن نوظفها مع نماذج الذكاء الاصطناعي خصوصا التوليدية.
الدراسة التي سنعتمدها في فهم مقصد مقالنا والخروج بالمقترحات الممكنة بعنوان -بعد الترجمة للعربية-: «دماغك عند استعمال «شات جي بي تي»: تراكم الدَّيْن المعرفي عند استعمال مساعد ذكاء اصطناعي في مهمة كتابة مقال»، وأُنجزت هذه الدراسة عام 2025 في مختبر الوسائط بمعهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا» بقيادة الباحثة «ناتاليا كوزمينا»، وتهدف إلى فحص الكلفة المعرفية لاستخدام نماذج اللغة الكبيرة -على رأسها «شات جي بي تي»- في سياق تعليمي محدد هو كتابة النصوص بأنواعها. تمثل الدراسة محاولة تجريبية نادرة لقياس الأثر العصبي واللغوي والسلوكي الناتج من استعمال الذكاء الاصطناعي مقارنة بالاعتماد على محرك بحث تقليدي أو التفكير الذاتي دون أدوات رقمية.
اعتمدت الدراسة تصميما تجريبيا طوليا امتد لأربعة أشهر. شارك 54 متطوعا قُسموا إلى ثلاث مجموعات متساوية (18 مشاركا في كل مجموعة): مجموعة تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية التوليدية، ومجموعة تستخدم محرك بحث تقليدي، ومجموعة تعتمد على الجهد الذاتي الدماغي؛ فتكتب دون أي أدوات خارجية. خضع المشاركون لثلاث جلسات كتابة متتالية وفق نفس التوزيع. في الجلسة الرابعة أُعيد توزيع 18 مشاركا: مجموعة انتقلت من استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية إلى الكتابة الذاتية دون أدوات -الاعتماد على الدماغ البشري-، ومجموعة انتقلت من الكتابة الذاتية إلى استخدام النماذج التوليدية. مكّن هذا التصميم الباحثين من تحقيق عدة قياسات منها الفروق بين الأدوات، وأثر «التعوّد المعرفي» أو ما أسمته الدراسة «الدين المعرفي» -الأثر التراكمي للاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إضعاف التفاعل الذهني- الناتج عن الاعتماد الطويل على الذكاء الاصطناعي ونماذجه اللغوية.
لقياس النشاط الدماغي للمشاركين أثناء هذه التجارب، استُعمِل تخطيط الدماغ الكهربائي «EEG» وتحليل الاتصال العصبي عبر « dDTF» عبر نطاقات التردد الأربعة: ألفا، بيتا، ثيتا، دلتا. إضافة إلى ذلك، أُجري تحليل بواسطة تقنيات معالجة اللغة الطبيعية «NLP» شمل: تحليل الكيانات الاسمية «NER»، تحليل التسلسلات اللغوية المتجاورة «n-grams»، وقياس المسافات الدلالية بين النصوص، تحليل الموضوعات عبر نمذجة المفاهيم «Ontology»، إضافة إلى تقويم المقالات من قبل معلمين بشريين ومُحكّم ذكاء اصطناعي صُمم خصيصا لعملية التقويم.
كانت النتائج العصبية حاسمة؛ إذ أظهرت مجموعة الكتابة الذاتية غير المعتمدة على الأدوات الخارجية أعلى مستويات الترابط الشبكي العصبي في جميع النطاقات الترددية؛ ليشير إلى انخراط معرفي واسع يشمل مناطق دماغية متعددة. جاءت مجموعة محرك البحث التقليدي في مرتبة وسطى مع نشاط مرتفع في دوائر الدمج البصري-التنفيذي نتيجة معالجة نتائج البحث. أما مجموعة الكتابة بواسطة النماذج اللغوية التوليدية، أظهرت أضعف اتصال عصبي إجمالا؛ فانخفض الاتصال الشبكي بشكل منتظم كلما زاد مستوى الدعم الخارجي، ويشير هذا إلى ظاهرة «التفريغ المعرفي»؛ حيث تُنقل أجزاء من المعالجة الذهنية إلى النظام الخارجي -نماذج الذكاء الاصطناعي-.
لكن ظهر الأهم في الجلسة الرابعة؛ حيث أظهر المشاركون الذين انتقلوا من أسلوب الكتابة الذاتية إلى الكتابة عبر النماذج التوليدية ارتفاعا مفاجئا في الاتصال العصبي عبر جميع النطاقات مقارنة بالمستخدمين الدائمين للنماذج التوليدية، وأعزت الدراسة ذلك نظرا لامتلاكهم بنية معرفية سابقة مكّنتهم من استخدام النماذج التوليدية بطريقة تكاملية نشطة غير استبدالية. في المقابل، أظهر المشاركون الذين اعتادوا على النماذج التوليدية ثم طُلب منهم الكتابة دون أدوات انخفاضا ملحوظا في الاتصال العصبي خصوصا في نطاقي ألفا وبيتا المرتبطين بالانتباه والذاكرة العاملة، ولم يعد دماغهم إلى نمط المبتدئ مثل التي في مجموعة الكتابة الذاتية، وإنما ظهر في حالة وسيطة منخفضة الكفاءة، وتصف الدراسة هذه الظاهرة بـ «تراكم الدين المعرفي» الذي يشير إلى أن الاعتماد المتكرر على السبل الخارجية يمكن أن يقلل الجهد العصبي الداخلي، وعند إزالة الأداة لا يُستعاد الأداء الكامل فورا.
من الناحية اللغوية، كشفت التحليلات عبر تقنيات معالجة اللغة الطبيعية تجانسا عاليا داخل مجموعة الكتابة عبر النماذج التوليدية تشابه في الكيانات الاسمية، وفي التراكيب، وفي البنية الموضوعية. كذلك كانت المسافة الدلالية بين مقالاتهم منخفضة مقارنة بالمجموعات الأخرى، وهذا يدل على إنتاج نمطي أقرب وصفا بأنه ناتج من إجابة افتراضية. اعتمد أيضا كثير من المشاركين على النسخ واللصق مع تعديلات طفيفة. لكن، مجموعة الكتابة الذاتية أظهرت تباعدا كبيرا بين المقالات؛ ليعكس تنوعا فكريا وتحليليا أعلى. أما بالنسبة لمجموعة محرك البحث، أظهرت نمطا وسطيا مع تأثير واضح لكلمات مفتاحية مهيمنة نتيجة تحسينات البحث.
من حيث الجانب السلوكي، تكشف الدراسة أن القدرة على الاقتباس من المقال المكتوب بعد دقائق كانت مؤشرا بالغ الدلالة؛ فسجلت مجموعة الكتابة الذاتية أعلى قدرة على الاقتباس الصحيح؛ ليؤكد وجود ترميز أعمق للمعلومات في الذاكرة طويلة المدى، وفي حين كانت مجموعة النماذج التوليدية الأضعف بشكل جلّي، وأظهرت صعوبة في استرجاع عبارات كتبتها للتو. كذلك كان الشعور بملكية النص منخفضا لديهم مقارنة بالمجموعات الأخرى. تربط هذه النتائج بين ضعف الاتصال العصبي وضعف التثبيت في الذاكرة بعيدة المدى.
أما من حيث التقويم، حصلت بعض مقالات المكتوبة بالنماذج التوليدية على درجات جيدة من المُحكّم الاصطناعي والمعلمين البشريين على حد سواء، ولكنها لم تتميز دلاليا أو إبداعيا. بينما أظهرت المقالات المكتوبة ذاتيا تطورا تدريجيا عبر الجلسات، وعند استعمال النماذج التوليدية بعد خبرة ممارسة الكتابة الذاتية، جاءت النتائج الأعلى نسبيا؛ ليتضح أن الأداة الخارجية المساعدة يمكن أن تعزز الأداء حال أن المعرفة بُنيت أولا في النطاق الداخلي -الدماغي.
تستند الدراسة إلى إطار نظري يتمثّل في نظرية الحمل المعرفي؛ فاستعمال النماذج اللغوية التوليدية يخفف العبء المعرفي الخارجي، ويقلل الجهد اللازم لدمج المعلومات وبنائها في البنية الذهنية، ويمكن أن يسهم ذلك إلى تحسين الإنتاجية على المدى القصير، ولكنه قد يُضعِف تشكّل البُنى المعرفية الراسخة على المدى البعيد. لا تزعم الدراسة أن النماذج اللغوية التوليدية ضارة على نحو مطلق، ولكنها تحذر من الاعتماد الإحلالي طويل الأمد في المراحل التي تتكون فيها المهارات وتتأسس فيها الملكات الدماغية المعنية بالتفكير والتحليل.
أمكن للدراسة أن تصل إلى نتيجة تجد فيها أن الاعتماد على النماذج اللغوية التوليدية في مهام كتابية تعليمية يقود إلى انخفاض -قابل للقياس- في الترابط العصبي، وانخفاض في عمق المعالجة اللغوية، وضعف في ترميز المعلومات في الذاكرة، وتراجع في الإحساس بالملكية المعرفية، ويتراكم التأثير زمنيا، ويظهر بوضوح عند تجربة التخلي عن هذا الاعتماد الخارجي، ومع ذلك، ترى الدراسة أنه حين يُستعمل النموذج التوليدي بعد بناء أساس معرفي مستقل معتمد على الدماغ الذاتي للإنسان؛ فيمكن حينها أن يعمل النموذج التوليدي باعتباره أداة دعم معرفي، ولكن ليس بديلا للدماغ.
وفق ما أمكن للدراسة السابقة أن تطلعنا عليه من تجارب خضعت للقياسات العلمية؛ فإننا بحاجة إلى رفع مستويات الوعي الرقمي وخصوصا آلية تفاعلنا مع أنظمة ذكية مثل نماذج التوليد اللغوي التي يتضح قدرتها على الولوج إلى أدمغتنا وإعادة الضبط الواعي واللاواعي في داخلنا، ويكفي ما تؤكده الحياة وعلومها وتجاربها لنا أن الإنسان -منذ قدومه إلى الحياة- يتعامل مع مجرياتها عبر التعود والممارسة؛ إذ تنتقل المهارات من مستوى الوعي إلى مستوى اللاوعي مع التكرار، ثم تصبح جزءا من قدرته الطبيعية على التأقلم، وتتحول إلى عادات راسخة في بنيته الذهنية والسلوكية. رغم ذلك، لا ينبغي لنا أن ننكر الجانب الإيجابي للذكاء الاصطناعي، ولكن في الوقت ذاته ينبغي أن نبني منظومة أخلاقية لاستعمالاته، بما في ذلك نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، ويجب أن تقوم هذه المنظومة على أسس أخلاقية واضحة، وأن تعتمد كذلك على مبادئ تحافظ بواسطتها على القدرات الدماغية الطبيعية؛ لتصون مكتسباتها التفكيرية والتحليلية، وكذلك تحافظ على الذاكرة وصون مهاراتها.
بجانب نقاشنا الرئيس -في هذا المقال- عن الأثر السلبي الذي يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية أن تتركه في أدمغتنا وقدرتها على إضعاف مهاراته؛ فيرجعنا ذلك إلى تقنيات قديمة أقل تطورا من الذكاء الاصطناعي، أظهر العلم جانبها السلبي حال الاعتماد المفرط عليها مثل الآلة الحاسبة التي أسهمت في إضعاف الذاكرة الحسابية لدى الإنسان، وهذا صحيح إلى حد ما. كذلك الإفراط في الاعتماد على الأجهزة الحاسوبية والألعاب الإلكترونية وما شابهها التي تجعل الإنسان يفقد بعض المهارات الحياتية أو التفكيرية، رغم ما قد يكتسبه من مهارات جديدة. لهذا، لابد من التوازن مع تفاعلاتنا الرقمية واستعمالاتنا دون إفراط ودون تفريط، ولا يتأتى ذلك دون الوعي الفردي والجمعي الذي يمكن أن نبدأ بزرعه في المؤسسات التعليمية بما فيها الجامعات، ولهذا كان من جملة ما اقترحته -في نهاية الاجتماع مع عميد كلية الهندسة الأمريكي- أن نصمم مقررا عاما لجميع التخصصات الجامعية معني بتدريس أخلاقيات استعمالات الذكاء الاصطناعي؛ فنفصّل فيها عن المنافع وسبل استثمارها وتطوريها، وكذلك المخاطر الناتجة لسوء الاستعمال التي تضر الفرد والمجتمع وسبل تجنبها ومحاربتها، ومن المستحب أن يُستعان بآخر الدراسات العلمية ومستجداتها -مثل التي استعرضناها في هذا المقال- فيما يخص تأثيرات الذكاء الاصطناعي واستعمالاته في حياتنا سواء العامة أو التعليمية أو المهنية؛ لتدفع بوعينا العام والعلمي إلى أفضل مستوياته.
د. معمر بن علي التوبي / أكاديمي وباحث عُماني