د. إسحاق بن يحيى بن خلفان الشعيلي -
في العقود الأخيرة لم تعد الحروب تدار بشكلها التقليدي المعتاد فالحسم لم يعد يقاس بمدى امتلاك العدد الأكبر من الطائرات أو الدبابات أو حتى بما تمتلكه الدول من جنود في ساحة المعركة (رغم أنه جزء مهم في المنظومة العسكرية) لكن أصبح الفضاء الخارجي وخاصة ما يتعلق بالأقمار الصناعية هي اللاعب الأكبر في التحكم بالصراعات على الأرض، فهذه الأقمار الصناعية والتي تدور حول ارتفاعات كبيرة عن سطح الأرض أصبحت العين التي تراقب بها الجيوش تحركات الخصم وتعرف المواقع الحساسة ومخازن الأسلحة ومراكز السيطرة والقيادة بما توفره من صور عالية الدقة لساحات المعارك، كما أن بعض الصواريخ الحديثة يتم توجيهها عن طريق هذه الأقمار مثل منظومة هيمارس (HIMARS M142) الأمريكية التي يتم توجيهها من خلال منظومة تحديد المواقع GPS المدعومة بالأقمار الصناعية، وقد برز دور الأقمار الصناعية العسكرية في الحرب الروسية الأوكرانية وفي الصراع الدائر حاليا بين الولايات المتحدة وإيران، فمع القصف المتبادل بين الطرفين يبرز صراع آخر في الفضاء فالولايات المتحدة تملك شبكة كبيرة من الأقمار الصناعية تراقب من خلالها الأنشطة العسكرية الإيرانية في حين تبرز إيران كلاعب في هذا المجال من خلال إطلاق العديد من الأقمار الصناعية لتطوير برنامجها الفضائي يمنحها قدرات استطلاع واتصالات مستقلة.
ومن هنا نطرح السؤال حول الكيفية التي أصبحت فيها الأقمار الصناعية جزءا أساسيا من الحروب الحديثة، وما الدور الذي ستلعبه في الصراعات المستقبلية؟
- بداية عسكرة الفضاء
تعد فترة الحرب الباردة هي البداية الحقيقة لعسكرة الفضاء من خلال البدايات الأولى لإرسال الأقمار الصناعية لأغراض المراقبة والتصوير، التي أسهمت في مراقبة الطرفين (الأمريكي والسوفيتي) في مدى الالتزام بالمعاهدات الموقعة حول البرامج النووية على سبيل المثال إضافة إلى مراقبة المواقع العسكرية للطرفين، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي لم يتراجع هذا النشاط، بل ازداد بشكل مطرد مع تطور تقنيات المراقبة والتصوير وانخفاض كلفة امتلاك منصات إطلاق مستقلة للعديد من الدول، وأصبحت أقمار التجسس والأقمار المرتبطة بالاستخدام العسكري منتشرة بشكل واسع في المدارات المختلفة، ويعرف المدار بأنه مسار منتظم يسلكه جسم في الفضاء حول جسم آخر بشكل متكرر، وينطبق هذا التعريف على الأجسام الطبيعية كالأرض والقمر وغيرها من الأجسام الكونية وعلى الأجسام التي يصنعها الإنسان كالأقمار الصناعية؛ ولكن يجب أن تساوي القوة الدافعة التي تحرك جسم ما قوة جذب الجسم الذي يدور هو حوله حتى ينشأ المدار، وتعتبر المدارات عاملا أساسيا في تحديد مهام الأقمار الصناعية.
المدارات الفضائية:
تنقسم المدارات الفضائية إلى ثلاثة أنواع رئيسية نركز فيها هنا حول مدى القدرة على استخدام هذه المدارات في استخدامها للأغراض العسكرية من خلال نوعية الأقمار الصناعية والدور المنوط بها عند اختيار المدار المناسب، وهذه الأنواع هي:
- المدارات الأرضية المنخفضة (LEO)
وهو المدار الأقرب إلى الأرض Low Earth Orbit (LEO) كما يشير إليه الاسم ويقع على ارتفاع يتراوح بين 160 كلم و2000 كلم وهو المدار الذي تدور فيه محطة الفضاء الدولية ومعظم أقمار ستارلنك الخاصة بخدمة الأنترنت الفضائي، وما يعطي ميزة لهذا النوع من المدارات إن الأقمار الصناعية فيه لا تلتزم بمسار محدد فقد تميل حول الأرض. وهذا يعني وجود مسارات متاحة أكثر للأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، كما أن القرب الشديد من الأرض يجعل هذا النوع من المدارات مفيدا جدا لعمليات المراقبة والتصوير؛ حيث يتيح القرب من السطح التقاط صور ذات دقة عالية، وهو ما جعله أيضا كما ذكرنا سابقا مثاليا لمحطة الفضاء الدولية ليسهل على رواد الفضاء الانتقال منها وإليها في وقت قصير؛ وحيث إنه من الناحية العسكرية فإن العمل على أقمار صناعية مفردة في المدارات الأعلى (المتوسطة أو العالية) يعتبر عالي المخاطر نسبيا حيث إن تعطيل القمر الصناعي الواحد قد يعني شللا تاما في منظومة الاتصال بالكامل، لذلك تلجأ الدول حاليا إلى حل أكثر فاعلية يتمثل في إرسال شبكة من الأقمار الصناعية في المدارات الأرضية المنخفضة (LEO) تعمل كمنظومة واحدة (Satellite Constellation) مما يتيح مرونة فضائية أكبر، فتعطيل قمر صناعي واحد يجعل من السهل إحلال قمر صناعي آخر في محله، كما أنه يقلل من زمن التأخير في إرسال الإشارات واستقبالها مما يسهل عملية توجيه الطائرات بدون طيار والصواريخ بعيدة المدى التي تحتاج إلى التوجيه بهذا النوع من الأقمار الصناعية وأيضا عند إجراء مسح لمنطقة معينة أو إرسال بيانات مهمة بسرعة لا توفرها الأنواع الأخرى من الأقمار الصناعية في المدارات المرتفعة.
المدار الأرضي المتوسط (Medium Earth Orbit - MEO)
يقع المدار الأرضي المتوسط على ارتفاع أعلى من المدارات الأرضية المنخفضة وأقل من المدار الجغرافي الثابت أي ما بين 2000 و35000 كيلومتر فوق سطح الأرض، وهذا النوع يستخدم بشكل أساسي في أنظمة الملاحة الفضائية العالمية المختلفة، مثل نظام تحديد المواقع GPS والنظام الروسي GLONASS والنظام الصيني BeiDou ونظام Galileo الأوروبي، ويمكن لهذا النوع من الأقمار الصناعية تغطية مساحة شاسعة من الأرض نظرا للارتفاع الذي تقع فيه هذه الأقمار الصناعية.
المدار الجغرافي الثابت (GEO Geostationary orbits):
تتميز المدارات الثابتة بالنسبة للأرض Geostationary orbits (GEO)، التي تبعد 36,000 كيلومتر عن خط استواء الأرض، بكثرة أقمارها الصناعية المستخدمة في مختلف أشكال الاتصالات والبث التلفزيوني؛ حيث إن هذا النوع من الأقمار الصناعية تبقى ثابته في نفس الموقع بالنسبة لسطح الأرض، كما أنها تستخدم للإنذار المبكر للصواريخ البالستية كما هو الحال مع نظام SBIRS الخاص بسلاح الجو الأمريكي والذي يتيح الرصد من خلال البصمة الحرارية للصواريخ البالستية مما يسمح بهامش من الزمن للاستعداد قبل وصول هذه الصواريخ إلى الأهداف المحددة. وتعد الاستمرارية الزمانية في المراقبة أيضا ميزة مهمة في هذا النوع إذ إن القمر الصناعي لا يغيب عن النطاق الجغرافي المحدد، ويعطي بيانات لمراكز السيطرة والتحكم وهذا يستلزم أن تتزامن حركة هذا النوع من الأقمار مع سرعة دوران الأرض لثباتها في نفس النطاق الجغرافي كما ذكرنا سابقا.
أهمية الأقمار الصناعية في الحروب:
ومن خلال التوزيع الذي ذكرناه سابقا يتضح لنا جليا الدور الحيوي الذي تلعبه الأقمار الصناعية في الحروب في وقتنا الحالي أما من خلال المراقبة أو توجيه الصواريخ والمسيرات أو من خلال الاتصالات بين الوحدات المختلفة، هذا الدور يأخذ بعدا آخر أيضا في الصراع إذا ما أخذنا أيضا التلاعب بالبيانات التي قد تبدوا مجانية في كثير من الأحيان كما هو الحال من خلال إرسال بيانات مغلوطة وإحداثيات غير حقيقة في أنظمة الملاحة والتشويش على الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي، هذا الدور هو ما جعل دول العالم تتسابق لبناء أنظمة متكاملة من الأقمار الصناعية ذات الاستخدام المدني والعسكري في ذات الوقت مما يخلق الاستقلالية في الوصول إلى البيانات والاستعانة بهذه الشبكة في حال حدث صراع مع دول أخرى، كما أنها ضرورية أيضا للتنسيق بين القطاعات العسكرية المختلفة البحرية والبرية والجوية، ناهيك أيضا إذا كان الصراع يدار من مسافات بعيدة فالوصول إلى البيانات والتنسيق بين مراكز القيادة يحتاج إلى دقة وسرعة كبيرتين لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال استخدام شبكة متطورة من الأقمار الصناعية.
إن هذا التقدم التقني والمعرفي في علوم الفضاء والأقمار الصناعية المختلفة يرافقه أيضا (وخاصة في أوقات الصراعات) حربا خفيه تتمحور في كيفية التشويش على هذه الأنظمة أو السعي من خلال الهجمات السيبرانية إلى تعطيل هذه الأنظمة وبالتالي لا يمكن الفصل بين التقنيات المختلفة بعضها عن بعض؛ فأنظمة الحماية تبقى مترابطة بجميع جوانبها المختلفة لسد أي ثغرة تمكن العدو من الوصول إلى تعطيل الأنظمة في الأقمار الصناعية، وقد تلجأ الدول في حال لم تستطع تعطيل هذه التقنيات إلى قصف مراكز التحكم أو تعطيل عملها بشكل كبير كما حدث قبل أيام حينما قصفت إسرائيل مركز التحكم بالقمر الصناعي «خيام» لترد إيران باستهداف مماثل لمراكز التحكم بالأقمار الصناعية الإسرائيلية.
لم تعد الأقمار الصناعية في عصرنا الحالي تحمل المفهوم السابق كأداة مختصة في البحوث العلمية أو الاتصالات والبث التلفزيوني بل تعد ذلك لتصبح محورا أساسيا في العقيدة العسكرية الحديثة، فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تطورا هائلا في تقنيات الفضاء كالاستشعار عن بعد وأنظمة الملاحة الفضائية وتقنيات الرصد والتصوير الفضائي مما جعل المنظومة الأمنية والدفاعية تعتمد بشكل كبير على تقنيات الفضاء المتطورة، بل وتعداه إلى إنشاء شبكات من الأقمار الصناعية للأغراض العسكرية في ضوء الاعتماد المتزايد على البيانات والمعلومات التي توفرها هذه الأقمار الصناعية في إدارة العمليات واتخاذ القرارات العسكرية. إن المقولة السائدة بأن من يسيطر على الجو يسيطر على الأرض ربما لم تعد دقيقة في وقتنا الحالي؛ فالفضاء الخارجي أصبح اللاعب الأكبر في هذه المعادلة، ومع دخول الشركات الخاصة إلى هذا القطاع فالمتوقع أن يتسارع التطور التقني والعلمي في هذا المجال خاصة مع التسارع المطرد في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الفضاء الخارجي هو الساحة التي ستظل أحد الميادين المهمة والحيوية في التنافس العسكري والتكنولوجي بين دول العالم، وهذا ما خلق يقينا لدى هذه الدول بأن امتلاك القدرات الفضائية المتقدمة هو ما يشكل عاملا مهما في موازين القوة العالمية. فالدول التي ترغب في تحقيق التفوق في ساحات الصراع يجب عليها العمل بجد على تطوير منظومات فضائية متطورة وقادرة على توفير المعلومات الدقيقة بما يتيح لها إدارة الاتصالات وتوجيه الأنظمة العسكرية المتقدمة. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في علوم الفضاء والتقنيات المرتبطة بها، ليس فقط لأغراض الاستكشاف العلمي والتنمية الاقتصادية، بل أيضا لتعزيز الأمن القومي ومواكبة التحولات الاستراتيجية التي يشهدها العالم في عصر الفضاء.
د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للفلك والفضاء